ولما كانت مقاومة الظلم تكلف الناس التكاليف في الأنفس والأموال ؛ فقد عاد القرآن يذكر العصبة المسلمة - التي كانت تخاطب بهذا القرآن أول مرة - بما كان من ضعفها وقلة عددها ، وبما كان من الأذى الذي ينالها ، والخوف الذي يظللها . . وكيف آواها الله بدينه هذا وأعزها ورزقها رزقا طيبا . . فلا تقعد إذن عن الحياة التي يدعوها إليها رسول الله . ولا عن تكاليف هذه الحياة ، التي أعزها بها الله ، وأعطاها وحماها :
( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ، تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم ، وأيدكم بنصره ، ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون ) . .
اذكروا هذا لتستيقنوا أن الرسول يدعوكم لما يحييكم ؛ واذكروه كي لا تقعدوا عن مكافحة الظلم في كل صوره وأشكاله . . اذكروا أيام الضعف والخوف ، قبل أن يوجهكم الله إلى قتال المشركين ، وقبل أن يدعوكم الرسول إلى الطائفة ذات الشوكة وأنتم كارهون . . ثم انظروا كيف صرتم بعد الدعوة المحيية التي انقلبتم بها أعزاء منصورين مأجورين مرزوقين . يرزقكم الله من الطيبات ليؤهلكم لشكره فتؤجروا على شكركم لفضله !
ويرسم التعبير مشهدا حيا للقلة والضعف والقلق والخوف :
( تخافون أن يتخطفكم الناس ) . .
وهو مشهد التربص الوجِل ، والترقب الفزع ، حتى لتكاد العين تبصر بالسمات الخائفة ، والحركات المفزَّعة ، والعيون الزائغة . . والأيدي تمتد للتخطف ؛ والقلة المسلمة في ارتقاب وتوجس !
ومن هذا المشهد المفزع إلى الأمن والقوة والنصر والرزق الطيب والمتاع الكريم ، في ظل الله الذي آواهم إلى حماه :
( فآواكم ، وأيدكم بنصره ، ورزقكم من الطيبات ) . .
وفي ظل توجيه الله لهم ليشكروا فيؤجروا :
فمن ذا الذي يتأمل هذه النقلة البعيدة ، ثم لا يستجيب لصوت الحياة الآمنة القوية الغنية . صوت الرسول الأمين الكريم . . ثم من ذا الذي لا يشكر الله على إيوائه ونصره وآلائه ، وهذا المشهد وذلك معروضان عليه ، ولكل منهما إيقاعه وإيحاؤه ?
على أن القوم إنما كانوا يعيشون هذا المشهد وذاك . . كانوا يذكرون بما يعرفون من حالهم في ماضيهموحاضرهم . . ومن ثم كان لهذا القرآن في حسهم ذلك المذاق . .
والعصبة المسلمة التي تجاهد اليوم لإعادة إنشاء هذا الدين في واقع الأرض وفي حياة الناس ؛ قد لا تكون قد مرت بالمرحلتين ، ولا تذوقت المذاقين . . ولكن هذا القرآن يهتف لها بهذه الحقيقة كذلك . ولئن كانت اليوم إنما تعيش في قوله تعالى :
( إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس ) . .
فأولى لها أن تستجيب لدعوة الحياة التي يدعوها إليها رسول الله ؛ وأن تترقب في يقين وثقة ، موعود الله للعصبة المسلمة ، موعوده الذي حققه للعصبة الأولى ، ووعد بتحقيقه لكل عصبة تستقيم على طريقه ، وتصبر على تكاليفه . . وأن تنتظر قوله تعالى :
( فآواكم وأيدكم بنصره ، ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون ) .
وهي إنما تتعامل مع وعد الله الصادق - لا مع ظواهر الواقع الخادع - ووعد الله هو واقع العصبة المسلمة الذي يرجح كل واقع !
ولما كان من أشد العقاب الإذلال ، حذرهموه{[34836]} بالتذكير بما كانوا فيه من الذل ، لأنه أبعث على الشكر وأزجر عن الكفر فقال : { واذكروا } وذكر المفعول به فقال : { إذ أنتم } أي في{[34837]} أوائل الإسلام { قليل } أي عددكم .
