في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ} (83)

65

إن دين الله واحد ، جاءت به الرسل جميعا ، وتعاقدت عليه الرسل جميعا . وعهد الله واحد أخذه على كل رسول . والإيمان بالدين الجديد واتباع رسوله ، ونصرة منهجه على كل منهج ، هو الوفاء بهذا العهد . فمن تولى عن الإسلام فقد تولى عن دين الله كله ، وقد خاس بعهد الله كله .

والإسلام - الذي يتحقق في إقامة منهج الله في الأرض واتباعه والخلوص له - هو ناموس هذا الوجود . وهو دين كل حي في هذا الوجود .

إنها صورة شاملة عميقة للإسلام والاستسلام . صورة كونية تأخذ بالمشاعر ، وترتجف لها الضمائر . . صورة الناموس القاهر الحاكم ، الذي يرد الأشياء والأحياء إلى سنن واحد وشرعة واحدة ، ومصير واحد .

( وإليه يرجعون ) . .

فلا مناص لهم في نهاية المطاف من الرجوع إلى الحاكم المسيطر المدبر الجليل . .

ولا مناص للإنسان حين يبتغي سعادته وراحته وطمأنينة باله وصلاح حاله ، من الرجوع إلى منهج الله في ذات نفسه ، وفي نظام حياته ، وفي منهج مجتمعه ، ليتناسق مع النظام الكوني كله . فلا ينفرد بمنهج من صنع نفسه ، لا يتناسق مع ذلك النظام الكوني من صنع بارئه ، في حين أنه مضطر أن يعيش في إطار هذا الكون ، وأن يتعامل بجملته مع النظام الكوني . . والتناسق بين نظامه هو في تصوره وشعوره ، وفي واقعه وارتباطاته ، وفي عمله ونشاطه ، مع النظام الكوني هو وحده الذي يكفل له التعاون مع القوى الكونية الهائلة بدلا من التصادم معها . وهو حين يصطدم بها يتمزق وينسحق ؛ أو لا يؤدي - على كل حال - وظيفة الخلافة في الأرض كما وهبها الله له . وحين يتناسق ويتفاهم مع نواميس الكون التي تحكمه وتحكم سائر الأحياء فيه ، يملك معرفة أسرارها ، وتسخيرها ، والانتفاع بها على وجه يحقق له السعادة والراحة والطمأنينة ، ويعفيهمن الخوف والقلق والتناحر . . الانتفاع بها لا ليحترق بنار الكون ، ولكن ليطبخ بها ويستدفىء ويستضيء !

والفطرة البشرية في أصلها متناسقة مع ناموس الكون ، مسلمة لربها إسلام كل شيء وكل حي . فحين يخرج الإنسان بنظام حياته عن ذلك الناموس لا يصطدم مع الكون فحسب ، إنما يصطدم أولا بفطرته التي بين جنبيه ، فيشقى ويتمزق ، ويحتار ويقلق . ويحيا كما تحيا البشرية الضالة النكدة اليوم في عذاب من هذا الجانب - على الرغم من جميع الانتصارات العلمية ، وجميع التسهيلات الحضارية المادية !

إن البشرية اليوم تعاني من الخواء المرير . خواء الروح من الحقيقة التي لا تطيق فطرتها أن تصبر عليها . . حقيقة الإيمان . . وخواء حياتها من المنهج الإلهي . هذا المنهج الذي ينسق بين حركتها وحركة الكون الذي تعيش فيه .

إنها تعاني من الهجير المحرف الذي تعيش فيه بعيدا عن ذلك الظل الوارف الندي . ومن الفساد المقلق الذي تتمرغ فيه بعيدا عن ذلك الخط القويم والطريق المأنوس المطروق !

ومن ثم تجد الشقاء والقلق والحيرة والاضطراب ؛ وتحس الخواء والجوع والحرمان ؛ وتهرب من واقعها هذا بالأفيون والحشيش والمسكرات ؛ وبالسرعة المجنونة والمغامرات الحمقاء ، والشذوذ في الحركة واللبس والطعام ! وذلك على الرغم من الرخاء المادي والإنتاج الوفير والحياة الميسورة والفراغ الكثير . . . لا بل إن الخواء والقلق والحيرة لتتزايد كلما تزايد الرخاء المادي والإنتاج الحضاري واليسر في وسائل الحياة ومرافقها .

إن هذا الخواء المرير ليطارد البشرية كالشبح المخيف . يطاردها فتهرب منه . ولكنها تنتهي كذلك إلى الخواء المرير !

