في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ لَوۡلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوۡ تَأۡتِينَآ ءَايَةٞۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّثۡلَ قَوۡلِهِمۡۘ تَشَٰبَهَتۡ قُلُوبُهُمۡۗ قَدۡ بَيَّنَّا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يُوقِنُونَ} (118)

104

وإذ ينتهي من عرض مقولة أهل الكتاب في ادعاء الولد لله - سبحانه - وتصحيح هذه المقولة وردها ، يتبعها بمقولة للمشركين فيها من سوء التصور ما يتسق مع سوء التصور عن أهل الكتاب :

( وقال الذين لا يعلمون : لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية ! كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم ) .

والذين لا يعلمون هم الأميون الذين كانوا مشركين ؛ إذ لم يكن لديهم علم من كتاب . وكثيرا ما تحدوا النبي [ ص ] أن يكلمهم الله أو أن تأتيهم خارقة من الخوارق المادية . . وذكر هذه المقولة هنا مقصود لبيان أن الذين من قبلهم - وهم اليهود وغيرهم - طلبوا مثل هذا من أنبيائهم . فلقد طلب قوم موسى أن يروا الله جهرة ، وطلبوا وتعنتوا في طلب الخوارق المعجزة . فبين هؤلاء وهؤلاء شبه في الطبيعة ، وشبه في التصور ، وشبه في الضلال :

( تشابهت قلوبهم ) . .

فلا فضل لليهود على المشركين . وهم متشابهو القلوب في التصور والعنت والضلال :

( قد بينا الآيات لقوم يوقنون ) . .

والذي يجد راحة اليقين في قلبه يجد في الآيات مصداق يقينه ، ويجد فيها طمأنينة ضميره . فالآيات لا تنشىء اليقين ، إنما اليقين هو الذي يدرك دلالتها ويطمئن إلى حقيقتها . ويهيء القلوب للتلقي الواصل الصحيح .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ لَوۡلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوۡ تَأۡتِينَآ ءَايَةٞۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّثۡلَ قَوۡلِهِمۡۘ تَشَٰبَهَتۡ قُلُوبُهُمۡۗ قَدۡ بَيَّنَّا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يُوقِنُونَ} (118)

ولما تقرر بما أنبأ{[4674]} من بديع آياته{[4675]} في منبث{[4676]} مصنوعاته أن عظمته تقصر عنها الأوهام وتنكص خاسئةً{[4677]} دونها نوافذ الأفهام عجب من الجرأة عليه بما استوى فيه حال الجهلة من العرب بالعلماء من أهل الكتاب تبكيتاً{[4678]} لهم وتنفيراً منهم بأنه لا حامل لهم{[4679]} على الرضى لأنفسهم بالنزول من أوج العلم إلى حضيض أهل الجهل إلا اتباع الهوى فقال :

{ وقال الذين لا يعلمون } أي ليس لهم علم من العرب { لولا } أي هلا { يكلمنا الله } أي يوجد{[4680]} كلامه لنا على ما له من جميع الصفات { أو تأتينا آية } أي على حسب اقتراحنا عادّين{[4681]} ما آتاهم من الآيات - على ما فيها من آية{[4682]} القرآن التي لا يوازيها{[4683]} آية أصلاً - عدماً .

ولما كان قولهم هذا جديراً{[4684]} بأن لا يصدق نبه عليه بقوله : { كذلك } أي الأمر كما ذكرنا عنهم{[4685]} . ولما كان كأنه قيل : هل وقع مثل هذا قط ؟ قيل : نعم ، وقع ما هو أعجب منه ، وهو أنه { قال الذين } {[4686]}ولما كان المراد بعض من تقدم أدخل الجار فقال{[4687]} : { من قبلهم } {[4688]}ممن ينسب إلى العلم من أهل الكتاب{[4689]} { مثل قولهم } ، ثم علله بقوله : { تشابهت قلوبهم } في هذا وإن كانت مختلفة باعتبار العلم ، وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه كما تعنت عليه تعنت على من قبله . ولما كان ذلك توقّع{[4690]} السامع الإخبار عن البيان فكان كأنه قيل : هل قالوا ذلك جهلاً أو عناداً ؟ فقيل : بل عناداً لأنا { قد بينا الآيات } في كل آية{[4691]} في الكتاب المبين المسموع والكتاب الحكيم المرئي . ولما كان يقع البيان خاصاً بأهل الإيقان قال : { لقوم يوقنون } وفيه بعث للشاك على تعاطي أسباب الإيقان ، وهو{[4692]} صفاء العلم عن كدر{[4693]} بطرق الريب{[4694]} لاجتماع شاهدي السمع والعين . قال{[4695]} الحرالي : وفيه إشارة لما حصل للعرب من اليقين ، كما قال سيد العرب علي رضي الله عنه : لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً . استظهاراً لما بطن من عالم الملكوت على ظاهر عالم الملك إكمالاً للفهم عن{[4696]} واضح هذا البيان الذي تولاه الله ومن اصطفاه الذي اشتمل عليه استتباع ضمير { بينا } ؛ وفي استواء العالم وغيره في الجهل بعد البيان دليل على مضمون التي قبلها في أن ما أراد كان .


