في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ} (24)

( قالوا : يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها . فاذهب أنت وربك فقاتلا . إنا هاهنا قاعدون ) . .

وهكذا يحرج الجبناء فيتوقحون ؛ ويفزعون من الخطر أمامهم فيرفسون بأرجلهم كالحمر ولا يقدمون ! والجبن والتوقح ليسا متناقضين ولا متباعدين ؛ بل إنهما لصنوان في كثير من الأحيان . يدفع الجبان إلى الواجب فيجبن . فيحرج بأنه ناكل عن الواجب ، فيسب هذا الواجب ؛ ويتوقح على دعوته التي تكلفه ما لا يريد !

اذهب أنت وربك فقاتلا . إنا هاهنا قاعدون . .

هكذا في وقاحة العاجز ، الذي لا تكلفه وقاحة اللسان إلا مد اللسان ! أما النهوض بالواجب فيكلفه وخز السنان !

( فاذهب أنت وربك ) ! . .

فليس بربهم إذا كانت ربوبيته ستكلفهم القتال !

( إننا هاهنا قاعدون . . )

لا نريد ملكا ، ولا نريد عزا ، ولا نريد أرض الميعاد . . ودونها لقاء الجبارين !

هذه هي نهاية المطاف بموسى عليه السلام . نهاية الجهد الجهيد . والسفر الطويل . واحتمال الرذالات والانحرافات والالتواءات من بني إسرائيل !

نعم ها هي ذي نهاية المطاف . . نكوصا عن الأرض المقدسة ، وهو معهم على أبوابها . ونكولا عن ميثاق الله وهو مرتبط معهم بالميثاق . . فماذا يصنع ؟ وبمن يستجير ؟

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ} (24)

فكأنه قيل : لقد نصحا لهم وبرّا ، واجتهدا{[24961]} في إصلاح الدين والدنيا فما خدعا ولا غرّا ، فما قالوا ؟ فقيل : لم يزدهم ذلك إلا{[24962]} نفاراً واستضعافاً لأنفسهم لإعراضهم عن الله واستصغاراً لأنهم { قالوا } معرضين عمن خاطباهم غيرعادين{[24963]} لهما{[24964]} { يا موسى } وأكدوا نفيهم للإقدام عليهم بقولهم : { إنا } وعظموا تأكيدهم بقولهم{[24965]} : { لن ندخلها } وزادوه تأكيداً بقولهم : { أبداً } وقيدوا ذلك بقولهم : { ما داموا } أي الجبابرة { فيها } أي لهم اليد عليها ، ثم اتبعوه بما يدل على أنهم{[24966]} في غاية الجهل بالله الفعال لما يريد .

الغني عن جميع العبيد ، فقالوا مسببين عن نفيهم ذلك قولهم : { فاذهب أنت وربك } أي المحسن إليك ، فلم يذكروا أنه أحسن إليهم كثافة{[24967]} طباع وغلظ أكباد ، بل{[24968]} خصوه بالإحسان ، وهذا القول إن{[24969]} لم يكن قائلوه يعتقدون التجسيم{[24970]} فهم مشارفون له ، وكذلك{[24971]} أمثاله ، و{[24972]} كان اليهود الآن عريقين في التجسيم ، ثم{[24973]} سببوا عن الذهاب قولهم : { فقاتلا } ثم استأنفوا قولهم مؤكدين لأن من له طبع سليم وعقل مستقيم لا يصدق أن أحداً يتخلف عن أمر الله لا سيما إن كان بمشافهة الرسول : { إنا هاهنا } أي خاصة { قاعدون } أي لا نذهب معكما ، فكان فعلهم فعل من يريد السعادة بمجرد ادعاء الإيمان من غير تصديق له بامتحان بفعل ما{[24974]} يدل على الإيقان ؛ روى البخاري في المغازي والتفسير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : " قال المقداد بن عمرو يوم بدر : يا رسول الله ! لا نقول كما قال قوم{[24975]} موسى : { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } ولكن{[24976]} امض{[24977]} ونحن{[24978]} معك ، نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك{[24979]} وخلفك ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسرَّه "


[24961]:في ظ: اجتهد.
[24962]:زيد من ظ.
[24963]:في ظ: عادلين.
[24964]:في الأصل و ظ: لهم.
[24965]:في ظ: بقوله.
[24966]:في ظ: إنه.
[24967]:في ظ: كافة- كذا.
[24968]:سقط من ظ.
[24969]:زيد من ظ.
[24970]:العبارة من هنا إلى "في التجسيم سقطت من ظ.
[24971]:في الأصل: وأمثاله- كذا.
[24972]:في الأصل: وأمثاله- كذا.
[24973]:من ظ، وفي الأصل "و".
[24974]:زيد من ظ.
[24975]:سقط من ظ.
[24976]:من ظ وصحيح البخاري، وفي الأصل: لكنا، وزيد بعده فيه: نقول، ولم تكن الزيادة في ظ والصحيح فحذفناها.
[24977]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24978]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24979]:زيد من ظ والصحيح.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ} (24)

قوله : { قالوا يموسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء والتهكم والاستهانة بالله ورسوله وقلة المبالاة أو الاهتمام بهما وبأمرهم وعدم الثقة بالنصر الذي وعدهم الله به شريطة أن يدخلوا ، فكانوا لقسوة قلوبهم الغلف وخواء نفسهم المهزومة يستشعرون الإياس المطبق ، فضلا عن مبلغ الرعب الذي ملك عليهم العقل والقلب والمشاعر جميعا ، فأبوا إلا النكوص والامتناع عن دخول الأرض المقدسة أبدا . أي دهرا طويلا ما دام العمالقة فيها . ثم قالوا قولتهم المثيرة التي تكشف عن طبائع قد خالطها الخور والحبوط فباتت تستمرئ العناد والمكابرة والإحساس بالذل وهوان النفس { فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } ذلك نكول صارخ عن الامثتال لأمر الله بمجاهدة الجبارين الطغاة . بل إنه كفر صراح لما ينطوي عليه قولهم من شبهة التجسيم إذ يجوزون الذهاب على الله وانتقاه من مكان إلى مكان وذلكم كفر . وقيل : قالوا ذلك على وجه التمرد والاستخفاف بالأمر وهو فسق .

وهنا قد حصحص الحق ليتجلى واضحا بلجا للعالمين . وليعي من يود أن يعي من الناس أو من أولي الألباب والنظر السوي السديد . والحق المقصود هنا هو حرمان بني إسرائيل من الأرض المقدسة ، فصاروا لا يستحقونها ، لأنهم فرطوا فيما اشترطه الله عليهم ليكتب لهم في المقابل الأرض المقدسة . وقد اشترط عليهم الدخول على العمالقة لقتالهم ومجاهدتهم ، فإن دخلوا عليهم فلسوف يكون النصر حليفهم وهو وعد الله لهم . لكنهم انتكسوا ولوا رؤوسهم وولوا مدبرين فلم يمتثلوا للشرط الذي جعله لهم . قال ابن عباس في هذا الصدد عن الأرض المقدسة وبني إسرائيل : كانت هبة ثم حرمها عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم . وجملة القول أن الوعد بقوله { التي كتب الله لكم } مشروط بقيد الطاعة فلما لم يوجد الشرط لا جرم لم يوجد المشروط . وهو قول الإمام الرازي{[934]} .


[934]:- تفسير الرازي ج 11 ص 202- 205 وكشاف الزمخشري ج 1 ص 605 وروح المعاني ج 5 ص 106، 108 وتفسير ابن كثير ج 2 ص 40.