ولما كان وجود مطلق الاستضعاف{[34838]} دالاً على غاية الضعف{[34839]} بنى للمفعول قوله{[34840]} : { مستضعفون } أي لا منفذ عندكم { في الأرض } أطلقها والمراد مكة ، لأنها لعظمها كأنها هي الأرض كلها ، ولأن حالهم كان في بقية البلاد كحالهم فيها أو قريباً من ذلك ، ولذلك عبر بالناس في قوله : { تخافون } أي في{[34841]} حال اجتماعكم فكيف عند الانفراد { أن يتخطفكم } أي على سبيل التدريج { الناس } أي كما تتخطف{[34842]} الجوارح الصيود ، فحذرهم سبحانه - بالتنبيه على أنه قادر على أن يعيدهم إلى ما كانوا عليه - من هذه الأحوال بالمخالفة بين كلمتهم وترك التسبب إلى اجتماعها بالأمر بالمعروف و{[34843]}النهي عن المنكر ، وفي ذلك أيضاً إشارة إلى أنهم لما كانوا في تلك الحالة التي هي في غاية الضعف ، وكانت كلمتهم مجتمعة على أمر الله الذي هو توحيده وطاعة رسوله ، أعقبهم الإيواء في دار منيعة ، قد أيدهم بالنصر وأحسن رزقهم ، وذلك معنى قوله تعالى مسبباً عما قبله : { فآواكم } أي في دار الهجرة رحمة لكم { وأيدكم بنصره } أي بأهلها مع الملائكة { ورزقكم من الطيبات } أي الغنائم الكاملة الطيبة بالإحلال وعدم المنازع التي لم تحل لأحد قبلكم وغيرها { لعلكم تشكرون* } أي ليكون{[34844]} حالكم حال من يرجى شكره ، فيكون بعيداً عن المنازعه في الأنفال ، وذلك إشارة إلى أنهم مهما استمروا على تلك الحالة ، كان - بإقبالهم على مثل ما أتاهم به وزادهم من فضله - أن جعلهم سادة في الدارين بما يهب لهم من الفرقان الآتي في الآية بعدها والتوفيق عند إتيانه{[34845]} ، فالآية منصبة إلى الصحابة بالقصد الأول وهي صالحة للعرب كافة فتنصرف{[34846]} إليهم بالقصد الثاني ؛ قال قتادة : كان هذا الحي من العرب أذل الناس وأشقاهم عيشاً وأجوعهم بطناً وأعراهم جلداً وأبينهم ضلالاً ، من عاش شقياً ومن مات منهم تردى في النار معكوفين على رأس الحجرين الشديدين : فارس والروم ، يؤكلون ولا يأكلون ، وما في بلادهم شيء عليه{[34847]} يحسدون حتى جاء الله بالإسلام ، فمكن لهم من البلاد ووسع لهم في الرزق والغنائم وجعلهم ملوكاً على رقارب{[34848]} الناس ، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم فاشكروا الله على نعمه ، فإن ربكم يحب شكره والشاكر{[34849]} في مزيد من الله تعالى{[34850]} .
قوله تعالى : { واذكروا إذ أنتم مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطبيات لعلكم تشكرون } ذلك خطاب للمؤمنين المهاجرين . فالله يذكرهم ؛ إذ كانوا قلة مستضعفين في مكة ف ابتداء الإسلام ، وكانوا مقهورين أذلة ، والدنيا من حولهم تموج بالظلم والكفر { تخافون أن يتخطفكم الناس } التخطف ، معناه الانتزاع والأخذ بسرعة . وذلك تصوير كاشف أبلج لحال المسلمين في مكة ، إذ كانوا في غاية القلة والذلة والخوف ، والمشركون من حولهم يتربصون بهم تربصا ، ويوشك أن يميلوا عليهم ميلة واحدة فيبددوهم أو يستأصلوهم . لكن الله سلم فصان المسلمين ورعاهم ، ورد عنهم سطوة الكافرين الظالمين وكيدهم . وهو قوله : { فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات } فقد جعل الله لكم مأوى آمنا حريزا تثوبون إليه وتسكنون فيه هي المدينة { وأيدكم بنصره } أي قواكم بالنصر الذي كتبه لكم في بدر . وأحل كم الغمائم المستفادة من الكافرين الظالمين الذين لا يستحقون المال . بل يجب تجريدهم من المال إلا ما يسد خلتهم ( حاجتهم ) . وما فوق حاجتهم من أموال طائلة كاثرة إنما يستعملونه في الإفساد والكيد والخيانة والدسائس وإشاعة الشرور والرذائل والفوضى في الأرض .
إن هؤلاء الضالين الذين يعيثون في الدنيا الخراب والفساد والفتن أحرى أن لا يملكوا المال فيتمكنوا به من الإيذاء والتخريب وافتعال المكائد والمؤامرات بين الشعوب والأمم . إن من دواعي المنطق أن تصان هذه الأموال بأيدي المؤمنين السائرين على منهج الله الحق ، ومنهج الإسلام ؛ فهم المؤتمنون على البشرية في صونها ورعايتها وتكريمها وإشاعة الرحمة والحق فيها . لا جرم أن الإسلام والمسلمين أحرص من في الدنيا طرا على الرحمة بالخليقة ، وعلى دفع الأذى والشر عنها لتعيش آمنة سالمة مطمئنة .
فلا ينبغي في ضوء هذا التصور السليم أن تضل الأموال بأيدي الأشرار من البشر ، أولئك الضالعون في الظلم والرجس والتخريب . بل ينبغي أن تنتزع منهم هذه الأموال انتزاعا لتصان في أيدي المؤمنين الحقيقين المؤتمنين على البشرية في أموالها وكراماتها وأوطانها وأديانها .