[4674]:من م و مد و ظ، وفي الأصل: أنباء
[4675]:في م و مد و ظ: آياته، وفي الأصل: آياته.
[4676]:من مد، وفي الأصل و م و ظ: منبت
[4677]:في الأصل: خاسة –كذا، وفي م و ظ ومد: خاسية
[4678]:من مد و ظ، وفي م: تنكيتا، وفي الأصل: تبكيتا –كذا.
[4679]:ليس في ظ
[4680]:من مد و ظ، وفي الأصل:/ توجد،ـ وفي م: يوجه -كذا
[4681]:في م: علم دين
[4682]:في الأصل: أنه، والتصحيح م و ظ و مد
[4683]:في مد: لا توازيها
[4684]:في م: حذرا
[4685]:من مد، وفي ظ: عنهم، وفي الأصل: معهم، وفي م: بمفهم. وقال أبو حيان الأندلسي: ولما حكى عنهم نسبة الولد إلى الله تعالى أعقب ذلك مقالة أخرى لهم تدل على تعنتهم وجهلهم بما يجب لله تعالى من التعظيم وعدم الاقتراح على أنبيائه – البحر المحيط 1/ 366
[4686]:ليست في ظ
[4687]:ليست في ظ
[4688]:أخر هذه العبارة في م عن "باعتبار العلم"
[4689]:أخر هذه العبارة في م عن "باعتبار العلم"
[4690]:في م: يوقع، وفي ظ: يوقع -كذا
[4691]:من م، وفي الأصل ومد و ظ: أمة.
[4692]:في البحر المحيط: الإيقان وصف في العلم يبلغ به نهاية الوثاقة في العلم، أي من كان موقنا فقد أوضحنا له الآيات فآمن بها وضحت عنده وقامت به الحجة على غيره، وفي جمع الآسات رد على من اقترح آية، إذا الآيات قد بينت فلم يكن آية واحدة فيمكن أن يدعى الالتباس فيها بل ذلك جمع آيات بينات لكن لا ينتفع بها إلا من كان من أهل العلم والتبصر واليقين
[4693]:في مد: بطرق الريب، وفي م: تطرق اليريب، وفي ظ: تطرق الريب
[4694]:في مد: بطرق الريب، وفي م: تطرق اليريب، تطرق الريب
[4695]:في ظ: قاله
[4696]:في م: على
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ لَوۡلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوۡ تَأۡتِينَآ ءَايَةٞۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّثۡلَ قَوۡلِهِمۡۘ تَشَٰبَهَتۡ قُلُوبُهُمۡۗ قَدۡ بَيَّنَّا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يُوقِنُونَ} (118)

قوله تعالى : { وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } .

المقصود بالذين لا يعلمون هم مشركو العرب . وذلك الذي نميل إليه ونرجحه مع أنه قيل إن المقصود بهم اليهود ، وقيل النصارى ، لكن سياق الكلام يبين رجحان الأول ، فقد قال المشركون العرب على نحو من الإحراج والتحدي للنبي : { لولا يكلمنا الله } ولولا هنا أداة تحضيض بمعنى هلا . أي يكلمنا الله تكليما فنسمع ذلك سماعا نطمئن به ، وهلا أتيتنا يا محمد بآية – أي علامة- دالة على صدق دعوتك ورسالتك ؟ هكذا يطلب السفهاء المعاندون الجهلة ! وهو مطلب لا ينم على رغبة في التثبت والتصديق وسلامة المقصد ، ولكنه مطلب يدل على رغبة مولغة في اللجوج والتحدي ، وهو يدل كذلك على طبائع جبلت على العناد والاستكبار والصلف من غير إذعان لحجة واعية أو منطق سليم .

ومثل هذه المقالة كانت الأمم السابقة تتحذلق بها على سبيل الخصام الفاجر والعناد العاتي المكابر . فقد قال أهل الكتاب لأنبيائهم مثل ما قالته العرب للرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، والقرآن يحدثنا عن مقالة بني إسرائيل لنبيهم موسى وهم في ذلك يضربون في المغالاة والجنوح رقما قياسيا ؛ إذ طلبوا أن يروا الله جهرة { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة } وفي آية أخرى : { وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } .

هكذا تتطابق مقالة العرب المشركين ، وما قاله أهل الكتاب من قبل ؛ ولذلك يقول سبحانه هنا : { كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم } أي أن قلوب هؤلاء وأولئك قد تشابهت جميعا في العمى أو في ترك الإيمان الصحيح وفي الاتفاق على الكفر . وقوله : ( كذلك ) الكاف في محل نصب صفة لمصدر محذوف . أي قولا مثل ذلك . وقيل : في محل رفع مبتدأ . وما بعد ذلك خبره . وقوله : { مثل قولهم } مثل مفعول به منصوب لقال . وقيل : صفة لمصدر محذوف{[123]} .

وقوله : { قد بينا الآيات لقوم يوقنون } الآيات هي الدلائل والبراهين الواضحة الساطعة التي بينها الله للناس ؛ تبيينا تتحقق منها عقول المنصفين الذين يبتغون المعرفة دون عناد أو مكابرة ؛ وكذلك لتستيقنها نفوس الذين تبرأت طبائعهم من المرض والفساد .


[123]:- البيان للأنباري جـ 1 ص 120.