في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} (191)

180

ما الآيات التي تتراءى لأولي الألباب عندما يتفكرون في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ، وهم يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ؟ وما علاقة التفكر في هذه الآيات بذكرهم الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ؟ وكيف ينتهون من التفكر فيها إلى هذا الدعاء الخاشع الواجف :

( ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ! فقنا عذاب النار ) . .

إلى نهاية ذلك الدعاء ؟

إن التعبير يرسم هنا صورة حية من الاستقبال السليم للمؤثرات الكونية في الإدراك السليم . وصورة حية من الاستجابة السليمة لهذه المؤثرات المعروضة للأنظار والأفكار في صميم الكون ، بالليل والنهار .

والقرآن يوجه القلوب والأنظار توجيها مكررا مؤكدا إلى هذا الكتاب المفتوح ؛ الذي لا تفتأ صفحاته تقلب ، فتتبدى في كل صفحة آية موحية ، تستجيش في الفطرة السليمة إحساسا بالحق المستقر في صفحات هذا الكتاب ، وفي " تصميم " هذا البناء ، ورغبة في الاستجابة لخالق هذا الخلق ، ومودعه هذا الحق ، مع الحب له والخشية منه في ذات الأوان ! ! ! وأولو الألباب . . أولو الإدراك الصحيح . . يفتحون بصائرهم لاستقبال آيات الله الكونية ؛ ولا يقيمون الحواجز ، ولا يغلقون المنافذ بينهم وبين هذه الآيات . ويتوجهون إلى الله بقلوبهم قياما وقعودا وعلى جنوبهم ، فتتفتح بصائرهم ، وتشف مداركهم ، وتتصل بحقيقة الكون التي أودعها الله إياه ، وتدرك غاية وجوده ، وعلة نشأته ، وقوام فطرته . بالإلهام الذي يصل بين القلب البشري ونواميس هذا الوجود .

ومشهد السماوات والأرض ، ومشهد اختلاف الليل والنهار . لو فتحنا له بصائرنا وقلوبنا وإدراكنا . لو تلقيناه كمشهد جديد تتفتح عليه العيون أول مرة . لو استنقذنا حسنا من همود الإلف ، وخمود التكرار . . لارتعشت له رؤانا ، ولاهتزت له مشاعرنا ، ولأحسسنا أن وراء ما فيه من تناسق لا بد من يد تنسق ؛ ووراء ما فيه من نظام لا بد من عقل يدبر ؛ ووراء ما فيه من إحكام لا بد من ناموس لا يتخلف . . وأن هذا كله لا يمكن أن يكون خداعا ، ولا يمكن أن يكون جزافا ، ولا يمكن أن يكون باطلا .

ولا ينقص من اهتزازنا للمشهد الكوني الرائع أن نعرف أن الليل والنهار ، ظاهرتان ناشئتان من دورة الأرض حول نفسها أمام الشمس . ولا أن تناسق السماوات والأرض مرتكز إلى " الجاذبية " أو غير الجاذبية . . هذه فروض تصح أو لا تصح ، وهي في كلتا الحالتين لا تقدم ولا تؤخر في استقبال هذه العجيبة الكونية ، واستقبال النواميس الهائلة الدقيقة التي تحكمها وتحفظها . . وهذه النواميس - أيا كان اسمها عند الباحثين من بني الإنسان - هي آية القدرة ، وآية الحق ، في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار .

والسياق القرآني هنا يصور خطوات الحركة النفسية التي ينشئها استقبال مشهد السماوات والأرض ، واختلاف الليل والنهار في مشاعر أولي الألباب تصويرا دقيقا ، وهو في الوقت ذاته تصوير إيحائي ، يلفت القلوب إلى المنهج الصحيح ، في التعامل مع الكون ، وفي التخاطب معه بلغته ، والتجاوب مع فطرته وحقيقته ، والانطباع بإشاراته وإيحاءاته . ويجعل من كتاب الكون المفتوح كتاب " معرفة " للإنسان المؤمن الموصول بالله ، وبما تبدعه يد الله .

