في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَآءُۖ وَلَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (56)

54

ثم نعود بعد هذا الاستطراد إلى صلب القصة وإلى صلب السياق . إن السياق لا يثبت أن الملك وافق . فكأنما يقول : إن الطلب تضمن الموافقة ! زيادة في تكريم يوسف ، وإظهار مكانته عند الملك . فيكفي أن يقول ليجاب ، بل ليكون قوله هو الجواب . . ومن ثم يحذف رد الملك ، ويدع القاريء يفهم أنه أصبح في المكان الذي طلبه .

ويؤيد هذا الذي نقوله تعقيب السياق :

( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء . ولا نضيع أجر المحسنين . . ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ) . .

فعلى هذا النحو من إظهار براءة يوسف ، ومن إعجاب الملك به ، ومن الاستجابة له فيما طلب . . على هذا النحو مكنا ليوسف في الأرض ، وثبتنا قدميه ، وجعلنا له فيها مكانا ملحوظا . والأرض هي مصر . أو هي هذه الأرض كلها باعتبار أن مصر يومذاك أعظم ممالكها .

( يتبوأ منها حيث يشاء ) . .

يتخذ منها المنزل الذي يريد ، والمكان الذي يريد ، والمكانة التي يريد . في مقابل الجب وما فيه من مخاوف ، والسجن وما فيه من قيود .

( نصيب برحمتنا من نشاء ) . .

فنبدله من العسر يسرا ، ومن الضيق فرجا ، ومن الخوف أمنا ، ومن القيد حرية ، ومن الهوان على الناس عزا ومقاما عليا .

( ولا نضيع أجر المحسنين ) . .

الذين يحسنون الإيمان بالله ، والتوكل عليه ، والاتجاه إليه ، ويحسنون السلوك والعمل والتصرف مع الناس . . هذا في الدنيا .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَآءُۖ وَلَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (56)

و{[41840]}لما{[41841]} سأل ما تقدم ، قال معلماً بأنه{[41842]} أجيب بتسخير الله له : { وكذلك } أي و{[41843]} مثل ما مكنا ليوسف في قلب الملك من المودة والاعتقاد الصالح وفي قلوب جميع الناس ، ومثل ما سأل من التمكين { مكنا } أي بما لنا من العظمة { ليوسف في الأرض } أي مطلقاً لا سيما أرض مصر بتولية{[41844]} ملكها إياه عليها { يتبوأ } أي يتخذ منزلاً{[41845]} يرجع إليه ، من باء - إذا رجع { منها حيث يشاء } بإنجاح جميع مقاصده ، لدخولها كلها تحت سلطانه .

لتبقى أنفس أهل المملكة وما ولاها{[41846]} على يده ، فيجوز الأجر وجميل الذكر مع ما{[41847]} يزيد يه من علو الشأن وفخامة القدر ، فكأنه قيل : لم كان هذا ؟ فقال : لأمرين : أحدهما أن لنا الأمر كله { نصيب } على وجه الاختصاص { برحمتنا } بما لنا من العظمة { من نشاء } من مستحق فيما ترون وغيره ، {[41848]} لا نسأل عما نفعل{[41849]} ، وقد شئنا إصابة يوسف بهذا ، والثاني أنه محسن يعبد الله فانياً{[41850]} عن جميع الأغيار { و } نحن { لا نضيع } بوجه { أجر المحسنين * } أي العريقين{[41851]} في تلك الصفة وإن كان لنا أن نفعل غير ذلك ؛ روى أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم في أول فتوح مصر{[41852]} من طريق الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : فأتاه الرسول{[41853]} فقال : ألق عنك ثياب السجن ، والبس ثياباً جدداً ، وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة ، فلما أتاه{[41854]} رأى غلاماً حدثاً فقال : أيعلم هذا رؤياي ولا يعلمها السحرة والكهنة ! وأقعده قدامه ثم قال : قال عثمان - يعني ابن صالح - وغيره في حديثهما : فلما استنطقه وسايله{[41855]} عظُم في عينه ، وجل أمره في قلبه ، فدفع إليه خاتمه وولاه ما خلف بابه - و{[41856]} رجع إلى ابن عباس قال : وضرب بالطبل بمصر أن يوسف خليفة الملك ؛ وعن عكرمة أن فرعون قال ليوسف : قد سلطتك{[41857]} على مصر غير أني أريد أن أجعل كرسيّ أطول من كرسيك بأربع أصابع ! قال يوسف : نعم .


[41840]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: فلما.
[41841]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: فلما.
[41842]:في م: إنه.
[41843]:سقط من ظ و م.
[41844]:من ظ ومد، وفي الأصل و م: بتوليه.
[41845]:زيد بعده في الأصل: لا، ولم تكن الزيادة في ظ و م ومد فحذفناها.
[41846]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: والها.
[41847]:زيد من م.
[41848]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لا تسئل عما تفعل.
[41849]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لا تسئل عما تفعل.
[41850]:في ظ: فاتحا.
[41851]:في ظ ومد: الغريقين.
[41852]:ص 13.
[41853]:سقط ما بين الرقمين من مد.
[41854]:سقط ما بين الرقمين من مد.
[41855]:من ظ و م ومد والفتوح، وفي الأصل: سأله.
[41856]:سقطت الواو من م.
[41857]:في مد: سلطك.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَآءُۖ وَلَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (56)

قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ 56 وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } الكاف في اسم الإشارة نعت لمصدر محذوف ؛ أي ومثل هذا التمكين من إنجائه من السجن وإبرائه من كيد النسوة واستخلاص الملك له ، مكنا له في أرض مصر { يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء } أي يتخذ من أرض مصر منزلا حيث يشاء . وذلك بعد لبته في السحن بعض سنين حيث الضيق والكرب والحشر .

قوله : { نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء } كما أصبنا يوسف ؛ إذ وطأنا له في الأرض فصار قويا مكينا ، وذلك بعد هوان الجب ، والصبر على الظلم والكيد ، وبعد إسار العبودية والسجن –بعد ذلك كله أعقبناه الفرج والنصر والإعزاز والتمكين { وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } لا يبطل الله جزاء من عمل صالحا فأطاع ربه وصبر على بلائه واتقاه .