في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ} (194)

189

ثم يبين حكم القتال في الأشهر الحرم كما بين حكمه عند المسجد الحرام :

( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص . فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ، واتقوا الله ، واعلموا أن الله مع المتقين ) . .

فالذي ينتهك حرمة الشهر الحرام جزاؤه أن يحرم الضمانات التي يكفلها له الشهر الحرام . وقد جعل الله البيت الحرام واحة للأمن والسلام في المكان ؛ كما جعل الأشهر الحرم واحة للأمن والسلام في الزمان . تصان فيها الدماء ، والحرمات والأموال ، ولا يمس فيها حي بسوء . فمن أبى أن يستظل بهذه الواحة وأراد أن يحرم المسلمين منها ، فجزاؤه أن يحرم هو منها . والذي ينتهك الحرمات لا تصان حرماته ، فالحرمات قصاص . . ومع هذا فإن إباحة الرد والقصاص للمسلمين توضع في حدود لا يعتدونها . فما تباح هذه المقدسات إلا للضرورة وبقدرها :

( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) . .

بلا تجاوز ولا مغالاة . . والمسلمون موكولون في هذا إلى تقواهم . وقد كانوا يعلمون - كما تقدم - أنهم إنما ينصرون بعون الله . فيذكرهم هنا بأن الله مع المتقين . بعد أمرهم بالتقوى . . وفي هذا الضمان كل الضمان . .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ} (194)

قوله تعالى : { الشهر الحرام بالشهر الحرام } . نزلت في عمرة القضاء وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج معتمراً في ذي القعدة فصده المشركون عن البيت بالحديبية ، فصالح أهل مكة على أن ينصرف عامه ذلك ويرجع العام القابل فيقضي عمرته ، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عامه ذلك ورجع في العام القابل في ذي القعدة ، وقضى عمرته سنة سبع من الهجرة ، فذلك معنى قوله تعالى ( الشهر الحرام ) يعني ذي القعدة الذي دخلتم فيه مكة وقضيتم فيه عمرتكم سنة سبع . ( بالشهر الحرام ) يعني ذا القعدة الذي صددتم فيه عن البيت سنة ست .

قوله تعالى : { والحرمات قصاص } . جمع حرمة وإنما جمعها لأنه أراد حرمة الشهر الحرام ، والبلد الحرام وحرمة الإحرام ، والقصاص : المساواة والمماثلة ، وهو أن يفعل بالفاعل مثل ما فعل ، وقيل : هذا في أمر القتال معناه : إن بدؤوكم بالقتال في الشهر الحرام فقاتلوهم فيه فإنه قصاص بما فعلوا فيه .

قوله تعالى : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه } . وقاتلوه .

قوله تعالى : { بمثل ما اعتدى عليكم } . سمى الجزاء باسم الابتداء على ازدواج الكلام كقوله تعالى ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) ( واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ} (194)

ولما أباح تعالى القتال في كل مكان حتى في الحرم وكان فعله في الأشهر الحرم عندهم شديداً جداً ثار - {[8311]}العزم للسؤال عنه فقال {[8312]}معلماً لهم ما يفعلون في عمرة القضاء إن احتاجوا على{[8313]} وجه عام : { الشهر الحرام } {[8314]}وهو ذو القعدة من سنة سبع{[8315]} إن قاتلتموهم فيه لكونهم قاتلوكم في شهر حرام { بالشهر الحرام } الذي قاتلوكم فيه {[8316]}وهو ذو القعدة سنة ست حيث صدوكم فيه عن عمرة الحديبية{[8317]} . ولما أشعر{[8318]} ما مضى بالقصاص أفصح به على وجه أعم فقال : { والحرمات } أي كلها {[8319]}وهي جمع حرمة وهي ما يحفظ ويرعى ولا ينتهك{[8320]} { قصاص } {[8321]}أي تتبع للمساواة والمماثلة{[8322]} { فمن } أي فتسبب عن هذا أنه من { اعتدى عليكم } أي تعمد{[8323]} أذاكم في شيء من الأشياء في{[8324]} أي زمان أو مكان كان { فاعتدوا عليه } أي فجازوه{[8325]} ، سمي اعتداء مشاكلة تقوية{[8326]} لعزائمهم وتوطيناً لهممهم أي افعلوا وإن سماه المتعنت بغير ما يحق له { بمثل ما اعتدى } أي عدوانه{[8327]} { عليكم } أي{[8328]} بمثل الذي اعتدى عليكم به ، ولعله أعاد الظرف وإن أفهمه الأول لدفع تعنت من{[8329]} لعله يقول : الكلام شامل لاعتدائه علي وعلى غيري فلي أن{[8330]} أقابله{[8331]} بأعلى ما وقع له{[8332]} من ذلك ، لأن المراد ردعه ولو{[8333]} لم يرد الحكم{[8334]} هذا لقيد{[8335]} بما{[8336]} ينفيه . ولما جعل{[8337]} المماثلة حداً وكان أمرها خفياً{[8338]} والوقوف عنده بعد استرسال النفس بإرسالها صعباً{[8339]} حذر{[8340]} من تعديه بعد الإذن في القصاص الذي جر{[8341]} أغلبه{[8342]} بتسميته اعتداء على وجه نادب{[8343]} إلى العفو للمستبصر فقال : { واتقوا الله } أي المحيط علماً بكل شيء بالتحري في القصاص حتى لا تتجاوزوا { واعلموا }{[8344]} و{[8345]}أظهر ولم يضمر{[8346]} {[8347]}لئلا يقيد بالتقوى في باب الاعتداء مثلاً فقال{[8348]} : { أن الله } {[8349]}أي الذي له جميع صفات الكمال{[8350]} معكم إن اتقيتم{[8351]} بالتحري فيه أو بالعفو فإن الله { مع المتقين * } ومن كان الله{[8352]} معه أفلح كل الفلاح " وما زاد الله عبداً بعفو إلاّ عزاً " . قال الحرالي{[8353]} : ففي ضمنه إشعار وتطريق لمقصد السماح{[8354]} الذي هو خير الفضائل{[8355]} من وصل القاطع والعفو{[8356]} عن الظالم ، ولما كان في هذه{[8357]} التقوى{[8358]} خروج عن حظ النفس أعلمهم أنه تعالى يكون عوضاً لهم من أنفسهم بما اتقوا وداوموا على التقوى حتى كانت وصفاً لهم فأعلمهم بصحبته{[8359]} لهم - انتهى .


