( إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ، ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب . وقال الذين اتبعوا : لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا ! كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ، وما هم بخارجين من النار ) . . لو يرون إذ تبرأ المتبوعون من التابعين . ورأوا العذاب . فتقطعت بينهم الأواصر والعلاقات والأسباب ، وانشغل كل بنفسه تابعا كان أم متبوعا . وسقطت الرياسات والقيادات التي كان المخدوعون يتبعونها ، وعجزت عن وقاية أنفسها فضلا عن وقاية تابعيها . وظهرت حقيقة الألوهية الواحدة والقدرة الواحدة ، وكذب القيادات الضالة وضعفها وعجزها أمام الله وأمام العذاب .
ثم{[6335]} أبدل من { إذ يرون } قوله : { إذ تبرأ } وهو من التبرؤ{[6336]} الذي هو طلب البراءة وإيقاعها بجد واجتهاد ، وهي{[6337]} إظهار التخلص من وصلة أو اشتباك{[6338]} { الذين اتُّبعوا } {[6339]}أي مع{[6340]} اتباع غيرهم لهم ، وهم الرؤساء { من الذين اتَّبعوا } مع نفعهم{[6341]} لهم في الدنيا بالاتباع لهم والذب عنهم .
وقال الحرالي : قال ذلك إظهاراً لإفصاح{[6342]} ما أفهمه مضمون الخطاب الأول لتتسق الآيات بعضها ببعض ، فتظهر الآية ما في ضمن سابقتها ، وتجمع الآية ما في تفصيل لاحقتها{[6343]} وإعلاءً{[6344]} للخطاب بما هو{[6345]} المعقول علمه المتقدم{[6346]} إلى ما في الإيمان نبأه{[6347]} ليتم نور العقل الذي{[6348]} وقع به الاعتبار بنور الإيمان الذي يقع به القبول لما في الآخرة عيانه ، فمن عقل عبرة الكون الظاهر استحق إسماع نبأ الغيب الآتي{[6349]} ؛ ثم قال : بذا يتبرأ المتبوع في الذكر لأنه الآخر في الكون ، فكأنه في المعنى : إنما تعلق التابع بالمتبوع ليعيذه{[6350]} في الآخرة كما كان عهد منه أن يعيذه{[6351]} في الدنيا فيتبرأ{[6352]} منه{[6353]} لما ذكر تعالى من { أن القوة لله جميعاً } ولذلك اتصل ذكر التبرؤ بذكر قبض القوة والقدرة عنهم - انتهى .
قال تعالى { ورأوا } أي الكل { العذاب } أي الذي لا محيص لهم عنه . وقال الحرالي : قاله رداً للإضمار على الجميع ، وفيه إشعار بأن ذلك قبل غلبة العذاب عليهم وفي حال الرؤية ، ففيه إنباء بأن بين رؤيتهم العذاب وبين أخذهم به مهل يقع فيه خصومتهم وتبرؤهم وإدراكهم للحق الذي كان متغيباً عنهم في الدنيا بما فتن بعضهم بعضاً - انتهى{[6354]} . { وتقطعت } أي تكلفت وتعمدت القطع وهو بين المتصل ، أشار إليه الحرالي ، ومعناه أنه قطع بقوة عظيمة{[6355]} ، ويجوز أن تكون صيغة التفعل إشارة إلى تكرر القطع في مهلة{[6356]} بأن يظهر لهم انقطاع الأسباب شيئاً فشيئاً زيادة في إيهانهم{[6357]} وإيلامهم وهو أنهم { بهم } أي كلهم جميع{[6358]} { الأسباب * } أي كلها ، وهي الوصل التي كانت بينهم في الدنيا ، والسبب ما{[6359]} يتوصل به إلى حصول ، {[6360]}في الأصل الحبل ، ثم قيل لكل{[6361]} مقصد . قال الحرالي : وفيه إشعار بخلوّ{[6362]} بواطنهم من التقوى ومن استنادهم إلى الله سبحانه وتعالى في دنياهم ، وأنهم لم يكونوا عقلوا إلا تسبب بعضهم ببعض فتقطعت بهم الأسباب{[6363]} ولم يكن{[6364]} لهم ، لأن ذلك واقع بهم في أنفسهم لا واقع لهم في غيرهم ، فكأنهم كانوا نظام أسباب تقطعت بهم فانتثروا{[6365]} منها ، وأسبابهم وصل ما بينهم في الدنيا التي لم تثبت{[6366]} في الآخرة ، لأنها من الوصل الفانية لا من الوصل الباقية لأن متقاضى ما في الدنيا ما كان منه بحق فهو من الباقيات الصالحات وما كان منه عن هوى فهو من الفاني الفاسد - انتهى .
قوله : ( إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ) وفي يوم القيامة إذ يرى الظالمون العذاب معاينة ، يتبرأ المتبوعون الذين كانوا يُعبدون ، من التابعين العابدين الذين كانوا ينثنون في خزي وذلة وراء الطواغيت الفاسدة من أصنام وأوثان وحاكمين وساسة وملوك .
إنه إذا قامت القيامة يُهرع الظالمون إلى من يتشبثون به فينقذهم من العذاب النازل المحدق ، وهم يومئذ تتغشاهم ظلمات من الرهب والإياس فلا يجدون من حولهم أحدا يرتجون منه خيرا أو شفاعة . فلا الأصنام ولا الأوثان ولا الحاكمون ولا الملوك ولا ذوو الجاه والسطوة والمال ، ولا أحد غيرهم يملك يوم القيامة شفاعة أو يستطيع أن يزحزح من العذاب قيد أنملة .
ويوم القيامة تتقطع بالظالمين والمشركين والمجرمين أسباب الخلاص والنجاة ، فلا سبيل لهم حينئذ غير سبيل العذاب البئيس يوم يُساقون مقهورين أذلة إلى جهنم ؛ لذلك قال سبحانه : ( وتقطعت بهم الأسباب ) والأسباب جمع سبب وهو يعني في اللغة الحبل ، ثم استُعير لكل شيء يُتوصل به إلى أمر من الأمور{[174]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.