هؤلاء الغافلون عما حولهم ، العميُ عما يحيط بهم . . يسألون الرسول [ ص ] عن الساعة البعيدة المغيبة في المجهول . كالذي لا يرى ما تحت قدميه ويريد أن يرى ما في الأفق البعيد !
( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ؟ قل : إنما علمها عند ربي ، لا يجليها لوقتها إلا هو ، ثقلت في السماوات والأرض ، لا تأتيكم إلا بغتة . يسألونك كأنك حفي عنها ! قل : إنما علمها عند الله ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون . قل : لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله . ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء . إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ) . .
لقد كانت عقيدة الآخرة ، وما فيها من حساب وجزاء ، تفاجىء المشركين في الجزيرة مفاجأة كاملة . . ومع أن هذه العقيدة أصيلة في دين إبراهيم - عليه السلام - وهو جد هؤلاء المشركين ؛ وفي دين إسماعيل أبيهم الكريم ؛ إلا أنه كان قد طال عليهم الأمد ، وبعد ما بينهم وبين أصول الإسلام الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل . حتى لقد اندثرت عقيدة الآخرة تماماً من تصوراتهم ؛ فكانت أغرب شيء عليهم وأبعده عن تصورهم . حتى لقد كانوا يعجبون ويعجبون من رسول الله [ ص ] لأنه يحدثهم عن الحياة بعد الموت ؛ وعن البعث والنشور والحساب والجزاء ؛ كما حكى عنهم القرآن الكريم في السورة الأخرى : وقال الذين كفروا : هل ندلكم على رجل ينبئكم ، إذا مزقتم كل ممزق ، إنكم لفي خلق جديد ؟ أفترى على الله كذباً ؟ أم به جنة ؟ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد . . [ سبأ : 7 - 8 ] .
ولقد علم الله أن أمة من الأمم لا تملك أن تقود البشرية وتشهد عليها - كما هي وظيفة الأمة المسلمة - إلا أن تكون عقيدة الآخرة واضحة لها راسخة في ضميرها . . فتصور الحياة على أنها هذه الفترة المحدودة بحدود هذه الحياة الدنيا ، وحدود هذه الأرض الصغيرة ، لا يمكن أن ينشىء أمة هذه صفتها وهذه وظيفتها !
إن العقيدة في الآخرة فسحة في التصور ، وسعة في النفس ، وامتداد في الحياة ضروري في تكوين النفس البشرية ذاتها ، لتصلح أن تناط بها تلك الوظيفة الكبيرة . . كذلك هي ضرورية لضبط النفس عن شهواتها الصغيرة ومطامعها المحدودة ؛ ولفسحة مجال الحركة حتى لا تيئسها النتائج القريبة ولا تقعدها التضحيات الأليمة ، عن المضي في التبشير بالخير ، وفعل الخير والقيادة إلى الخير ، على الرغم من النتائج القريبة ، والتضحيات الأليمة . . وهي صفات ومشاعر ضرورية كذلك للنهوض بتلك الوظيفة الكبيرة . .
والاعتقاد في الآخرة مفرق طريق بين فسحة الرؤية والتصور في نفس " الإنسان " ، وضيق الرؤية واحتباسها في حدود الحس في إدراك " الحيوان " ! وما يصلح إدراك الحيوان لقيادة البشرية ، والقيام بأمانة الله في الخلافة الراشدة !
لذلك كله كان التوكيد شديداً على عقيدة الآخرة في دين الله كله . . ثم بلغت صورة الآخرة في هذا الدين الأخير غايتها من السعة والعمق والوضوح . . حتى بات عالم الآخرة في حس الأمة المسلمة أثبت وأوضح وأعمق من عالم الدنيا الذي يعيشونه فعلاً . . وبهذا صلحت هذه الأمة لقيادة البشرية ، تلك القيادة الراشدة التي وعاها التاريخ الإنساني !
ونحن في هذا الموضع من سياق سورة الأعراف أمام صورة من صور الاستغراب والاستنكار الذي يواجه به المشركون عقيدة الآخرة ، تبدو في سؤالهم عن الساعة سؤال الساخر المستنكر المستهتر :
( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ؟ )
إن الساعة غيب ، من الغيب الذي استأثر الله بعلمه ، فلم يطلع عليه أحداً من خلقه . . ولكن المشركينيسألون الرسول عنها . . إما سؤال المختبر الممتحن ! وإما سؤال المتعجب المستغرب ! وإما سؤال المستهين المستهتر ! ( أيان مرساها ؟ ) أي متى موعدها الذي إليه تستقر وترسو ؟ !