وإنه يقرن ابتداء بين توجه القلب إلى ذكر الله وعبادته : ( قياما وقعودا وعلى جنوبهم ) . . وبين التفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار . . فيسلك هذا التفكر مسلك العبادة ، ويجعله جانبا من مشهد الذكر . . فيوحي بهذا الجمع بين الحركتين بحقيقتين هامتين .

الحقيقة الأولى : أن التفكر في خلق الله ، والتدبر في كتاب الكون المفتوح ، وتتبع يد الله المبدعة ، وهي تحرك هذا الكون ، وتقلب صفحات هذا الكتاب . . هو عبادة لله من صميم العبادة ، وذكر لله من صميم الذكر . ولو اتصلت العلوم الكونية ، التي تبحث في تصميم الكون ، وفي نواميسه وسننه ، وفي قواه ومدخراته ، وفي أسراره وطاقاته . . لو اتصلت هذه العلوم بتذكر خالق هذا الكون وذكره ، والشعور بجلاله وفضله . لتحولت من فورها إلى عبادة لخالق هذا الكون وصلاة . ولاستقامت الحياة - بهذه العلوم - واتجهت إلى الله . ولكن الاتجاه المادي الكافر ، يقطع ما بين الكون وخالقه ، ويقطع ما بين العلوم الكونية والحقيقة الأزلية الأبدية ؛ ومن هنا يتحول العلم - أجمل هبة من الله للإنسان - لعنة تطارد الإنسان ، وتحيل حياته إلى جحيم منكرة ، وإلى حياة قلقة مهددة ، وإلى خواء روحي يطارد الإنسان كالمارد الجبار !

والحقيقة الثانية : أن آيات الله في الكون ، لا تتجلى على حقيقتها الموحية ، إلا للقلوب الذاكرة العابدة . وأن هؤلاء الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم - وهم يتفكرون في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار - هم الذين تتفتح لبصائرهم الحقائق الكبرى المنطوية في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ، وهم الذين يتصلون من ورائها بالمنهج الإلهي الموصل إلى النجاة والخير والصلاح . . فأما الذين يكتفون بظاهر من الحياة الدنيا ، ويصلون إلى أسرار بعض القوى الكونية - بدون هذا الاتصال - فهم يدمرون الحياة ويدمرون أنفسهم بما يصلون إليه من هذه الأسرار ، ويحولون حياتهم إلى جحيم نكد ، وإلى قلق خانق . ثم ينتهون إلى غضب الله وعذابه في نهاية المطاف !

فهما أمران متلازمان ، تعرضهما هذه الصورة التي يرسمها القرآن لأولي الألباب في لحظة الاستقبال والاستجابة والاتصال .

إنها لحظة تمثل صفاء القلب ، وشفافية الروح ، وتفتح الإدراك ، واستعداده للتلقي . كما تمثل الاستجابة والتأثر والانطباع . .

إنها لحظة العبادة . وهي بهذا الوصف لحظة اتصال ، ولحظة استقبال . فلا عجب أن يكون الاستعداد فيها لإدراك الآيات الكونية أكبر ؛ وأن يكون مجرد التفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ، ملهما للحقيقة الكامنة فيها ، ولإدراك أنها لم تخلق عبثا ولا باطلا . ومن ثم تكون الحصيلة المباشرة ، للخطة الواصلة .

( ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ! ) . .

ما خلقت هذا الكون ليكون باطلا . ولكن ليكون حقا . الحق قوامه . والحق قانونه . والحق أصيل فيه . إن لهذا الكون حقيقة ، فهو ليس " عدما " كما تقول بعض الفلسفات ! وهو يسير وفق ناموس ، فليس متروكا للفوضى . وهو يمضي لغاية ، فليس متروكا للمصادقة . وهو محكوم في وجوده وفي حركته وفي غايته بالحق لا يتلبس به الباطل .

هذه هي اللمسة الأولى ، التي تمس قلوب ( أولي الألباب ) من التفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار بشعور العبادة والذكر والاتصال . وهي اللمسة التي تطبع حسهم بالحق الأصيل في تصميم هذا الكون ، فتطلق ألسنتهم بتسبيح الله وتنزيهه عن أن يخلق هذا الكون باطلا :

( ربنا ما خلقت هذا باطلا . سبحانك ! ) . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} (191)

ولما كان كل مميز يدعي أنه في الذروة من الرشاد نعتهم بما بين من يعتد بعقله فقال : { الذين يذكرون الله } أي الذي ليس في خلقه لهما ولا لغيرهما شك ، وله جميع أوصاف الكمال .

