ومن ثم يوجه القرآن اليهود الذين كان يواجههم أولا ، ويوجه الناس كلهم ضمنا ، إلى الاستعانة بالصبر والاستعانة بالصلاة . . وفي حالة اليهود كان مطلوبا منهم أن يؤثروا الحق الذي يعلمونه على المركز الخاص الذي يتمتعون به في المدينة ، وعلى الثمن القليل - سواء كان ثمن الخدمات الدينية أو هو الدنيا كلها - وأن يدخلوا في موكب الإيمان وهم يدعون الناس إلى الإيمان ! وكان هذا كله يقتضي قوة وشجاعة وتجردا . واستعانة بالصبر والصلاة :
( واستعينوا بالصبر والصلاة . وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين )
والغالب أن الضمير في أنها ضمير الشأن ، أي إن هذه الدعوة إلى الاعتراف بالحق في وجه هذه العوامل كبيرة وصعبة وشاقة ، إلا على الخاشعين الخاضعين لله ، الشاعرين بخشيته وتقواه ، الواثقين بلقائه والرجعة إليه عن يقين .
والاستعانة بالصبر تتكرر كثيرا ؛ فهو الزاد الذي لا بد منه لمواجهة كل مشقة ، وأول المشقات مشقة النزول عن القيادة والرياسة والنفع والكسب احتراما للحق وإيثارا له ، واعترافا بالحقيقة وخضوعا لها .
إن الصلاة صلة ولقاء بين العبد والرب . صلة يستمد منها القلب قوة ، وتحس فيها الروح صلة ؛ وتجد فيها النفس زادا أنفس من أعراض الحياة الدنيا . . ولقد كان رسول الله [ ص ] إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ، وهو الوثيق الصلة بربه الموصول الروح بالوحي والإلهام . . وما يزال هذا الينبوع الدافق في متناول كل مؤمن يريد زادا للطريق ، وريا في الهجير ، ومددا حين ينقطع المدد ، ورصيدا حين ينفد الرصيد . .
قوله تعالى : { واستعينوا } . على ما يستقبلكم من أنواع البلاء وقيل : على طلب الآخرة .
قوله تعالى : { بالصبر والصلاة } . على تمحيص محو الذنوب أراد حبس النفس عن المعاصي . وقيل : أراد بالصبر الصبر على أداء الفرائض ، وقال مجاهد : الصبر الصوم ، ومنه سمي شهر رمضان شهر الصبر ، وذلك لأن الصوم يزهده في الدنيا ، والصلاة ترغبه في الآخرة ، وقيل : الواو بمعنى على ، أي : واستعينوا بالصبر على الصلاة ، كما قال الله تعالى : ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ) .
قوله تعالى : { وإنها } . ولم يقل وإنهما رد الكناية إلى كل واحد منهما . أي وإن كل خصلة منهما . كما قال : ( كلتا الجنتين آتت أكلها ) أي كل واحدة منهما . وقيل : معناه واستعينوا بالصبر وإنه لكبير وبالصلاة وإنها لكبيرة ، فحذف أحدهما اختصاراً ، وقال المورج : برد الكناية إلى الصلاة لأنها أعم كقوله تعالى : ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ) رد الكناية إلى الفضة لأنها أعم . وقيل : رد الكناية إلى الصلاة لأن الصبر داخل فيها . كما قال الله تعالى : ( والله ورسوله أحق أن يرضوه ) ولم يقل يرضوهما لأن رضا الرسول داخل في رضا الله عز وجل . وقال الحسين ابن الفضل : رد الكناية إلى الاستعانة .
قوله تعالى : { لكبيرة } . أي : لثقيلة .
قوله تعالى : { إلا على الخاشعين } . يعني : المؤمنين ، وقال الحسن : الخائفين وقيل : المطيعين وقال مقاتل بن حيان : المتواضعين ، وأصل الخشوع السكون ، قال الله تعالى : ( وخشعت الأصوات للرحمن ) فالخاشع ساكن إلى طاعة الله تعالى .