وما من أحد يزور البلاد الغنية الثرية في الأرض حتى يكون الانطباع الأول في حسه أن هؤلاء قوم هاربون ! هاربون من أشباح تطاردهم . هاربون من ذوات أنفسهم . . وسرعان ما يتكشف الرخاء المادي والمتاع الحسي الذي يصل إلى حد التمرغ في الوحل ، عن الأمراض العصبية والنفسية والشذوذ والقلق والمرض والجنون والمسكرات والمخدرات والجريمة . وفراغ الحياة من كل تصور كريم !

إنهم لا يجدون أنفسهم لأنهم لا يجدون غاية وجودهم الحقيقية . . إنهم لا يجدون سعادتهم لأنهم لا يجدون المنهج الإلهي الذي ينسق بين حركتهم وحركة الكون ، وبين نظامهم وناموس الوجود . . إنهم لا يجدون طمأنينتهم لأنهم لا يعرفون الله الذي إليه يرجعون . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ} (83)

ولما كان المدرك لكل نبي إنما هم أمة النبي الذي قبله ، وكانوا يكذبونه ويخالفونه قال - خاتماً لهذه القصص بعد الشهادة بنفسه المقدسة بما بدأها

به في قوله { شهد الله } الآية إلى { إن الدين عند الله الإسلام } على وجه الإنكار والتهديد عاطفاً على ما دل عليه السياق - : { أفغير } أي أتولوا{[18151]} ففسقوا ، فتسبب عن ذلك أنهم غير{[18152]} دين الله{[18153]} ، وأورد{[18154]} بأن{[18155]} تقديم " غير " يفهم أن الإنكار منحط{[18156]} على طلبهم اختصاصاً{[18157]} لغير دين الله ، وليس ذلك هو المراد كما لا يخفى ، وأجيب بأن تقديمه{[18158]} الاهتمام بشأنه في الإنكار ، والاختصاص متأخر مراعاته عن نكبة{[18159]} غيره - كما تقرر في محله { {[18160]}دين الله{[18161]} } الذي اختص بصفات الكمال { يبغون } أي يطلبون بفسقهم ، {[18162]}أو أتوليتم{[18163]} - على قراءة الخطاب

{ وله{[18164]} } أي والحال أنه له خاصة { أسلم } أي خضع بالانقياد{[18165]} لأحكامه والجري تحت {[18166]}مراده وقضائه{[18167]} ، لا يقدرون على مغالبة قدره بوجه { من في السموات والأرض } وهم من لهم{[18168]} قوة الدفاع بالبدن والعقل فكيف بغيرهم { طوعاً } بالإيمان أو بما وافق أغراضهم { وكرهاً } بالتسليم لقهره في إسلام أحدهم وإن كثرت أعوانه وعز سلطانه إلى أكره{[18169]} ما يكره وهو صاغر داخر ، لا يستطيع أمراً ولا يجد نصراً{[18170]} { وإليه يرجعون{[18171]} * } بالحشر ، لا تعالجون مقراً ولا تلقون ملجأ ولا مفراً{[18172]} ، فإذا{[18173]} كانوا كذلك لا يقدرون على التفصي{[18174]} من قبضته بنوع قوة ولا حيلة في سكون ولا حركة فكيف يخالفون ما أتاهم من أمره على ألسنة رسله وقد ثبت أنهم رسله بما أتى به كل منهم من المعجزة ! ومن المعلوم أن المعاند للرسول صلى الله عليه وسلم معاند للمرسل .


[18151]:في ظ: أتو،
[18152]:في ظ: عين.
[18153]:زيد من ظ.
[18154]:من ظ، وفي الأصل: وارد، والعبارة من هنا إلى "في محله" ساقطة من مد.
[18155]:في ظ: أن.
[18156]:في ظ: محط.
[18157]:في الأصول: اختصاص.
[18158]:من ظ، وفي الأصل: تقديم.
[18159]:كذا في الأصل، وفي ظ: ثلاثة.
[18160]:سقط من ظ.
[18161]:سقط من ظ.
[18162]:في ظ: توليتم، وفي مد: أولتتم ـ كذا.
[18163]:في ظ: توليتم، وفي مد: أولتتم ـ كذا..
[18164]:زيد من ظ ومد.
[18165]:زيد بعده في الاصل: له، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها. .
[18166]:في ظ: قضائه ومراده.
[18167]:في ظ: قضائه ومراده.
[18168]:من ظ ومد، وفي الأصل: له.
[18169]:من ظ ومد، وفي الأصل: كره.
[18170]:من ظ ومد، وفي الأصل: نصيرا.
[18171]:قرأ عاصم بياء الغيبة وقراءته شائعة في بلادنا، وقرأ الباقون بالخطاب وهي القراءة التي اختارها المفسر رحمه الله ـ راجع روح المعاني 1/622.
[18172]:من ظ، وفي الأصل ومد: مقرا.
[18173]:في ظ: فإن.
[18174]:من ظ ومد ـ بمعنى التخلص، وفي الأصل: المقتضى ـ كذا.