ولما كان المقصود الدوام وكان قد يتجوز به عن الأكثر ، عبر عنه لهذا التفصيل نفياً لاحتمال التجوز ودفعاً لدعوى العذر فقال : { قياماً وقعوداً } ولما كان أكثر الاضطجاع على الجنب قال : { وعلى جنوبهم } أي في اشتغالهم بأشغالهم وفي وقت استراحتهم وعند منامهم ، فهم في غاية المراقبة .

ولما بدأ من أوصافهم بما يجلو أصداء القلوب ويسكنها وينفي عنها الوساوس حتى استعدت{[20139]} لتجليات الحق وقبول الفيض{[20140]} بالفكر لانتفاء قوة الشهوة وسورة الغضب {[20141]}وقهرهما{[20142]} وضعف داعية الهوى ، فزالت نزغات الشيطان ووساوسه وخطرات النفس ومغالطات الوهم قال : { ويتفكرون } أي على الأحوال .

ولما كانت آيات المعرفة إما في الآفاق وإما في الأنفس ، وكانت آيات الآفاق أعظم{ لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس{[20143]} }[ غافر : 57 ] . قال : { في خلق السماوات والأرض } على كبرهما واتساعهما وقوة{[20144]} ما فيهما من المنافع لحصر الخلائق فيعلمون - بما في ذلك من الأحكام مع جري ما فيهما{[20145]} من الحيوان الذي خلقا لأجله على غير انتظام - أن وراء هذه الدار {[20146]}داراً يثبت{[20147]} فيها الحق وينفى الباطل ويظهر العدل ويضمحل الجور ، فيقولون تضرعاً إليه وإقبالاً عليه : { ربنا } أي أيها المحسن إلينا { ما خلقت هذا } أي الخلق العظيم المحكم { باطلاً } أي لأجل هذه الدار التي لا تفصل{[20148]} فيها على ما شرعت القضايا ، ولا تنصف فيها الرعاة الرعايا ، بل إنما خلقته لأجل دار أخرى ، يكون فيها محض العدل ، ويظهر فيها الفصل .

ولما كان الاقتصار على هذه الدار مع ما يشاهده من ظهور الأشرار نقصاً ظاهراً وخللاً بيناً نزهوه{[20149]} عنه فقالوا : { سبحانك } وفي ذلك تعليم العباد أدب{[20150]} الدعاء بتقديم{[20151]} الثناء قبله ، وتنبيه على أن العبد كلما غزرت معرفتة زاد خوفه فزاد تضرعه ، فإنه يحسن منه كل شيء من تعذيب الطائع و{[20152]}غيره ، ولولا أن ذلك كذلك لكان الدعاء بدفعه عبثاً{[20153]} ، وما أحسن ختمها حين تسبب عما مضي تيقنهم{[20154]} أن أمامنا داراً يظهر فيها العدل مما هو شأن كل أحد في عبيده{[20155]} ، فيعذب فيها العاصي وينعم فيها الطائع ، كما هو دأب كل ملك في رعيته بقولهم رغبة في الخلاص في تلك الدار : { فقنا عذاب النار * } على وجه جمع بين ذكر العذاب المختتم به آية محبّي{[20156]} المحمدة بالباطل ، والنار المحذر منها في{ فمن زحزح عن النار }[ آل عمران : 185 ]


[20139]:من ظ ومد، وفي الأصل: استجلت.
[20140]:من مد، وفي الأصل وظ: القبض.
[20141]:في مد: فهرهما ـ كذا.
[20142]:في مد: فهرهما ـ كذا.
[20143]:سورة 40 آية 57.
[20144]:من ظ، وفي الأصل ومد: قوت.
[20145]:العبارة من هنا إلى "مع جرى" سقطت من ظ.
[20146]:من مدن وفي الأصل: دار يتنبه، وفي ظ: دارا ثبت ـ كذا.
[20147]:من مدن وفي الأصل: دار يتنبه، وفي ظ: دارا ثبت ـ كذا.
[20148]:في ظ: لا تفضل.
[20149]:من ظ ومد، وفي الأصل: نرهون.
[20150]:سقط من ظ.
[20151]:من ظ ومد، وفي الأصل: عبيده، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[20152]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[20153]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[20154]:من مد، وفي الأصل: تقنهم، وفي ظ: تبعينهم ـ كذا.
[20155]:سقط من ظ.
[20156]:من مد، وفي الأصل: بحى، وفي ظ: مجى ـ كذا.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} (191)