والرسول [ ص ] بشر لا يدعي علم الغيب ، مأمور أن يكل الغيب إلى صاحبه ، وأن يعلمهم أنها من خصائص الألوهية ، وأنه هو بشر لا يدعي شيئاً خارج بشريته ولا يتعدى حدودها ، إنما يعلمه ربه ويوحي إليه ما يشاء :
( قل : إنما علمها عند ربي ، لا يجليها لوقتها إلا هو ) .
فهو - سبحانه - مختص بعلمها ، وهو لا يكشف عنها إلا في حينها ، ولا يكشف غيره عنها .
ثم يلفتهم عن السؤال هكذا عن موعدها ، إلى الاهتمام بطبيعتها وحقيقتها ، وإلى الشعور بهولها وضخامتها . . . ألا وإن أمرها لعظيم ، ألا وإن عبئها لثقيل . ألا وإنها لتثقل في السماوات والأرضين . وهي - بعد ذلك - لا تأتي إلا بغتة والغافلون عنها غافلون :
( ثقلت في السماوات والأرض ، لا تأتيكم إلا بغتة ) . .
فأولى أن ينصرف الاهتمام للتهيؤ لها والاستعداد قبل أن تأتي بغتة ؛ فلا ينفع معها الحذر ، ولا تجدي عندها الحيطة ، ما لم يأخذوا حذرهم قبلها ، وما لم يستعدوا لها ، وفي الوقت متسع وفي العمر بقية . وما يدري أحد متى تجيء ، فأولى أن يبادر اللحظة ويسارع ، وألا يضيع بعد ساعة ، قد تفجؤه بعدها الساعة !
ثم يعجب من أمر هؤلاء الذين يسألون الرسول [ ص ] عن الساعة . . إنهم لا يدركون طبيعة الرسالة وحقيقة الرسول ؛ ولا يعرفون حقيقة الألوهية ، وأدب الرسول في جانب ربه العظيم .
أي كأنك دائم السؤال عنها ! مكلف أن تكشف عن موعدها ! ورسول الله [ ص ] لا يسأل ربه علم ما يعلم هو أنه مختص بعلمه :
( قل : إنما علمها عند الله ) . .
قد اختص سبحانه به ؛ ولم يطلع عليه أحداً من خلقه .
( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) . .
وليس الأمر أمر الساعة وحده . إنما هو أمر الغيب كله فلله وحده علم هذا الغيب . لا يطلع على شيء منه إلا من شاء ، بالقدر الذي يشاء ، في الوقت الذي يشاء . . لذلك لا يملك العباد لأنفسهم نفعاً ولا ضراً . . فقد يفعلون الأمر يريدون به جلب الخير لأنفسهم ، ولكن عاقبته تكون هي الضر لهم . وقد يفعلون الأمر يريدون به رفع الضر عنهم ، ولكن عاقبته المغيبة تجره عليهم ! وقد يفعلون الأمر يكرهونه فإذا عاقبته هي الخير ؛ ويفعلون الأمر يحبونه فإذا عاقبته هي الضر : ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم ) . .
ألا من يريني غايتي قبل مذهبي ! % ومن أين والغايات بعد المذاهب
إنما يمثل موقف البشرية أمام الغيب المجهول . ومهما يعلم الإنسان ومهما يتعلم ، فإن موقفه أمام باب الغيب الموصد ، وأمام ستر الغيب المسدل ، سيظل يذكره ببشريته المحجوبة أمام عالم الغيب المحجوب .
قوله تعالى : { يسألونك عن الساعة أيان مرساها } قال قتادة : قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة ؟ فأنزل الله تعالى : { يسألونك عن الساعة } يعني : القيامة ، { أيان مرساها } قال ابن عباس رضي الله عنهما : منتهاها ، وقال قتادة : قيامها ، وأصله الثبات ، أي : متى مثبتها ؟
قوله تعالى : { إنما علمها عند ربي } استأثر بعلمها ولا يعلمها إلا هو .
قوله تعالى : { لا يجليها } لا يكشفها ، ولا يظهرها ، وقال مجاهد : لا يأتي بها .
قوله تعالى : { لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض } . يعني : ثقل علمها ، وخفي أمرها على أهل السموات والأرض . وكل خفي ثقيل ، قال الحسن : يقول إذا جاء ثقلت وعظمت على أهل السموات والأرض .
قوله تعالى : { لا تأتيكم إلا بغتةً } ، فجأة على غفلة .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا أبو اليمان ، حدثنا شعيب ، حدثنا أبو الزناد ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما ، فلا يتبايعانه ولا يطويانه ، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه ، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه ، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها ) .
