ولأن الانفعالات والحركات موصولة بالعقيدة في السياق ، فإنه يعقب على ذلك برجع الأمر كله لله الذي يعلم النوايا ، ويعلم ما وراء الأقوال والأفعال :
( ربكم أعلم بما في نفوسكم ، إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا ) .
وجاء هذا النص قبل أن يمضي في بقية التكاليف والواجبات والآداب ليرجع إليه كل قول وكل فعل ؛ وليفتح باب التوبة والرحمة لمن يخطيء أو يقصر ، ثم يرجع فيتوب من الخطأ والتقصير
وما دام القلب صالحا ، فإن باب المغفرة مفتوح . والأوابون هم الذين كلما أخطأوا عادوا إلى ربهم مستغفرين .
ولما كان ذلك عسراً جداً حذر من التهاون به بقوله تعالى : { ربكم } أي المحسن إليكم في الحقيقة ، فإنه هو الذي عطف عليكم من يربيكم وهو الذي أعانهم على ذلك { أعلم } أي منكم { بما في نفوسكم } من قصد البر بهما وغيره ، فلا يظهر أحدكم غير ما يبطن ، فإن ذلك لا ينفعه ولا ينجيه إلا أن يحمل نفسه على ما يكون سبباً لرحمتهما { إن تكونوا } أي كوناً هو جبلة لكم { صالحين } أي متقين أو محسنين في نفس الأمر ؛ والصلاح : استقامة الفعل على ما يدعو إليعه الدليل ، وأشار إلى أنه لا يكون ذلك إلا بمعالجة النفس وترجيعها كرة بعد فرة بقوله تعالى : { فإنه كان للأوابين } أي الرجاعين إلى الخير مرة إثر مرة بعد جماع أنفسهم عنه { غفوراً * } أي بالغ الستر ، تنبيهاً لمن وقع منه تقصير ، فرجع عنه على أنه مغفور .
قوله تعالى : { ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا } الله عليم بما في ضمائركم من قصد الإحسان إلى والديكم والنية في البر بهما وبذل الخدمة والطاعة لهما .
قوله : ( إن تكونوا صالحين ) أي صادقين في قصد البر بهم ثم فرطت منكم في حال من التعجل والغضب بادرة أو فلتة فيها إيذاء لهما ، ثم رجعتم إلى الله تائبين نادمين ( فإنه كان للأوابين غفورا ) . المراد بالأوابين : الرجاعون إلى الله . من الإياب والأوب والمآب وهو الرجوع{[2670]} والأواب : هو الذي إذا تلبس بذنب أو خطيئة بادر التوبة دون وناء ؛ فهو من شأنه وديدنه الرجوع إلى ربه تائبا نادما على ما بدر منه من إثم أو خطيئة . وروي عن سعيد بن المسيب قال : الأواب الذي يذنب ثم يتوب ، ثم يذنب ثم يتوب ، ثم يذنب ثم يتوب{[2671]} . وهكذا لا يبرح المؤمن الأوبة إلى ربه في كل حال ليبادر التوبة كلما تعثرت فيه جارحة من جوارحه بإثم صغيرا أو كبيرا . والله جل شأنه غفار للتائبين النادمين الآيبين . وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ( ص ) كان إذا رجع من سفر قال : " آبيون تائبون عابدون لربنا حامدون " .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.