في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡيَٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ} (26)

22

فقد كانت حرب دعاية منظمة يديرها قريش على الدعوة ، ويديرها أمثال قريش في كل زمان ومكان من المستكبرين الذين لا يريدون الخضوع للحق والبرهان ، لأن استكبارهم يمنعهم من الخضوع للحق والبرهان . فهؤلاء المستكبرون من قريش ليسوا أول من ينكر ، وليسوا أول من يمكر . والسياق يعرض عليهم نهاية الماكرين من قبلهم ، ومصيرهم يوم القيامة ، بل مصيرهم منذ مفارقة أرواحهم لأجسادهم حتى يلقوا في الآخرة جزاءهم . يعرض عليهم هذا كله في مشاهد مصورة على طريقة القرآن المأثورة :

( قد مكر الذين من قبلهم . فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم ، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون . ثم يوم القيامة يخزيهم ، ويقول : أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم ؟ قال الذين أوتوا العلم : إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ، الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ، فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء . بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون . فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ، فلبئس مثوى المتكبرين )

( قد مكر الذين من قبلهم ) والتعبير يصور هذا المكر في صورة بناء ذي قواعد وأركان وسقف إشارة إلى دقته وإحكامه ومتانته وضخامته . ولكن هذا كله لم يقف أمام قوة الله وتدبيره : ( فأتى الله بنيانهم من القواعد ، فخر عليهم السقف من فوقهم ) وهو مشهد للتدمير الكامل الشامل ، يطبق عليهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، فالقواعد التي تحمل البناء تحطم وتهدم من أساسها ، والسقف يخر عليهم من فوقهم فيطبق عليهم ويدفنهم ( وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ) فإذا البناء الذي بنوه وأحكموا واعتمدوا على الاحتماء فيه . إذا هو مقبرتهم التي تحتويهم ، ومهلكتهم التي تأخذهم من فوقهم ومن أسفل منهم . وهو الذي اتخذوه للحماية ولم يفكروا أن يأتيهم الخطر من جهته !

إنه مشهد كامل للدمار والهلاك ، وللسخرية من مكر الماكرين وتدبير المدبرين ، الذين يقفون لدعوة الله ، ويحسبون مكرهم لا يرد ، وتدبيرهم لا يخيب ، والله من ورائهم محيط !

وهو مشهد مكرر في الزمان قبل قريش وبعدها . ودعوة الله ماضية في طريقها مهما يمكر الماكرون ، ومهما يدبر المدبرون .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡيَٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ} (26)

ولما كان المراد من هذا الاستكبار محو الحق وإخفاء أمره من غير تصريح بالعناد - بل مع إقامة شبه ربما راجت - وإن اشتد ضعفها - على عقول هي أضعف منها ، وكأن هذا حقيقة المكر التي هي التغطية والستر كما بين في الرعد عند قوله تعالى : ( بل زين للذين كفروا مكرهم }[ الرعد : 23 ] شرع يهدد الماكرين ويحذرهم وقوع ما وقع بمن كانوا أكثر منهم عدداً وأقوى يداً ، ويرجي المؤمنين في نصرهم عليهم ، بما له من عظيم القوة وشديد السطوة ، فقال تعالى : { قد مكر الذين } ولما كان المقصود بالإخبار ناساً مخصوصين لم يستغرقوا زمان القبل ، أدخل الجار فقال تعالى : { من قبلهم } ممن رأوا آثارهم ودخلوا ديارهم { فأتى الله } أي بما له من مجامع العظمة { بنيانهم } أي إتيان بأس وانتقام { من القواعد } التي بنوا عليها مكرهم { فخر } أي سقط مع صوت عظيم لهدته { عليهم السقف } .

ولما كانت العرب تقول : خر علينا سقف ووقع علينا حائط - إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه كما نقله أبو حيان عن ابن الأعرابي ، قال تعالى صرفاً عن هذا إلى حقيقة السقوط المقيد بالجار : { من قولهم } وكانوا تحته فهلكوا كما هو شأن البنيان إذا زالت قواعده .

ولما كان المكر هو الضر في خفية ، لأنه القتل بالحيلة إلى جهة منكرة ، بين أن ما حصل لهم من العذاب هو من باب ما فعلوا بقوله : { وأتاهم العذاب } أي الذي اتفقت كلمة الرسل على الوعيد به لمن أبى { من حيث لا يشعرون * } لأن السبب الذي أعدوه لنصرهم كان بعينه سبب قهرهم ، وهذا على سبيل التمثيل ، وقيل : إنه على الحقيقة فيما بناه نمرود من الصرح .

ذكر قصته من التوراة :

قال في السفر الأول منها في تعداد أولاد نوح عليه السلام : وكوش - يعني ابن حام بن نوح - ولد نمرود ، وكان أول جبار في الأرض ، وهو كان مخوفاً ذا صيد بين يدي الرب ، ولذلك يقال : هذا مثل نمرود الجبار القناص ، فكان مبدأ ملكه بابل والكوش والأهواز والكوفة التي بأرض شنعار ، ومن تلك الأرض خرج الموصلي فابتنى نينوى ورحبوت القرية - وفي نسخة : قرية الرحبة - والإيلة والمدائن ؛ ثم قال بعد أن عد أحفاد نوح عليه السلام وممالكهم : هؤلاء قبائل بني نوح وأولادهم وخلوفهم وشعوبهم ، ومن هؤلاء تفرقت الشعوب في الأرض بعد الطوفان ، وإن أهل الأرض كلهم كانت لغتهم واحدة ، ومنطقهم واحداً ، فلما ظعنوا في المشرق انتهوا إلى قاع في أرض شنعار - وفي نسخة : العراق - فسكنوه ، فقال كل امرىء منهم لصاحبه : هلم بنا نلبن اللبن ونحرقه بالنار ، فيصير اللبن مثل الحجارة ويصير الجص بدل الطين للملاط ، ثم قال : هلموا ! نبن لنا قرية نتخذها ، وصرحاً مشيداً لاحقاً بالسماء ، ونخلف لنا شيئاً نذكر به ، لعلنا ألا نتفرق على الأرض كلها ، فنظر الرب القرية والصرح الذي يبنيه الناس ، فقال الرب : إني أرى هذا الشعب رأيهم واحد ولغتهم واحدة وقد هموا أن يصنعوا هذا الصنيع فهم الآن غير مقصرين فيما هموا أن يفعلوه ، فلأورد أمراً أشتت به لغتهم حتى لا يفهم المرء منهم لغة صاحبه ، ثم فرقهم الرب من هنالك على وجه الأرض كلها ، ولم يبنوا القرية التي هموا ببنائها ، ولذلك سميت بابل لأن هنالك فرق الرب لغة أهل الأرض كلها - انتهى .

قال لي بعض علماء اليهود : إن بابل معرب بوبال ، ومعنى بوبال بالعبراني الشتات - هذا ما في التوراة ، وأما المفسرون فإنهم ذكروا أن الصرح بني على هيئة طويلة في الطول والإحكام ، وأن الله تعالى هدمه ، فكانت له رجة تفرقت لعظم هولها لغة أهل الأرض إلى أنحاء كثيرة لا يحصيها إلا خالقها فالله أعلم .