في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (53)

35

وتمضي خطوة أخرى في هذه المشاعر الطيبة :

( وما أبريء نفسي ، إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ، إن ربي غفور رحيم ) . .

إنها امراة أحبت . امرأة تكبر الرجل الذي تعلقت به في جاهليتها وإسلامها ، فهي لا تملك إلا أن تظل معلقة بكلمة منه ، أو خاطرة ارتياح تحس أنها صدرت عنه !

وهكذا يتجلى العنصر الإنساني في القصة ، التي لم تسق لمجرد الفن ، إنما سيقت للعبرة والعظة . وسيقت لتعالج قضية العقيدة والدعوة . ويرسم التعبير الفني فيها خفقات المشاعر وانتفاضات الوجدان رسما رشيقا رفيقا شفيفا . في واقعة كاملة تتناسق فيها جميع المؤثرات وجميع الواقعيات في مثل هذه النفوس ، في ظل بيئتها ومؤثرات هذه البيئة كذلك .

وإلى هنا تنتهي محنة السجن ومحنة الاتهام ، وتسير الحياة بيوسف رخاء ، الاختبار فيه بالنعمة لا بالشدة .

وإلى هنا نقف في هذا الجزء من الظلال ، وتتابع القصة سيرها في الجزء التالي إن شاء الله .

انتهى الجزء الثاني عشر و يليه الجزء الثالث عشر مبدوءاً بقوله تعالى : وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي . . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (53)

ولما كان ذلك ربما جر إلى الإعجاب ، قال : { وما أبرىء } أي تبرئة عظيمة { نفسي } عن مطلق الزلل وإن غلبه التوفيق والعصمة ، أي لم أقصد بالبراءة عما تقدم مجرد التزكية للنفس ، وعلل عدم التبرئة بقوله - مؤكداً لما لأكثر الناس من الإنكار ، أو لأن اتباعهم لأهويتهم فعل من ينكر فعل الأمارة - : { إن النفس } أي هذا النوع { لأمارة } أي شديدة الأمر { بالسوء } أي هذا الجنس دائماً لطبعها{[41812]} على ذلك في كل وقت { إلا ما } أي وقت أن { رحم ربي } بكفها عن الأمر به أو بستره{[41813]} بكفها عن فعله بعد إطلاقها على الأمر به ، أو إلا ما رحمه ربي من النفوس فلا يأمر بسوء ؛ ثم علل ذلك بقوله مؤكداً دفعاً{[41814]} لظن من يظن أنه لا توبة له : { إن ربي } أي المحسن إليّ { غفور } أي بليغ الستر للذنوب { رحيم * } أي بليغ الإكرام لمن يريد .


[41812]:في الأصول كلها: لتبعها- كذا.
[41813]:من م ومد، وفي الأصل: بسرتها، وفي ظ: بسرته.
[41814]:في مد: لدفعا- كذا.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (53)

قوله : { وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ } إن كانت القائلة ذلك امرأة العزيز ؛ فقد أقرت بالذنب واعترفت بمراودتها يوسف والاختلاق عليه ، معللة ذلك بأن من شأن النفس في حالات ضعفها وجنوحها أن تميل لفعل السوء إلا أن يعصمها الله برحمته وفضله .

أما إن كان القائل هو يوسف ، فمعناه : أنني لا أبرئ نفسي من الخطأ والزلل فأزكيها ؛ فإن النفس الإنسانية تأمر صاحبها بما تشتهيه أو تهواه وإن كان ذلك في غير ما رضي الله { إلا ما رحم ربي } إلا من يرحمه الله فينجيه من براثن الهوى والشهوات المستنفرة التي تؤز صاحبها فعل المحظورات { إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ } الله جل وعلا يستر الذنوب والمعاصي ، ويصفح عن الزلات وما يقترفه العبد من الخطايا في حالات ضعفه وجنوحه ، إذا تاب وأناب{[2256]} .


[2256]:تفسير القرطبي جـ 9 ص 209، 210 وتفسير الطبري جـ 13 ص 2 وفتح القدير جـ 3 ص 34.