وبمناسبة التبذير والنهي عنه يأمر بالتوسط في الإنفاق كافة :
( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ) . .
والتوازن هو القاعدة الكبرى في النهج الإسلامي ، والغلو كالتفريط يخل بالتوازن . والتعبير هنا يجري على طريقة التصوير ؛ فيرسم البخل يدا مغلولة إلى العنق ، ويرسم الإسراف يدا مبسوطة كل البسط لا تمسك شيئا ، ويرسم نهاية البخل ونهاية الإسراف قعدة كقعدة الملوم المحسور . والحسير في اللغة الدابة تعجز عن السير فتقف ضعفا وعجزا . فكذلك البخيل يحسره بخله فيقف . وكذلك المسرف ينتهي به سرفه إلى وقفة الحسير . ملوما في الحالتين على البخل وعلى السرف ، وخير الأمور الوسط .
قوله تعالى : { ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك } ، قال جابر : أتى صبي فقال : يا رسول الله إن أمي تستكسيك درعاً ، ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قميصه ، فقال للصبي : من ساعة إلى ساعة يظهر ، فعد وقتاً آخر ، فعاد إلى أمه فقالت : قل له : إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم داره فنزع قميصه فأعطاه إياه ، وقعد عرياناً ، فأذن بلال للصلاة ، فانتظروه فلم يخرج ، فشغل قلوب أصحابه ، فدخل عليه بعضهم فرآه عرياناً ، فأنزل الله تعالى : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } يعني : ولا تمسك يدك عن النفقة في الحق كالمغلولة يده لا يقدر على مدها . { ولا تبسطها } ، بالعطاء { كل البسط } ، فتعطي جميع ما عندك ، { فتقعد ملوماً } ، يلومك سائلوك بالإمساك إذا لم تعطهم . و الملوم الذي أتى بما يلوم نفسه ، أو يلومه غيره ، { محسوراً } منقطعاً بك ، لا شيء عندك تنفقه . يقال : حسرته بالمسألة إذا ألحفت عليه ، ودابة حسيرة إذا كانت كالة رازحة . قال قتادة : محسوراً نادماً على ما فرط منك .
قوله تعالى : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ( 29 ) إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ( 30 ) } بعد أن أمر الله بالإنفاق على أولي القربى والمساكين وابن السبيل ، بيّن كيفية الإنفاق . وجملة ذلك : مجانبة الإفراط والتفريط ، أو التقتير والتبذير . وكلا الأمرين في تصور الإسلام بغيض ومحظور . فهما مما نهى الله عنهما ورسوله . لا جرم أن الإسلام دين الاعتدال والتوازن والوسط ؛ فهو يندد بالتقتير تنديده بالتبذير . وكذلك يندد بالإفراط كتنديده بالتفريط . وتلك هي المحجة المستقيمة التي رسخها الإسلام بعيدا عن كل ظواهر الزيغ والاعوجاج . ويكشف عن هذه الحقيقة قوله في سورة الفرقان : ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ) وقال سبحانه ههنا : ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ) هذا من باب المجاز ، عبّر به عن البخيل الممتنع من الإنفاق والذي لا يعطي من ماله شيئا ؛ فهو كالذي تشد يده إلى عنقه فلا يقدر على التصرف بها لا أخذا ولا إعطاء . والمراد النهي عن الإمساك والشح ؛ فإن الشح بغيض إلى الله بغيض إلى عباده .
قوله : ( ولا تبسطها كل البسط ) ( كل ) ، منصوب على المصدر لإضافته إليه . وهذا مثل آخر ضربه في المبذر المسرف . ذلك أن قبض اليد يحبس ما فيها ، وهو كناية عن البخل . أما بسطها : فإنه يُُذهب ما فيها وهو كناية عن التبذير ، وكلا النقيضين ، البخل : والتبذير ، محظور .
قوله : ( فتقعد ملوما محسورا ) ( ملوما ) ، أي يلوم نفسه على ما فاته من ماله ؛ فقد ضيّع ماله بالكلية ولم يُبق لنفسه وأهله وولده منه شيئا . وكذلك يلومه الناس لعدم إعطائهم منه شيئا . و ( محسورا ) ، أي نادما على ما فرط منه ، أو منقطعا به لا شيء عنده . والمقصود : تشبيه حال من أنفق كل ماله بمن انقطع في سفره{[2675]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.