اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ} (194)

قوله تعالى : { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ } مبتدأ ، خبرُه الجارُّ بعده ، ولا بُدَّ من حذفِ مضافٍ ، تقديرُه : انتهاكُ حُرْمة الشَّهْر الحرامِ بانتهاكِ حرمةِ الشهرِ ، والألفُ واللامُ في الشَّهْر الأوَّل والثَّاني لِلْعهَد ؛ لأنَّهما معلومان عند المخاطبين ؛ فإنَّ الأولَ ذُو القَعْدَةِ من سنة سَبْع ، والثاني من سنة سَتٍّ .

وقرئ{[2797]} . " والحُرْمَات " بسكون الراء ، ويُعْزَى للحسن وقد تقدَّم عند قوله { فِي ظُلُمَاتٍ } [ البقرة : 17 ] أنَّ جمعَ " فُعْلَةٍ " بشروطِها يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجه : هذان الاثنانِ ، وفَتْحُ العين .

فصل في بيان سبب النُّزول

في سبب نزول الآية ثلاثة أوجه :

أحدها : قال ابنُ عبَّاس ومجاهدٌ ، والضَّحَّاك - رضي الله عنهم - أنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم ، وشَرَّف ، وكَرَّم ، ومَجَّد ، وبَجَّل ، وعَظَّم - خرج عام الحُديبية لِلْعُمرة ، وذلك في ذي القعدة سنة ستٍّ مِنَ الهجرة ، فصدَّه أهلُ مكة عَنْ ذلك ثُمَّ صالحُوه أنْ ينصرف ، ويعودَ في العام القابل ؛ ويتركُوا له " مكَّةَ " ثلاثة أيَّام ؛ حتَّى يقضي عُمْرَتَهُ فانصرَفَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم وشَرَّف ، وكَرَّم ، ومَجَّد ، وبَجَّل ، وعَظَّم - عامهُ ذلك ، ورجع في العام القابل في ذي القعدة سنَة سبعٍ ، ودَخَل مَكَّة ، واعتَمر ؛ فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية الكريمة يعني إنَّك دخلت مكَّة في الشهر الحرام ، والقومُ كانُوا صَدُّوكَ في السنةِ الماضية في هذا الشَّهر ؛ فهذا الشهر الحرامُ ؛ بذلك الشهرِ الحرامِ{[2798]} .

وثانيها : قال الحسن : إنَّ الكُفَّار سَمِعُوا أنَّ الله تعالى نهى الرسُولَ - عليه الصَّلاة والسَّلام - عن المقاتلة في الأشهر الحُرُم ؛ وهو قوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ } [ البقرة : 217 ] فأرادوا مقاتلته ، وظنُّوا أنَّهُ لا يُقاتلهم في الأشهر الحُرُم ؛ فأنزل اللَّهُ تعالى في هذه الآية ؛ لبيان الحُكم في هذه الواقعة فقال : { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ } أي من استحلَّ قتالكم من المشركين من الشَّهر الحرام ، فاستحلّوه أنتم فيه{[2799]} .

وثالثها : قال بعضُ المتكلِّمين{[2800]} : هو أنَّ الشهر الحرام لما لم يمنعكم عن الكفر بالله ، فكيف يمنعنا عن قتالكم ؟ فالشهر الحرام من جانبنا مقابل الشهر الحرام جانبكم ؛ والحاصل في هذه الوجوه : أنَّ حرمة الشَّهر الحرام لما لم تمنعهُم عن الكفر ، والأفعالِ القبيحة ، فكيف جعلوه سبباً في منع القتالِ على الكفر والفساد ؟ !

قوله : " والحرمات قصاصٌ " الحرماتُ : جمع حرمة ؛ كظلمات جمع ظلمة ، وحجرات جمع حجرة ، الحرمة ما منع من انتهاكه ، وجمعها ؛ لأنَّه أراد حُرمة الشَّهر الحرامِ والبلد الحرام ، وحرمة الإحرام . و " القصاص " : المُساوَاةُ والمُمَاثلة .

والمعنى على الوجه الأوَّل في النُّزول لمَّا أضاعوا هذه الحُرمات في سنة ستٍّ ، فقد قضيتموها على زعمكم في سنة سبع .

وأما على الثَّاني : فالمراد إن أقدمُوا على مقاتلتكم في الشَّهر الحرام ، فقاتلوهم أنتم أيضاً فيه .

قال الزَّجَّاج{[2801]} : وعلم الله بهذه الآية : أنه ليس على المسلمين : أن ينتهكوا هذه الحرمات على سبيل الابتداء ، بل على سبيل القصاص والمماثلة ، وهذا القول أشبه بما قبل هذه الآية الكريمة ، وهو قوله تعالى : { وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ } وبما بعدها ؛ وهو قوله تعالى : { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } .

وأما على القول الثالث : فقوله " والحُرُمَاتُ قِصَاصٌ " يعني : حُرمَةُ كلِّ واحدٍ من الشهرين كحرْمة الآخر ، وهما مثلان ، والقِصاصُ هو المثلُ ، ولَمَّا لم يمنعكُم حرمةُ الشَّهر من الكُفْر ، والفِتنة ، والقِتال ، فكيف يمنعُنا عن القتال ؛ فعلى هذا ، فقوله : " والحُرُمَاتُ قِصَاصٌ " متَّصلٌ بما قبله .

وقيل : هو مقطوعٌ منه ، وهو ابتداء أمرٍ كان في أوَّل الإسلام : أن من انتهك حُرمتك ، نِلتَ منه بمثل ما اعتدى عليك ، ثم نُسِخً ذلك بالقتال .

