( وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام . وما كانوا أولياءه . إن أولياؤه إلا المتقون . ولكن أكثرهم لا يعلمون ) . .
إنه لا يمنع العذاب عنهم ما يدعونه من أنهم ورثة إبراهيم وسدنة بيت الله الحرام . . فهذه ليست سوى دعوى لا أساس لها من الواقع . إنهم ليسوا أولياء هذا البيت ولا أصحابه . إنهم أعداء هذا البيت وغاصبوه ! إن بيت الله الحرام ليس تركة يرثها الخلف عن السلف . إنه بيت الله يرثه أولياء الله المتقون لله . ومثله دعواهم أنهم ورثة إبراهيم - عليه السلام - فوراثة إبراهيم ليست وراثة دم ونسب ؛ إنما هي وراثة دين وعقيدة . والمتقون هم ورثة إبراهيم وبيت الله الذي بناه لله ؛ فإذا هم يصدون عنه أولياءه الحقيقيين المؤمنين بدين إبراهيم !
ولما كان هذا ليس نصاً في استحقاقهم العذاب ، قال تعالى عاطفاً على ما تقديره : وليعذبهم الله إذ هاجرت عنهم ولم يؤمنوا فيستغفروا : { وما لهم } قال أبو حيان : الظاهر أن " ما " استفهامية ، أي أي شيء لهم في انتفاء العذاب ، وهو استفهام معناه التقرير ، أي كيف لا يعذبون وهم متصفون بهذه الصفة{[34933]} المتقضية للعذاب وهي صدهم المؤمنين عن المسجد الحرام وليسوا{[34934]} بولاة البيت - انتهى . وتقدير الكلام : وأيّ حظ لهم في { ألا يعذبهم الله } أي الذي له كمال العز والعظمة على الظالم والإكرام والرفق بالطائع عاجلاً { وهم } أي والحال أنهم مستحقون للعذاب فهو واقع بهم لا محالة وإن تأخر مدة إبانه وأبطأ عنهم أوانه وقوعاً ينسيهم ما نالوه من اللذات وإن عظم عندهم شأنها وامتد{[34935]} طويلاً زمانها لأنهم { يصدون } أي يوجدون الصد { عن المسجد } أي من أراد تعظيمه بالصلاة التي وضع المسجد لها وغيرها { الحرام } أي العظيم حرمته عند كل أحد فلا اختصاص به لشخص دون آخر ، أي شأنهم فعل حقيقة الصد في الماضي والحال والمآل ، لا ينفكون عن ذلك ، كما كانوا يمنعون من شاؤوا من دخول البيت ويقولون : نحن ولاته ، نفعل ما نشاء ، ويصدون المؤمنين عن الطواف به التعذيب والفتنة وصدوا رسول الله عليه وسلم ومن معه بالإخراج ثم صدوهم عام الحديبية عن الوصول إلى البيت وعام عمرة القضية عن الإقامة بعد الثلاثة الأيام { وما } أي والحال أنه لم يكن لهم ذلك لأنهم{[34936]} ما { كانوا أولياءه } أي أهلاً لولايته بحيث إن صدهم ربما يقع موقعه ؛ روى البخاري في التفسير عن أنس رضي الله عنه قال : قال أبو جهل : { اللهم إن كان{[34937]} هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } [ الأنفال : 32 ] فنزلت { وما كان الله ليعذبهم } [ الأنفال : 33 ] إلى { عن{[34938]} المسجد الحرام } [ الأنفال : 33 ] .
ولما نفى عنهم الولاية . ذكر أهلها فقال ؛ { إن } أي ما { أولياؤه } أي بالاستحقاق { إلا المتقون{[34939]} } أي العريقون في هذا الوصف بما يجعلون بينهم وبين{[34940]} سخط الله من وقايات الطاعات ، لا كل من آمن بل خاصة المؤمنين ، وهم ليسوا كذلك لتلبسهم الآن بالكفر { ولكن أكثرهم لا يعلمون* } أي ليس{[34941]} لهم علم بالأمور ليميزوا بين الحق والباطل والمتقي والفاسق وحسن العواقب وسيئها ، ولعله عبر بالأكثر إعلاماً بأن فيهم المعاند ، ولأنه كان منهم من آمن بعد ذلك فصار من أولي العلم .
قوله تعالى : { وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياءه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون 34 وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } أي : وما يمنع هؤلاء المشركين من أن يعذبهم الله وهم لا يستغفرونه من كفرهم ، ويصدون المؤمنين بالله ورسوله عن المسجد الحرام . فهم مستحقون من كفرهم ، ويصدون المؤمنين بالله ورسوله عن المسجد الحرام . فهم مستحقون للعذاب بما ارتكبوه من القبائح والموبقات .
قوله : { وما كانوا أولياءه إلا المتقون } أي كيف لا يعذب الله هؤلاء الظالمين الذين يصدون المؤمنين عن المسجد الحرام كما صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عام الحديبية وكانوا يقولون : نحن ولاة البيت فنصد من نشاء وندخل من نشاء { وما كانوا أولياءه } أي أن هؤلاء المشركون الظالمين ليسوا هم أهل المسجد الحرام ولا يستحقون أن يكونوا ولاة أمره وأربابه { إن أولياءه إلا المتقون } أي ليس أولياءه وأهل غير النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين الذين يتقون الله والذين هم على جادة الصواب . فهم مجانبون للضلال والظلم والباطل ، مستمسكون بالحق والعدل . أما الكفرة الظالمون ؛ فإنهم غير مؤتمنين على صوت بيوت الله أو رعايتها وولاية شؤونها . كما قال سبحانه : { وما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر } وكيف وا لهفي والمسجد الأقصى ، أولى القبلتين وثالث الحرمين أسير يهود ؛ إذ أطبقوا عليه إطباقا فحالوا بينه وبين المسلمين أن يدخلوه أو يصلوا فيه . سبحانك اللهم إن هذا لهو الجور المبين والظلم الفادح العظيم .
قوله : { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أي أن أكثر هؤلاء الضالين الخاطئين ضالعون في الجهالة والعمه ، فلا يعلمون الحق ولا يفقهون على الصواب ، ولا يمضون على جادة الصراط . وذلك هو شأن البشرية في غالب أزمانها وأحوالها وشعوبها ، فإن الأكثرين من الناس قد غشيت بصائرهم العماية والتضليل والوهم ، فلم يهتدوا سبيلا . وأسباب ذلك متعددة ، وفي طليعة ذلك إغراء الشياطين من الإنس الذين يضلون الناس والذين يزينون لهمن مجانبة الحق والهداية والتزام الطاعات ، وكذلك يزينون لهم فعل المحظورات جريا وراء الملذات والشهوات .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.