( وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا ) . .
وتبدى الحنق والغيظ من التابعين المخدوعين في القيادات الضالة . وتمنوا لو يردون لهم الجميل ! لو يعودون إلى الأرض فيتبرأوا من تبعيتهم لتلك القيادات العاجزة الضعيفة في حقيقتها ، التي خدعتهم ثم تبرأت منهم أمام العذاب !
إنه مشهد مؤثر : مشهد التبرؤ والتعادي والتخاصم بين التابعين والمتبوعين . بين المحبين والمحبوبين ! وهنا يجيء التعقيب الممض المؤلم :
( كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ، وما هم بخارجين من النار ) . .
{ وقال الذين اتبعوا } وهم الأذناب متمنين للمحال ندماً على اتباع من لا ينفع{[6367]} حيث لا ينفع الندم { لو أن لنا كرة } أي رجعة إلى الدنيا . وقال الحرالي : {[6368]}هي رجع{[6369]} وعودة{[6370]} عند غاية فرّة{[6371]} - انتهى . {[6372]}ولما كانت " لو " بمعنى التمني نصب جوابها{[6373]} فقال { فتبرأ منهم } أي الرؤساء هناك ونذلهم { كما تبرؤوا منا } وأذلّونا هنا .
وقال الحرالي : فيه إنباء عن تأسفهم على اتباع من دون ربهم ممن اتبعوا وإجراء لتأسفهم على وجه متوهم غير محقق على حد ما كان تمسكهم{[6374]} بهم متوهم انتفاع غير محقق ، ففيه إثبات لحالهم في الآخرة على ما كان ينالهم{[6375]} في الدنيا من الأخذ بالموهوم{[6376]} والغيبة عن المعلوم - انتهى .
ولما كانت هذه الأشياء بعضها ثمرة أعمالهم وبعضها حكاية أقوالهم{[6377]} قال تعالى : على طريق الاستئناف {[6378]}جواباً لمن يقول : لقد رأوا جزاء عقائدهم فهل يرون جزاء أعمال الجوارح{[6379]} { كذلك } أي الأمر الفظيع المهول { يريهم الله }{[6380]} الذي له القدرة التامة والعظمة الكاملة{[6381]} { أعمالهم } الخبيثة وغيرها { حسرات عليهم } أي تلهفاً على ما فات ، إطلاقاً للمسبب على السبب {[6382]}وأشار بأداة الاستعلاء إلى غلبتهم وشدة هوانهم فقال{[6383]} : { عليهم } وقال الحرالي : لما{[6384]} كانت عقائدهم فيهم{[6385]} حسرات أراهم أعمالهم التي عملوها{[6386]} لابتغاء الخير في الدنيا حسرات{ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً {[6387]}* }[ الفرقان : 23 ] كما كان عمل من قلبه{[6388]} محب ومتأ له{[6389]} لما دون الله ، وفيه إشعار بأن عمل كل عامل مردود إلى ما اطمأن به قلبه وسكنت إليه نفسه وتعلق به خوفه ورجاؤه ، فمن غلب على سره شيء فهو ربه الذي يصرف عمله إليه ، فلا يجد عنده جزاء لتبرئه منه فيصير حسرة عليه ، فأنبأ سبحانه وتعالى بأنهم لا ينصرونهم في الآخرة ولا يجزونهم{[6390]} على أعمالهم ، فلم ينفعهم تألههم{[6391]} إياهم ، والمتبوع منهم{[6392]} متأله لنفسه فلم يجد عندها جزاء عمله ، فتحسر كل منهم على ما عمل من عمل الخير لإحباطه{ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك{[6393]} }[ الزمر : 65 ] والحسرة أشد الأسف على الفائت الذي{[6394]} يحسر المتلهف أي يقطعه عما تحسر عليه - انتهى . ويدخلون بأعمالهم النار { وما هم } {[6395]}أي{[6396]} بفائت{[6397]} خروجهم بل هم وإن خرجوا من السعير إلى الزمهرير يعودون إليه { بخارجين{[6398]} من