( قالوا : يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها . فاذهب أنت وربك فقاتلا . إنا هاهنا قاعدون ) . .
وهكذا يحرج الجبناء فيتوقحون ؛ ويفزعون من الخطر أمامهم فيرفسون بأرجلهم كالحمر ولا يقدمون ! والجبن والتوقح ليسا متناقضين ولا متباعدين ؛ بل إنهما لصنوان في كثير من الأحيان . يدفع الجبان إلى الواجب فيجبن . فيحرج بأنه ناكل عن الواجب ، فيسب هذا الواجب ؛ ويتوقح على دعوته التي تكلفه ما لا يريد !
اذهب أنت وربك فقاتلا . إنا هاهنا قاعدون . .
هكذا في وقاحة العاجز ، الذي لا تكلفه وقاحة اللسان إلا مد اللسان ! أما النهوض بالواجب فيكلفه وخز السنان !
فليس بربهم إذا كانت ربوبيته ستكلفهم القتال !
لا نريد ملكا ، ولا نريد عزا ، ولا نريد أرض الميعاد . . ودونها لقاء الجبارين !
هذه هي نهاية المطاف بموسى عليه السلام . نهاية الجهد الجهيد . والسفر الطويل . واحتمال الرذالات والانحرافات والالتواءات من بني إسرائيل !
نعم ها هي ذي نهاية المطاف . . نكوصا عن الأرض المقدسة ، وهو معهم على أبوابها . ونكولا عن ميثاق الله وهو مرتبط معهم بالميثاق . . فماذا يصنع ؟ وبمن يستجير ؟
فكأنه قيل : لقد نصحا لهم وبرّا ، واجتهدا{[24961]} في إصلاح الدين والدنيا فما خدعا ولا غرّا ، فما قالوا ؟ فقيل : لم يزدهم ذلك إلا{[24962]} نفاراً واستضعافاً لأنفسهم لإعراضهم عن الله واستصغاراً لأنهم { قالوا } معرضين عمن خاطباهم غيرعادين{[24963]} لهما{[24964]} { يا موسى } وأكدوا نفيهم للإقدام عليهم بقولهم : { إنا } وعظموا تأكيدهم بقولهم{[24965]} : { لن ندخلها } وزادوه تأكيداً بقولهم : { أبداً } وقيدوا ذلك بقولهم : { ما داموا } أي الجبابرة { فيها } أي لهم اليد عليها ، ثم اتبعوه بما يدل على أنهم{[24966]} في غاية الجهل بالله الفعال لما يريد .
الغني عن جميع العبيد ، فقالوا مسببين عن نفيهم ذلك قولهم : { فاذهب أنت وربك } أي المحسن إليك ، فلم يذكروا أنه أحسن إليهم كثافة{[24967]} طباع وغلظ أكباد ، بل{[24968]} خصوه بالإحسان ، وهذا القول إن{[24969]} لم يكن قائلوه يعتقدون التجسيم{[24970]} فهم مشارفون له ، وكذلك{[24971]} أمثاله ، و{[24972]} كان اليهود الآن عريقين في التجسيم ، ثم{[24973]} سببوا عن الذهاب قولهم : { فقاتلا } ثم استأنفوا قولهم مؤكدين لأن من له طبع سليم وعقل مستقيم لا يصدق أن أحداً يتخلف عن أمر الله لا سيما إن كان بمشافهة الرسول : { إنا هاهنا } أي خاصة { قاعدون } أي لا نذهب معكما ، فكان فعلهم فعل من يريد السعادة بمجرد ادعاء الإيمان من غير تصديق له بامتحان بفعل ما{[24974]} يدل على الإيقان ؛ روى البخاري في المغازي والتفسير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : " قال المقداد بن عمرو يوم بدر : يا رسول الله ! لا نقول كما قال قوم{[24975]} موسى : { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } ولكن{[24976]} امض{[24977]} ونحن{[24978]} معك ، نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك{[24979]} وخلفك ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسرَّه "
قوله : { قالوا يموسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء والتهكم والاستهانة بالله ورسوله وقلة المبالاة أو الاهتمام بهما وبأمرهم وعدم الثقة بالنصر الذي وعدهم الله به شريطة أن يدخلوا ، فكانوا لقسوة قلوبهم الغلف وخواء نفسهم المهزومة يستشعرون الإياس المطبق ، فضلا عن مبلغ الرعب الذي ملك عليهم العقل والقلب والمشاعر جميعا ، فأبوا إلا النكوص والامتناع عن دخول الأرض المقدسة أبدا . أي دهرا طويلا ما دام العمالقة فيها . ثم قالوا قولتهم المثيرة التي تكشف عن طبائع قد خالطها الخور والحبوط فباتت تستمرئ العناد والمكابرة والإحساس بالذل وهوان النفس { فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } ذلك نكول صارخ عن الامثتال لأمر الله بمجاهدة الجبارين الطغاة . بل إنه كفر صراح لما ينطوي عليه قولهم من شبهة التجسيم إذ يجوزون الذهاب على الله وانتقاه من مكان إلى مكان وذلكم كفر . وقيل : قالوا ذلك على وجه التمرد والاستخفاف بالأمر وهو فسق .
وهنا قد حصحص الحق ليتجلى واضحا بلجا للعالمين . وليعي من يود أن يعي من الناس أو من أولي الألباب والنظر السوي السديد . والحق المقصود هنا هو حرمان بني إسرائيل من الأرض المقدسة ، فصاروا لا يستحقونها ، لأنهم فرطوا فيما اشترطه الله عليهم ليكتب لهم في المقابل الأرض المقدسة . وقد اشترط عليهم الدخول على العمالقة لقتالهم ومجاهدتهم ، فإن دخلوا عليهم فلسوف يكون النصر حليفهم وهو وعد الله لهم . لكنهم انتكسوا ولوا رؤوسهم وولوا مدبرين فلم يمتثلوا للشرط الذي جعله لهم . قال ابن عباس في هذا الصدد عن الأرض المقدسة وبني إسرائيل : كانت هبة ثم حرمها عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم . وجملة القول أن الوعد بقوله { التي كتب الله لكم } مشروط بقيد الطاعة فلما لم يوجد الشرط لا جرم لم يوجد المشروط . وهو قول الإمام الرازي{[934]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.