في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ يُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ وَيَقُولُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} (18)

1

ثم يمضي السياق يواجه الذين يكفرون به ؛ ويزعمون أنه مفترى من دون الله ، ويكذبون على الله سبحانه وعلى رسوله [ ص ] وذلك في مشهد من مشاهد القيامة يعرض فيه الذين يفترون على الله الكذب . سواء بقولهم : إن الله لم ينزل هذا الكتاب ، أو بادعائهم شركاء لله . أو بدعواهم في الربوبية الأرضية وهي من خصائص الألوهية . . يجمل النص هنا الإشارة لتشمل كل ما يوصف بأنه كذب على الله .

هؤلاء يعرضون في مشهد يوم القيامة للتشهير بهم وفضيحتهم على رؤوس الأشهاد . وفي الجانب الآخر المؤمنون المطمئنون إلى ربهم وما ينتظرهم من نعيم . ويضرب للفريقين مثلا : الأعمى والأصم والبصير والسميع :

( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ؟ أولئك يعرضون على ربهم ، ويقول الأشهاد : هؤلاء الذين كذبوا على ربهم . ألا لعنة الله على الظالمين . الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ، وهم بالآخرة هم كافرون . أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض ، وما كان لهم من دون الله من أولياء ، يضاعف لهم العذاب ، ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون . أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ، لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون . إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم ، أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون . مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع . هل يستويان مثلا ؟ أفلا تذكرون ؟ ) .

إن افتراء الكذب في ذاته جريمة نكراء ، وظلم للحقيقة ولمن يفتري عليه الكذب . فما بال حين يكون هذا الافتراء على الله ؟

( أولئك يعرضون على ربهم ، ويقول الأشهاد : هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ) .

إنه التشهير والتشنيع . بالإشارة : ( هؤلاء ) . . ( هؤلاء الذين كذبوا ) . . وعلى من ؟ ( على ربهم )لا على أحد آخر ! إن جو الفضيحة هو الذي يرتسم في هذا المشهد ، تعقبها اللعنة المناسبة لشناعة الجريمة :

( ألا لعنة الله على الظالمين ) . .

يقولها الأشهاد كذلك . والأشهاد هم الملائكة والرسل والمؤمنون ، أو هم الناس أجمعون . فهو الخزي والتشهير - إذن - في ساحة العرض الحاشدة ! أو هو قرار الله سبحانه في شأنهم إلى جانب ذلك الخزي والتشهير على رؤوس الأشهاد :

( ألا لعنة الله على الظالمين ) . .

والظالمون هم المشركون .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ يُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ وَيَقُولُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} (18)

ولما كان الكافرون قد كذبوا على الله بما أحدثوه من الدين من غير دليل و{[39001]} ما نسبوا إليه{[39002]} النبي صلى الله عليه وسلم من الافتراء ، أتبع ذلك سبحانه قوله : { ومن أظلم } أي لا أحد أظلم { ممن افترى } أي تعمد أن اختلق{[39003]} متكبراً { على الله } أي الملك الأعظم { كذباً } الآية ، وهو موضع ضمير لو أتى به لقيل : لا يؤمنون ظلماً منهم ، ومن أظلم منهم أي هم أظلم الظالمين ، فأتى بهذا الظاهر بياناً لما كفروا به لأنه إذا علق الحكم بالوصف دل على أنه علته .

ولما بين أنهم أظلم ، أتبعه جزاءهم بقوله استئنافاً : { أولئك } المستحقو البعد ؛ ولما كان نفس العرض مخوفاً ، بنى للمجهول قوله : { يعرضون } أي{[39004]} لذلك ولدلالة على أنهم على صفة الهوان ومستسلمون لكل عارض ، فعرضهم في غاية السهولة { على ربهم } أي الذي أحسن إليهم فلم يشكروه ، العالم بالخفايا فيفتضحون بين يديه بما قابلوا به إحسانه من اللوم { ويقول } على سبيل التكرار{[39005]} { الأشهاد } وهم الذين آمنوا بالكتب الشاهد بعضها لبعض المشار إليه بقوله { ويتلوه شاهد منه } والملائكة الذين شهدوا أعمالهم ومن{[39006]} أعضائهم حين يختم على أفواههم { هؤلاء } إشارة بأداة القرب{[39007]} إلى تحقيرهم { الذين كذبوا } متكبرين { على ربهم } في ادعاء الشريك والولد والتحليل والتحريم وغير ذلك بما عراهم من إحسانه وطول حلمه{[39008]} ، وفي الإتيان بصفة الربوبية غاية التشنيع عليهم ، فتكررت بهذا القول{[39009]} فضيحتهم عند جنسهم وبعدهم عن كل من سمع هذا الكلام لأنه {[39010]}لا أبعد{[39011]} عن القلوب من الكاذب فكيف بالمجترىء بالكذب على الرؤساء فكيف بملك الملوك الذي رباهم وكل من أهل الموقف مرتقب برّه خائف من انتقامه ، {[39012]}وكأنه{[39013]} قيل : فما لهم بعد هذا العذاب العظيم بهذه الفضيحة ؟ فقيل : { ألا لعنة الله } وهي طرد الملك الأعظم وإبعاده ، وانظر{[39014]} إلى تهويل الأمر باسم الذات ما أشده { على الظالمين } فكيف بأظلم الظالمين ،


[39001]:سقط من ظ.
[39002]:في ظ: إلى.
[39003]:في ظ: اختلف.
[39004]:زيد من ظ.
[39005]:زيد من ظ.
[39006]:سقط من ظ.
[39007]:من ظ، وفي الأصل: الفرد.
[39008]:زيد من ظ.
[39009]:زيدت الواو بعده في ظ.
[39010]:في ظ: لا بعد.
[39011]:في ظ: لا بعد.
[39012]:في ظ: فكأنه.
[39013]:في ظ: فكأنه.
[39014]:من ظ، وفي الأصل: النظر.