[8311]:من م وظ ومد، وفي الأصل: و.
[8312]:العبارة من هنا إلى "وجه عام" ليست في ظ.
[8313]:من م ومد وفي الأصل: إلى.
[8314]:زيد في م وظ: أي.
[8315]:العبارة من "وهو" إلى هنا ليست في ظ.
[8316]:ليست في ظ.
[8317]:ليست في ظ.
[8318]:في الأصل: اسفو، والتصحيح من م وظ ومد.
[8319]:العبارة ليست في ظ.
[8320]:العبارة ليست في ظ.
[8321]:ليست في ظ.
[8322]:ليست في ظ.
[8323]:من م وظ ومد، وفي الأصل: تتبع.
[8324]:زيد من م ومد وظ.
[8325]:في ظ: فجاوزوه.
[8326]:من م وظ ومد وفي الأصل: مقربة.
[8327]:في الأصل: عداوته والتصحيح من م وظ ومد.
[8328]:في م وظ ومد: أو.
[8329]:في الأصل: لمن والتصحيح من بقية الأصول.
[8330]:زيد من م ومد وظ.
[8331]:من م وظ ومد وفي الأصل: أن أقاتله.
[8332]:من م وظ ومد، وفي الأصل: لي.
[8333]:ليس في ظ.
[8334]:في ظ: الحكيم.
[8335]:من م ومد وفي ظ: القيد وفي الأصل: لقيدي.
[8336]:من م وظ ومد وفي الأصل: مما وفي مد: ما.
[8337]:من م وظ ومد وفي الأصل: حصل.
[8338]:من م ومد وظ، وفي الأصل: خفى.
[8339]:في الأصل: حينا والتصحيح من م وظ ومد.
[8340]:من م وظ ومد، وفي الأصل: حذرا.
[8341]:من م وظ ومد، وفي الأصل: أحدا.
[8342]:من مد وظ، وفي الأصل وم: عليه.
[8343]:من م وظ ومد وفي الأصل: بادر.
[8344]:العبارة من هنا إلى "فقال ليست في ظ.
[8345]:في الأصل: اطهروا ولم يضمن والتصحيح من م ومد.
[8346]:في الأصل: اطهروا ولم يضمن والتصحيح من م ومد.
[8347]:في م: ليلا يقيد، وفي مد: ليلا بقيد بالتقوى. وفي الأصل: يعتدى مكان: يقيد.
[8348]:في م: ليلا يقيد وفي مد: ليلا بقيد التقوى وفي الأصل: يعتدى – مكان: يقيد.
[8349]:ليست في ظ.
[8350]:ليست في ظ.
[8351]:من مد وظ وفي م: أبقيتم، وفي الأصل اتقيتم.
[8352]:زيد من م.
[8353]:قال أبو حيان الأندلسي: أمر بتقوى الله فيدخل فيه اتقاؤه بأن لا يتعدى الإنسان في القصاص إلى ما لا يحل له "واعلموا أن الله مع المتقين" بالنصرة والتمكين والتأييد، رجاء بلفظ 'مع' الدالة على الصحبة والملازمة حضا على الناس بالتقوى دائما إذ من كان الله معه فهو الغالب المنتصر ألا ترى إلى ما جاء في الحديث "أرموا وأنا مع بني فلان" فأمسكوا فقال: "ارموا أنا معكم كلكم" البحر المحيط 2 / 70.
[8354]:من م وظ ومد وفي الأصل: الصلاح.
[8355]:من م ومد وظ، وفي الأصل: الفاضل.
[8356]:في ظ: فالعفو.
[8357]:من م ومد وظ، وفي الأصل: هذا.
[8358]:في ظ: القوى.
[8359]:في مد: بصحته.