وقالت{[2802]} طائفةٌ : ما تناولت الآية الكريمة من التعدِّي بين أمة محمَّد - عليه الصَّلاة والسَّلام - والجنايات ونحوها - لم يُنسَخْ ، وجاز لمن تُعُدِّيَ عليه من مال ، أو جرح أن يتعدَّى بمثل ما تُعُدِّي به عليه .

وقوله { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } يجوزُ في " مَنْ " وجهان :

أحدهما : أن تكون شرطيةً ، وهو الظاهرُ ؛ فتكونَ الفاء جواباً .

والثاني : أن تكونَ موصولةً ؛ فتكونَ الفاءُ زائدةً في الخبر ، وقد تقدَّم نظيره .

قوله : { بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى } في الباء قولان :

أحدهما : أن تكون غير زائدةٍ ، بل تكون معلِّقةً ب " اعْتَدُوا " والمعنى : بعقوبةٍ مثْل جنايةِ اعتدائه .

والثاني : أنها زائدةٌ ، أي : مثل ما اعَْدى به ؛ فتكون : إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوف ، أي : اعتداءً مماثلاً لاعتدائه ، وإمَّا حالاً من المصدر المحذوف ، كما هو مذهبُ سيبويه - رحمه الله تعالى - أي : فاعتدوا الاعتداء مُشبِهاً اعتداءُه ، و " مَا " يجوزُ أن تكونَ مصدريةً ، فلا تفتقر إلى عائدٍ ، وأن تكون موصولةً ؛ فيكون العائدُ محذوفاً ، أي : بمثل ما اعتدى عليكُم به ، وجاز حذفه ؛ لأنَّ المُضاف إلى الموصول قد جُرَّ بحرفٍ قد جُرَّ به العائدُ ، واتَّحد المتعلِّقان وقد تقدَّم معنى تسمية المجازاة بالاعتداء .

فصل في اختلافهم في تسمية المكافأة عدواناً

قال القرطبيُّ{[2803]} : اختلف النَّاس في المكافأة ، هل تُسمَّى عدواناً ، أم لا ؟ فمن قال : ليس في القرآن مجازٌ ، قال : المقابلة عدوانٌ ، وهو عدوانٌ مباحٌ ، كما أنَّ المجاز في كلام العرب كذبٌ مباحٌ ؛ لأن قوله : [ الطويل ]

971 - فَقَالَتْ لَهُ الْعَيْنَانِ سَمْعاً وَطَاعَةً *** . . . {[2804]}

وقولَهُ : [ الرجز ]

972 - إِمْتَلأَ الحَوْضُ وَقَالَ قَطْنِي{[2805]} *** . . .

وقوله : [ الرجز ]

973 - شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى{[2806]} *** . . .

ومعلوم أنَّ هذه الأشياء لا تنطق ، وحدُ الكَذِب الإخبارُ عن الشَّيء بخلاف ما هو به .

ومن قال : في القُرآن مجازٌ : سمَّى هذا عُدواناً مجازاً على طريق المُقابلة كقول عمرو بن كلثومٍ : [ الوافر ]

974 - أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحدٌ عَلَيْنَا *** فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا{[2807]}

وقول الآخر : [ الطويل ]

975 - ولِي فَرَسٌ لِلْحِلْمِ بِالْحِلْمِ مُلْجَمٌ *** وَلِي فَرَسٌ لِلْجَهْلِ بِالجَهْلِ مُسْرَجُ

وَمَنْ رَامَ تَقْوِيمي فَإِنِّي مُقَوَّمٌ وَمَنْ رَامَ تَعْوِيجي فَإِنِّي مُعَوَّجُ{[2808]}

يريد أُكافىءُ الجاهل والمُعوجَّ لا أنَّه امتدح بالجهل والاعوجاج .

قولُهُ " وَاتَّقُوا " قد تقدَّم معنى " التَّقْوَى " .

وقولُهُ : { وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } ، أي : بالمعونَةِ ، والنُّصرة ، والحِفظ ، وهذا من أقوى الدَّلائل على أنَّه ليس بجسمٍ ، ولا في مكانٍ ، إذ لو كان جسماً ، لكان في مكانٍ معيَّن ؛ فكان إمَّا أن يكون مع أحدٍ منهم ، ولم يكن مع الآخر ، أو يكون مع كُلِّ واحدٍ من المُتَّقين جزءُ من أجزائهِ ، تعالى الله عن ذلك عُلُوّاً كبيراً .


[2797]:- قرأ بها الحسن. انظر: المحرر الوجيز 1/264، والبحر المحيط 2/77، والدر المصون: 1/481، والشواذ 12، وإتحاف 1/433.
[2798]:- تقدم.
[2799]:- ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" 5/114.
[2800]:- ينظر: تفسير الفخر الرازي 5/114.
[2801]:- ينظر: تفسير الفخر الرازي 5/115.
[2802]:- ينظر: تفسير القرطبي 2/ 237.
[2803]:- ينظر: تفسير القرطبي 2/237-238.
[2804]:- ينظر: القرطبي 2/ 238.
[2805]:- البيت من الرجز الذي لا يعرف قائله وبعده: مهلا رويدا قد ملأت بطني ينظر: شرح المفصل 1/82، 2/131، والخصائص 1/23، ورصف المباني ص 362، تخليص الشواهد ص 111، أمالي المرتضى 2/309، الإنصاف ص 130، إصلاح المنطق ص 57، جواهر الأدب ص 151، سمط اللآلي ص 475، شرح الأشموني 1/57، كتاب اللامات ص 140، والمقاصد النحوية 1/ 361، ولسان العرب (قطط)، (قطن)، والقرطبي 2/ 238.
[2806]:- ينظر: القرطبي 2/238.
[2807]:- تقدم برقم 214.
[2808]:- ينظر: القرطبي 2/238.