قوله تعالى : ( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار ) ذلك وصف لأولي الألباب فهم ( يذكرون الله ) وذكر الله عبادته باللسان المعبر عما في القلب من إقرار وتصديق . وهذا شأن المؤمن ، يذكر الله بلسانه اللاهج بتعظيم الله ، وقلبه حافل بالتصديق واليقين .

وقوله : ( قياما وقعودا ) منصوب على الحال . وكذلك قوله : ( وعلى جنوبهم ) في محل نصب على الحال عطفا على ما قبله . والمعنى أنهم يذكرون الله دائما على الحالات كلها قائمين وقاعدين ومضطجعين . فهم في كل الحالات يذكرون جلال الله وعظمته وسلطانه . فلا تبرح الذكرى عقولهم وقلوبهم لتظل مشدودة إلى بارئ الكون ومبدع الخلق والخلائق لا يأتي عليها نسيان أو غفلة . وفي الخبر : " من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله " .

وقيل : المراد الصلاة على الهيئات الثلاث ( قياما وقعودا وعلى جنوبهم ) وذلك بحسب الطاقة والإمكان كيلا يضيع المسلم الصلاة في أي حال من الأحوال ، فكيفما تكن حاله من العافية أو المرض تجب في حقه الصلاة على الهيئة التي يستطيع أن يؤدي الصلاة فيها سواء كان قائما أو قاعدا أو على الجنب أو مستلقيا ، فقد ثبت في الصحيحين عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " صل قائما ، فإن لم تستطع فقاعدا ، فأن لم تستطع فعلى الجنب " {[663]} .

وعلى هذا فإن المسلم يؤدي الصلاة قائما ، فإن لم يستطع أداها قاعدا ، فإن لم يستطع أداها على الجنب .

وثمة خلاف في كيفية صلاة المريض ، مع التذكير بإجماع العلماء على أن المريض مخاطب بأداء الصلاة ، لكنه إذا لم يستطع القيام سقط عنه فرضه- أي فرض القيام- وكذلك يسقط عنه فرض الركوع والسجود إذا لم يستطعهما أو أحدهما ويومئ مكانهما إيماء . أي إشارة بحاجب أو يد أو نحو ذلك .

والذي يصلي جالسا هو الذي يشق عليه القيام بسبب المرض . وهو مذهب مالك . وقيل : لا يصلي جالسا إلا الذي لا يستطيع القيام أصلا .

أما صفة صلة الذي لا يقدر على القيام ولا القعود فإنه يصلي على الجنب مضطجعا ووجهه إلى القبلة وهو قول الشافعي ، وقد احتج بظاهر الآية ( وعلى جنوبهم ) فقد مدح الله من ذكره على حال الاضطجاع على الجنب مادام غير مستطيع القيام أو القعود .

وقيل : إذا لم يستطع على جنبه صلى مستلقيا ورجلاه إلى القبلة .

وهو قول مالك وأبي حنيفة{[664]} إلى غير ذلك من الأحكام المتعلقة بصفة الصلاة عند عدم التمكن من القيام أو القعود .

قوله : ( ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ) هذه عبارة أخرى تناط بأولي الألباب . وهي عبادة التفكر في خلق الله . والتفكر من الفكر وهو إعمال النظر في الشيء{[665]} .

والكلام هنا عن أولي الألباب ، وهم أولوا العقول النيرة والبصائر الواعية والأذهان المنبسطة التي تمتد لتبلغ الآفاق في سائر أنحاء العالمين لنقف على كثير من الحقائق والعلوم . ولتطلع على ما لا يدركه القاصرون والجهلة من أولي العقول الصفيق .

