في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ} (193)

180

ثم نمضي مع الدعاء الخاشع الطويل :

( ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان : أن آمنوا بربكم . فآمنا . ربنا فاغفر لنا ذنوبنا ، وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ) . .

فهي قلوب مفتوحة ؛ ما إن تتلقى حتى تستجيب . وحتى تستيقظ فيها الحساسية الشديدة ، فتبحث أول ما تبحث عن تقصيرها وذنوبها ومعصيتها ، فتتجه إلى ربها تطلب مغفرة الذنوب وتكفير السيئات ، والوفاة مع الأبرار .

ويتسق ظل هذه الفقرة في الدعاء مع ظلال السورة كلها ، في الاتجاه إلى الاستغفار والتطهر من الذنب والمعصية ، في المعركة الشاملة مع شهوات النفس ومع الذنب والخطيئة . المعركة التي يتوقف على الانتصار فيها ابتداء كل انتصار في معارك الميدان ، مع أعداء الله وأعداء الإيمان . . والسورة كلها وحدة متكاملة متناسقة الإيقاعات والظلال .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ} (193)

ولما ابتهلوا{[20164]} بهاتين الآيتين في الإنجاء من النار توسلوا بذكر مسارعتهم إلى إجابة الداعي بقولهم{[20165]} { ربنآ } ولما كانت حالهم - لمعرفتهم بأنهم لا ينفكون{[20166]} عن تقصير وإن بالغوا في الاجتهاد ، لأنه لا يستطيع أحد أن يقدر الله حق قدره - شبيهة{[20167]} بحال من لم يؤمن ؛ اقتضى المقام التأكيد إشارة إلى هضم أنفسهم بالاعتراف بذنوبهم فقالوا مع علمهم بأن المخاطب عالم بكل شيء : { إننا } فأظهروا النون إبلاغاً في التأكيد { سمعنا منادياً } أي من قبلك ، وزاد في تفخيمه بذكر ما منه النداء مقيداً{[20168]} بعد الإطلاق بقوله : { ينادي }{[20169]} قال محمد بن كعب القرظي : هو القرآن ، ليس كلهم رأى النبي صلى الله عليه وسلم{[20170]} .

ولما كانت اللام تصلح للتعليل ومعنى " إلى " عبر بها فقيل : { للإيمان } ثم فسروه تفخيماً له بقولهم : { أن آمنوا بربكم } ثم أخبر بمسارعتهم إلى الإجابة بقولهم : { فآمنا } أي عقب السماع . ثم أزالوا ما{[20171]} ربما يظن من ميلهم إلى ربوة الإعجاب بقولهم تصريحاً بما أفهمه التأكيد لمن علمه محيط : { ربنا فاغفر لنا ذنوبنا } أي التي أسلفناها قبل الإيمان بأن تقبل منا الإيمان فلا تزيغ قلوبنا ، فيكون جابّاً لما قبله عندك كما كان جابّاً له في ظاهر الشرع ، وكذا ما فرط منا بعد الإيمان ولو كان بغير توبة ، وإليه الإشارة بقولهم : { وكفر عنا سيآتنا } أي{[20172]} بأن توفقنا بعد تشريفك لنا بالإيمان لاجتناب الكبائر بفعل الطاعات المكفرة{[20173]} للصغائر { وتوفنا مع الأبرار * } أي ليس لنا سيئات .


[20164]:سقط من ظ.
[20165]:سقط من ظ.
[20166]:في ظ: لا يتفكرون.
[20167]:في ظ: شبهة.
[20168]:من ظ ومد، وفي الأصل: معدا.
[20169]:سقطت من ظ ومد.
[20170]:سقطت من ظ ومد.
[20171]:سقط من ظ.
[20172]:سقط من ظ ومد.
[20173]:في ظ: الكفر.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ} (193)

قوله تعالى : ( ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ) .

المنادي الذي ذكره الله هنا هو الرسول صلى الله عليه و سلم . وهو قول أكثر المفسرين ويؤيد ذلك من الكتاب مثل قوله تعالى : ( ادع إلى سبيل ربك ) وقوله : ( وداعيا إلى الله بإذنه ) .

وقيل : المراد به القرآن فليس كل الناس قد سمع الرسول صلى الله عليه و سلم ، أما القرآن فقد سمعه كل أحد وفهمه . ودليل ذلك ما أخبره الله تعالى عن مؤمني الجن إذ قالوا : ( إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد ) والجملة الفعلية من قول : ( ينادي للإيمان ) في محل نصب صفة للمنادي . وقوله : ( للإيمان ) يعني إلى الإيمان .

وتأويل الآية هو : ربنا سمعنا داعيا يدعو إلى الإيمان ، وهو التصديق بك والإقرار بوحدانيتك ونبذ الشرك والشركاء واتباع رسولك الأمين وطاعته فيما أمر به أو نهى عنه ( فآمنا ) أي فصدقناه واستجبنا له واتبعناه .

قوله : ( ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ) الغفر والكفر ( بفتح الكاف ) بمعنى واحد . وأعيد ذكر الثاني بعد الأول في الآية على سبيل المبالغة والإلحاح في الدعاء ، فإن الله يحب العبد اللحاح في الدعاء .

والمعنى : يا ربنا استر علينا خطايانا ومعاصينا ولا تفضحنا بها على رؤوس الأشهاد يوم القيامة ، بل امحها بفضلك ورحمتك .

قوله : ( وتوفنا مع الأبرار ) ( الأبرار ) جمع ومفرده : بار ، وبر ، بالفتح . والبر بالكسر معناه الخير والفضل والطاعة . ورجل بار ، أي صادق أو تقي ، وهو خلاف الفاجر . {[670]} والمعنى : توفنا يا ربنا معدودين في جملة الأبرار كالنبيين والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقا . وقيل : توفنا على مثل أعمالهم حتى نكون في درجاتهم يوم القيامة .


[670]:- المصباح المنير جـ 1 ص 49.