وإنهم لأجبن من أن يواجهوا الرسول والذين معه ، وإنهم ليخشون أن يكشف اللّه سترهم ، وأن يطلع الرسول - [ ص ] - على نواياهم :
( يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم . قل استهزئوا إن اللّه مخرج ما تحذرون . ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب . قل : أباللّه وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ? لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ؛ إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين )
{ يحذر المنافقون أن تنزّل عليهم } على المؤمنين . { سورة تنبّئهم بما في قلوبهم } وتهتك عليهم أستارهم ، ويجوز أن يكون الضمائر للمنافقين فإن النازل فيهم كالنازل عليهم من حيث إنه مقروء ومحتج به عليهم ، وذلك يدل على ترددهم أيضا في كفرهم وأنهم لم يكونوا على بت في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بشيء . وقيل إنه خبر في معنى الأمر . وقبل كانوا يقولونه فيما بينهم استهزاء لقوله : { قل استهزؤوا إن الله مُخرج } مبرز أو مظهر . { ما تحذرون } أي ما تحذرونه من إنزال السورة فيكم ، أو ما تحذرون إظهاره من مساويكم .
{ يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ( 64 ) وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ ( 65 ) لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ( 66 ) } .
64 – { يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ } .
قال السدي : قال بعض المنافقين : والله لوددت لو أنى قدمت فجلدت مائة ، ولا ينزل فينا شيء يفضحنا ؛ فنزلت الآية .
وأخرج أبو الشيخ ابن حيان عن قتادة قال : كانت هذه السورة تسمى : الفاضحة فاضحة المنافقين . وكان يقال لها : المنبئة ؛ لأنها أنبأت بمثالبهم وعوراتهم .
كان المنافقون يخافون من نزول القرآن فاضحا لهم ؛ كاشفا استهزاءهم بآيات الله ، وكلامهم الذي ينتقضون فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
{ يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم . . . } الآية .
أي : يخاف المنافقون ويتحرزون أن تنزل على المؤمنين سورة تكشف أحوالهم ، وتفضح أسرارهم وتبين نفاقهم ، وتخبرهم بما أخفى المنافقون في قلوبهم ؛ وبما كانوا يتحدثون به فيما بينهم ، من سخرية واستهزاء بالرسول ، وبما أنزل الله عليه من كتاب ، واستخفاف بالمؤمنين .
{ قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون } .
أي : قل لهم يا محمد : استهزئوا بآيات الله كما تشاؤون ، وهو أمر يقصد به : التهديد والوعيد .
وبالغوا أيها المنافقون في حذركم وتخفّيكم ما أردتم ؛ إن الله تعالى معلن ومظهر ما تخافون إظهاره ؛ وتخشون انكشافه ، بإنزال الآيات القرآنية التي تفضحكم على رءوس الأشهاد ، وتهتك أستاركم .
كانت هذه السورة الكريمة تسمى { الفاضحة } لأنها بينت أسرار المنافقين ، وهتكت أستارهم ، فما زال اللّه يقول : ومنهم ومنهم ، ويذكر أوصافهم ، إلا أنه لم يعين أشخاصهم لفائدتين : إحداهما : أن اللّه سِتِّيرٌ يحب الستر على عباده .
والثانية : أن الذم على من اتصف بذلك الوصف من المنافقين ، الذين توجه إليهم الخطاب وغيرهم إلي يوم القيامة ، فكان ذكر الوصف أعم وأنسب ، حتى خافوا غاية الخوف .
قال اللّه تعالى : { لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا }
وقال هنا { يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ } أي : تخبرهم وتفضحهم ، وتبين أسرارهم ، حتى تكون علانية لعباده ، ويكونوا عبرة للمعتبرين .
{ قُلِ اسْتَهْزِئُوا } أي : استمروا على ما أنتم عليه من الاستهزاء والسخرية . { إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ } وقد وفَّى تعالى بوعده ، فأنزل هذه السورة التي بينتهم وفضحتهم ، وهتكت أستارهم .
{ يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ ( 64 ) }
يخاف المنافقون أن تنزل في شأنهم سورة تخبرهم بما يضمرونه في قلوبهم من الكفر ، قل لهم - يا محمد - : استمروا على ما أنتم عليه من الاستهزاء والسخرية ، إن الله مخرج حقيقة ما تحذرون .
قوله تعالى : { يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون } .
ذكر أن بعض المنافقين قالوا : والله وددت لو أني قدمت فجلدت مائة ولا ينزل فينا شيء يفضحنا . فنزلت الآية .
والمعنى : أن المنافقين يتحرزون من نول سورة على المؤمنين تخبرهم بمخازي المنافقين ومفاسدهم وما يستسرونه فيما بينهم منس سوء الكلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المؤمنين . ومن أجل ذلك سميت هذه السورة الفاضحة ؛ لأنها تفضح المنافقين ؛ إذ تكشف ما يبطونه في قلوبهم ، وسميت الحافرة ؛ إذ حفرت عما في قلوب المنافقين . وغير ذلك من الأسماء التي بيناها في أول السورة .
ذلك هو شأن المنافقين مع أنفسهم ؛ فهم يعلمون أنهم على الباطل وأن المسلمين على الحق . وهم موقنون تمام اليقين أن ملة الإسلام لهي الصواب وعين الحق ؛ لكنهم منتكسون خاسئون أمام سطوة الغريزة الجامحة ، فركنوا للضلالة والهوى ، وأبوا إلا العتو والاستكبار ؛ خنوعا للشهوات ؛ لكي تتحصل لهم المنافع المالية والاجتماعية والشخصية وغير ذلك من وجوه المنافع المسفة .
قوله : { قل استهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون } وهذا أمر وعيد وتهديد ؛ أي استهزئوا فالله سيفضحكم بإظهاره عليكم ما كنتم تحذرون أن تظهروه{[1839]} .
والمنافقون واهمون سفهاء إن كانوا يظنون أن مقاصدهم وأسرارهم ستظل حبيسة مستكنة في صدورهم طيلة الزمان كيلا تظهر للناس . والحقيقة خلاف ذلك ، وهي أن المنافقين مهما برعوا في التحيل والخداع والاستتار وإخفاء المثالب ؛ فإنهم لا محالة مفضوحون ؛ لتظهر للناس أستارهم ونوايا السوء فيهم .