الله جل جلاله يمتدح الفئة المؤمنة الواعية من الذين يتفكرون في خلائق الله والذين يلجون ببصائرهم في ملكوت السماوات والأرض بما يثير فيهم حاسية الإيمان بخالق كل شيء وبقدرته البالغة المطلقة التي تكشف عن كمال الله وعن روعة الصانع المتعال .

والإنسان السوي ذو اللب إنما يناط به التفكير في خلق الله ليصل بالضرورة وفي اذكار مطرد إلى أن الله هو الخالق المبدع . ومن العبث الخاسر أن يذر الإنسان هذه الخلائق من مركبات هذا الكون العجيب ليتجاوز مداه المحدود ومقدوره القاصر فيتفكر في ذات الله . إن ذلك لهو الخطل الفادح الذي تتعثر فيه تصورات كثير من الواهمين والمغترين . وفي هذا الصدد يقول النبي صلى الله عليه و سلم : " تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق ، فإنكم لا تقدرون قدره " وهو مروي عن ابن عباس{[666]} .

وقال صلى الله عليه و سلم : " تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فتهلكوا " وهو مروي عن أبي ذر " {[667]} .

وعنه صلى الله عليه و سلم أنه قال محذرا الناس أني تفكروا في ذات الله بل في خلقه : " تفكروا في آلاء الله ، ولا تفكروا في الله " {[668]} فذلك نهي واضح عن التفكير في ذات الله جلت قدرته . فإن التفكر في ذات الله ضرب من العبث والضلال والمكابرة ؛ لأن الإنسان بفطرته الأساسية الراسخة غير مخول ولا مقتدر على التفكر في حقيقة الله سبحانه . فإن الله في حقيقته وذاته فوق كل طاقات البشر ، بل إنه فوق الكون والكائنات كافة ، وفوق كل مقدور ومستطاع . فلا يقوى الإنسان مهما جهد في النظر على أن يجاوز الخلق ليتطاول في النظر فيفكر في ذات الله . لا جرم أن ذلك من صفاقات الذهن الشاطح التائه الذي ركب صاحبه متن الغرور والضلالة حتى ما يلبث بعد ذلك أن يهوي في الأذلين أو يوغل في الغواية والتردد والارتياب . وذلكم لسوف يفضي في الغالب إلى التخسير والتباب .

وقوله : ( ربنا ما خلقت هذا باطلا ) ( هذا ) ، إشارة إلى المتفكر فيه وهو الخلق والمراد به السماوات والأرض ويعرب ( باطلا ) على ثلاثة وجوه ، الأول : مفعول لأجله منصوب .

الثاني : منصوب على الحال من ( هذا ) .

الثالث : نعت لمصدر محذوف ، أي خلقا باطلا ، والباطل ، ضد الحق ، ومعناه الزائل الذاهب{[669]} والمعنى أن هؤلاء المتفكرين في خلق السماوات والأرض يقرون بعد يقينهم وإدكارهم أن الله ما خلق هذا الخلق العجيب ( باطلا ) أي عبثا وهزلا ، بل خلقه ليحمل الأذهان والقلوب على التصديق والتثبت واليقين بوجود الله الأحد المتعال .

قوله : ( سبحانك فقنا عذاب النار ) ( سبحانك ) ، اسم مصدر أقيم مقام المصدر . وذلك تنزيه لله تعالى عن أن يخلق شيئا باطلا ، فالله جل وعلا منزه عن النقائص والعيوب والعبث . وهو وحده المرجو والمقصود أن يدرأ عنا عذاب النار .


[663]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 438.
[664]:- بداية المجتهد جـ 1 ص 152 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 312 وتفسير الرازي جـ 9 ص 140.
[665]:- القاموس المحيط جـ 2 ص 115.
[666]:- أنظر الجامع السغير للسيوطي جـ 1 ص 514.
[667]:- نفسه .
[668]:- رواه الطبري في الأوسط وكذا البيهقي عن ابن عمر. انظر الجامع الصغير للسيوطي جـ 1 ص 514
[669]:- البيان للأنباري جـ 1 ص 235 ، وتفسير الرازي جـ 9 ص 143 والقاموس المحيط جـ 3 ص 345.