النار * } يوماً من الأيام ولا ساعة من الساعات بل هم خالدون فيها على طول{[6399]} الآباد ومر الأحقاب ، {[6400]}بخلاف عصاة المؤمنين فإنهم إذا خرجوا منها لم يعودوا إليها{[6401]} . قال الحرالي : و{[6402]}فيه إشعار بقصدهم الفرار منها والخروج كما قال سبحانه وتعالى :{ كلما أرادوا{[6403]} أن يخرجوا منها أعيدوا فيها{[6404]} }[ السجدة : 20 ] فأنبأ تعالى أن وجهتهم للخروج لا تنفعهم ، فلم تبق{[6405]} لهم منّة تنهضهم منها حتى ينتظم{[6406]} قطع رجائهم{[6407]} من منة أنفسهم بقطع رجائهم ممن اعتلقوا به من شركائهم ولم يكن{ وما هم منها بمخرجين{[6408]} }[ الحجر : 48 ] كما{[6409]} قال في أهل الجنة للإشعار بأن اليأس والانقطاع واقع منهم على أنفسهم ، فكما كان بوادي أعمالهم في الدنيا من أنفسهم عندهم جرى نبأ{[6410]} جزائها على حد ذلك في{[6411]} المعنى{[6412]} كما{[6413]} قال : أعمال أهل الجنة عندهم من توفيق ربهم جرى ذكر{[6414]} جزائهم على حد ذلك من المعنى بحسب ما يقتضيه اختلاف الصيغتين - انتهى . ولعل الآية ناظرة{[6415]} إلى قوله أول السورة{ ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين }[ البقرة : 8 ] يعني كما أن في أهل الكتاب منافقين ومصارحين فكذلك في العرب ، فصار قوله{[6416]} :{ إن الذين كفروا سواء عليهم }[ البقرة : 6 ] شاملاً{[6417]} للأقسام الأربعة ، ثم أتبع ذلك المنافقين من العرب ثم المنافقين{[6418]} والمشاققين{[6419]} من أهل الكتاب ثم المجاهرين{[6420]} من العرب فصار قسما العرب مكتنفين{[6421]} لقسمي أهل الكتاب إشارة إلى أنهم المقصودون بالذات وأنه سيؤمن أكثرهم ويغلبون أهل الكتاب ويقتلونهم قتل{[6422]} الكلاب ؛
وقوله : ( وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا ) هؤلاء هم المشركون الذين كانوا تبعا للسادة والكبراء في الدنيا ، يتمنون يوم يرون العذاب في الآخرة وبعد أن يتبرأ منهم السادة والكبراء ، لو أن لهم ( كرة ) أي عودة أو رجعة إلى الدنيا ؛ ليتبرءوا من عبادتهم مثلما تبرأ المتبوعون يوم القيامة منهم ، وليعاودوا العمل من جديد فيعبدوا الله وحده دون غير من شركاء أو أنداد .
وقوله : ( كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار ) مثلما أراهم الله العذاب فتمنوا أن يتبرأوا من معبوديهم في كرة أخرى ، فإن الله يريهم أيضا أعمالهم حسرات عليهم أي أنهم يرون أعمالهم الفاسدة يوم القيامة فتأخذهم الحسرة وهي الندامة الشديدة والتلهف البالغ . ولسوف يرون العذاب القارع المروع فجأة حتى يُسقط في أيديهم وتتقطع قلوبهم وجلا ثم يساقون إلى النار فيمكثون دائمين ما بقي الزمان ( وما هم بخارجين من النار ) وقوله في الآية : ( كذلك ) الكاف في محل رفع على الابتداء . وتقديره : مثل ذلك الإراء الفظيع ( يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ) أي ندامات وتلهفات . والإراء هنا من رؤية البصر فيكون الفعل ( يريهم ) متعديا لمفعولين وهما الهاء في يريهن . والثاني ( أعمالهم ) . فتكون حسرات منصوبة على الحال . وقيل : من رؤية القلب ، فتكون حسرات مفعولا به ثالثا{[175]} .