قوله تعالى : { يسألونك كأنك حفي عنها } ، فيه تقديم وتأخير ، أي : عالم بها ، من قولهم : أحفيت في المسألة ، أي : بالغت فيها ، معناها : كأنك بالغت في السؤال عنها حتى علمتها .
قوله تعالى : { قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون } . أن علمها عند الله ، حتى سألوا محمداً صلى الله عليه وسلم عنها .
ولما بين التوحيد والنبوة والقضاء والقدر ، أتبعه المعاد لتكمل المطالب الأربعة{[34260]} التي هي أمهات مطالب القرآن ، مبيناً ما اشتمل عليه هذا الكلام من تبلدهم{[34261]} في العمه وتلددهم في إشراك الشبه بقوله : { يسئلونك } أي مكررين لذلك { عن الساعة } أي عن وقتها سؤال استهزاء { أيان مرساها } أي أيّ وقت ثبات ثقلها واستقراره{[34262]} ، والمرسى يكون مصدراً وزماناً ومكاناً ، من رست السفينة - إذا ثبتت بالحديدة المتشعبة ، وإنما كان هذا بياناً لعمههم فإنهم{[34263]} وقعوا بذلك{[34264]} في الضلال من وجهين : السؤال عما غيره لهم أهم ، وجعله على طريق الاستهزاء مع ما قام عليه من الأدلة ، وسيكرره في هذه السورة ، وكان اللائق بهم أن يجعلوا بدل السؤال عنها اتقاءها بالأعمال الصالحة .
ولما كان السؤال عن الساعة عاماً ثم خاصاً بالسؤال عن وقتها{[34265]} ، جاء الجواب عموماً عنها بقوله : { قل إنما علمها } أي علم وقت إرسائها وغيره { عند ربي } أي المحسن إليّ بإقامتها لينعم على من تبعني وينتقم ممن{[34266]} تركني ، لم يطلع على ذلك أحداً من خلقه ، ولا يقيمها إلا في أحسن الأوقات وأنفعها لي ، وإخفاؤها أنفع للخلق لأنه أعظم لشأنها وأهيب ، فيكون أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية وأقرب إلى التوبة ، ثم خصصت من حيث الوقت بقوله مشيراً إلى أن لها أشراطاً{[34267]} تتقدمها : { لا يجليها } أي يبينها غاية البيان { لوقتها إلا هو } .
ولما كان قد أشار إلى ثقل الساعة بالإرساء ، وكان الشيء إذا جهل من بعض الوجوه أشكل وإذا أشكل ثقل ، قال : { ثقلت } أي الساعة فغاصت إلى حيث لم يتغلغل إليها علم العباد فأهمهم كلهم عليّ{[34268]} شأنها ، ولذلك عبر بالظرف فقال : { في السماوات والأرض } أي نسبة أهلهما إلى خفائها والخوف منها على حد سواء لأن مالكها قادر على ما يشاء ، وله أن يفعل ما يشاء{[34269]} - ثم قرر خفاءها على الكل فقال : { لا تأتيكم } أي في حالة من الحالات { إلا بغتة } أي على حين غفلة .
ولما كانوا قد ألحفوا{[34270]} في سؤاله صلى الله عليه وسلم عنها ، وكانت صفة الربوبية المذكورة في الجملة الأولى ربما حملت على سؤاله طمعاً في تعرفها{[34271]} من المحسن إليه ، قطع الأطماع بقوله مؤكداً{[34272]} للمعنى : { يسئلونك } أي عن الساعة مطلقاً في وقت وقوعها وما يحصل من أمورها ويحدث من{[34273]} شدائدها ، أي ويلحفون{[34274]} في سؤالك كلما أخبرتهم أنه لا يعلمها {[34275]}إلا الله{[34276]} { كأنك حفيٌّ } أي عالم بأمرها مستقص مبالغ في السؤال { عنها قل } أي قطعاً لسؤالهم { إنما علمها عند الله } أي الذي له{[34277]} جميع العزة والعظمة والكبرياء فلا يستطاع علم شيء مما عنده إلا بإذنه ، ولم يأذن في علمها لأحد من الخلق { ولكن أكثر الناس } أي الذين{[34278]} غلبت عليهم صفة الاضطراب { لا يعلمون } أي ليسوا من أهل العلم فهم بالسؤال عنها يستهزئون ، ولو كانوا من أهله ما كذبوك ، فواقعوا ما لا يعنيهم من السؤال عنها وغيره من أنواع التعنت ، وتركوا ما ينجيهم ويغنيهم من المبادرة إلى الإيمان بهذا القرآن خوف انخرام الآجال وهم يهيمون في أودية الضلال .