ولما أنكر عليهم{[2221]} اتباع الهوى أرشدهم إلى دوائه بأعظم أخلاق النفس وأجل أعمال البدن فقال عاطفاً على ما مضى من الأوامر . وقال الحرالي : فكأنهم إنما حملهم على مخالفة حكم العقل ما تعودت به أنفسهم من الرياسة والتقدم فلِما{[2222]} في ذلك عليهم من المشقة أن يصيروا أتباعاً للعرب بعد ما كانوا يرون أن جميع الأرض تبع لهم نسق{[2223]} بخطابهم في ذلك الأمر بالاستعانة بالصبر الذي يُكره أنفسهم على أن تصير تابعة بعد أن كانت متبوعة فقال تعالى - انتهى . { واستعينوا } {[2224]}أي على إظهار الحق والانقياد له وهو معنى ما مضى من الأوامر والنواهي { بالصبر } أي على مخالفة الهوى ، والصبر حبس النفس عن حاجتها وعادتها وعلى إصلاحها وتزكيتها ، هو ضياء للقلوب تبصر به ما يخفيه عنها الجزع من الخروج عن العادة فيما تنزع إليه الأنفس - قاله الحرالي . وهو عام {[2225]}في كل صبر الصوم وغيره{[2226]} ، {[2227]}{ والصلاة } أي الموصلة إلى المقام الأعلى ، وفيه التفات إلى { وإياك{[2228]} نستعين }[ الفاتحة : 5 ] ، وإشارة إلى أن من لم تنهه صلاته عن ركوب الباطل والتمادي فيه وتأمره بلزوم الحق والرجوع إليه فليس بمصلٍّ ، فكأن المراد بالصبر تخليص النفس من أشراك الهوى وقسرها على الإخلاص ، فمن صلى على هذه الصفة كان لا محالة من الناجين ؛ وثنى بالصلاة لأنها استرزاق يغنيهم{[2229]} عن اشتراء ثمن كانوا يأخذونه من أتباعهم في اللبس والكتمان
{ وامر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقاً نحن نرزقك{[2230]} }[ طه : 132 ] قال الحرالي : {[2231]} ويصح أن يراد بها الدعاء ، فمن صبر عن الدنايا وعلى المكاره{[2232]} وأنهى صبره إلى الصوم فأزال عنه كدورات حب الدنيا وأضاف إلى ذلك الصلاة استنار قلبه بأنواع المعارف ، فإذا ضم إلى ذلك الدعاء والالتجاء إلى الله تعالى بلغ نهاية البر .
ولما أمر ونهى بما ختمه بالصلاة حث على التفاؤل لعظمته [ سبحانه{[2233]} ] بتخصيصها بالضمير-{[2234]} ] فقال : { وإنها لكبيرة } أي ثقيلة جداً{[2235]} ، والكبير{[2236]} ما جل قدره أو مقداره في حس{[2237]} ظاهر أو في معنى باطن - قاله الحرالي . { إلا على الخاشعين } أي المخبتين الذين هم في غاية السهولة واللين والتواضع لربهم بحيث لا يكون عندهم شيء من كبر {[2238]}وينظرون عواقب الأمر وما أعد عليها من الأجر ، ولذا قال صلى الله عليه وسلم : " وجعلت قرة عيني في الصلاة " وغيرهم يمنعهم{[2239]} ثقلها من فعلها ، وإن فعلها فعلى غير رغبة . قال الحرالي : وهو أي الخشوع هُدُوُّ الجوارح والخواطر فيما هو الأهم في الوقت ، وأنبأ تعالى بكبر قدر الصلاة عن أن يتناول عملها إلا خاشع خرج عن حظ نفسه وألزم{[2240]} نفسه ذل العبودية التي ختمت بها النبوة ، وفي إشارة كمال الصلاة إشعار بصلاة العصر{[2241]} التي هي صلاة النبي الخاتم الذي{[2242]} زمنه وقت العصر وحالة العبودية ، وذلك مما يكبر على من قرن بنبوته وبملته{[2243]} الملك إلا أن يخشع لما يكبر على النفس ، وخصت الصلاة بالكبر{[2244]} دون الصبر لأن الصبر صغار للنفس والصلاة وجهة{[2245]} للحق والله هو العلي الكبير - انتهى .