وبينما نحن معهم على هذه الأرض في استنباء وجواب . إذا نحن فجأة - مع السياق في نقلة من نقلات الأسلوب القرآني المصور - في ساحة الحساب والجزاء . مبدئياً على وجه الفرض والتقدير .
ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به . .
فلا يقبل منها حتى على فرض وجوده معها .
ولا تكتمل الآية حتى يكون الفرض قد وقع وقضي الأمر :
( وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ) . .
أخذتهم وهلة المفاجأة فسقط في أيديهم ، والتعبير يرسم للخيال صورة الكمد يظلل الوجوه ، دون أن تنطق الشفاه !
( وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ) . .
وانتهى المشهد الذي بدأ منذ نصف آية فرضاً وانتهى واقعاً ، على طريقة التصوير القرآني المؤثر المثير .
قوله تعالى : { ولو أن لكل نفس ظلمت } ، أي : أشركت ، { ما في الأرض لافتدت به } ، يوم القيامة ، والافتداء هاهنا : بذل ما ينجو به من العذاب . { وأسروا الندامة } ، قال أبو عبيدة : معناه : أظهروا الندامة ، لأنه ليس ذلك اليوم يوم تصبر وتصنع . وقيل : معناه أخفوا أي أخفى الرؤساء الندامة من الضعفاء ، خوفا من ملامتهم وتعبيرهم ، { لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط } ، فرغ من عذابهم ، { وهم لا يظلمون * ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق لكن أكثرهم لا يعلمون* هو يحيي ويميت وإليه ترجعون } .
ولما أخبرهم بحقيقته ، أخبرهم بما يكون منهم{[38087]} من الظلم أيضاً عند معاينته بالسماح ببذل جميع ما في الأرض حيث لا ينفع البذل بعد ترك المأمور به وهو من أيسر الأشياء وأحسنها فقال : { ولو أن لكل نفس ظلمت } أي عند المعاينة { ما في الأرض } أي كلها من خزائنها ونفائسها { لافتدت به } أي جعلت فدية لها من العذاب لكنه ليس لهم ذلك ، ولو كان من قبل منهم ، فإذا وقع ما يوعدون استسلموا { وأسروا الندامة } أي اشتد ندمهم ولم يقدروا على الكلام { لما رأوا العذاب } لأنهم بهتوا لعظم ما دهمهم فكان فعلهم فعل المسر ، لأنهم لم يطيقوا بكاء ولا شكاية ولا شيئاً مما يفعله الجازع ؛ والاستنباء : طلب النبأ كما أن الاستفهام طلب الفهم ؛ والنبأ : خبر عن يقين في أمر كبير ؛ والحق : عقد على المعنى على ماهو به تدعو لحكمة إليه ، وكل ما بنى على هذا العقد{[38088]} فهو حق لأجله ، والحق في الدين ما شهد به الدليل على الثقة فيما طريقه العلم ، والقوة فيما طريقه غالب الأمر ، وذلك فيما يحتمل أمرين أحدهما أشبه بالأصل الذي جاء به النص ؛ والافتداء : إيقاع الشيء بدل غيره لرفع المكروه ، فداه فدية وأفداه{[38089]} وافتداه افتداء وفاداه {[38090]}مفاداة وفداه{[38091]} تفدية وتفادى منه تفادياً{[38092]} ؛ والإسرار : إخفاء الشيء في النفس ؛ والندامة : الحسرة على ما كان يتمنى أنه لم يكن أوقعها{[38093]} ، وهي حال معقولة يتأسف صاحبها على ما وقع منها ويود أنه لم يكن أوقعها .
ولما اشتملت الآيات الماضيات على تحتم إنجاز الوعد والعدل في الحكم ، وختمت بقوله : { وقضي } أي وأوقع القضاء على أيسر وجه وأسهله ؛ ولما استغرق القضاء جميع وقائعهم . دل بنزع الجار فقال : { بينهم } أي الظالمين والمظلومين والظالمين{[38094]} والأظلمين { بالقسط } أي العدل ؛ ولما كان وقوع ذلك لا ينفي وقوع{[38095]} الظلم في وقت آخر قال : { وهم } أي والحال أنهم { لا يظلمون* } أي لا يقع فيهم ظلم من أحد أصلاً كائناً من كان في وقت ما .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.