وقد بدأ الدرس بالأمر بعبادة الله والنهي عن إشراك شيء به . . والصلاة أمس الشعائر بمعنى العبادة . وفي الآية التالية بيان لبعض أحكامها ، وأحكام الطهارة الممهدة لها :
( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى - حتى تعلموا ما تقولون - ولا جنبا - إلا عابري سبيل - حتى تغتسلوا . وإن كنتم مرضى أو على سفر ، أو جاء أحد منكم من الغائط ، أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء ، فتيمموا صعيدا طيبا ، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم . إن الله كان عفوا غفورا )
إنها حلقة في سلسلة التربية الربانية للجماعة المسلمة - التي التقطها المنهج الإسلامي من سفح الجاهلية - وكانت الخمر إحدى تقاليد المجتمع الجاهلي الأصلية الشاملة ؛ وإحدى الظواهر المميزة لهذا المجتمع . كما أنها تكاد تكون ظاهرة مميزة لكل جاهلية في القديم والحديث أيضا . . الخمر كانت ظاهرة مميزة للمجتمع الروماني في أوج جاهليته ؛ وللمجتمع الفارسي أيضا . وكذلك هي اليوم ظاهرة مميزة للمجتمع الأوربي والمجتمع الأمريكي في أوج جاهليته ! والشأن أيضا كذلك في جاهلية المجتمع الإفريقي المتخلفة من الجاهلية الأولى !
في السويد - وهي أرقى أو من أرقى أمم الجاهلية الحديثة - كانت كل عائلة في النصف الأول من القرن الماضي تعد الخمر الخاصة بها . وكان متوسط ما يستهلكه الفرد ، حوالي عشرين لترا . وأحست الحكومة خطورة هذه الحال ، وما ينشره من إدمان ؛ فاتجهت إلى سياسة احتكار الخمور ، وتحديد الاستهلاك الفردي ، ومنع شرب الخمور في المحال العامة . . ولكنها عادت فخففت هذه القيود منذ أعوام قليلة ! فأبيح شرب الخمر في المطاعم بشرط تناول الطعام . ثم أبيحت الخمر في عدد محدود من المحال العامة ، حتى منتصف الليل فقط ! وبعد ذلك يباح شرب " النبيذ والبيرة " فحسب ! وإدمان الخمر عند المراهقين يتضاعف . . !
أما في أمريكا ، فقد حاولت الحكومة الأمريكية مرة القضاء على هذه الظاهرة فسنت قانونا في سنة 1919 سمي قانون " الجفاف " ! من باب التهكم عليه ، لأنه يمنع " الري " بالخمر ! وقد ظل هذا القانون قائما مدة أربعة عشر عاما ، حتى اضطرت الحكومة إلى إلغائه في سنة 1933 . وكانت قد استخدمت جميع وسائل النشر والإذاعة والسينما والمحاضرات للدعاية ضد الخمر . ويقدرون ما أنفقته الدولة في الدعاية ضد الخمر بما يزيد على ستين مليونا من الدولارات . وأن ما نشرته من الكتب والنشرات يشتمل على عشرة بلايين صفحة . وما تحملته في سبيل تنفيذ قانون التحريم في مدة أربعة عشر عاما لا يقل عن 250 مليون جنيه . وقد أعدم فيها 300 نفس ؛ وسجن كذلك 335ر532 نفسا . وبلغت الغرامات 16 مليون جنيه . وصادرت من الأملاك ما يبلغ 400 مليون وأربعة بلايين جنيه . . وبعد ذلك كله اضطرت إلى التراجع وإلغاء القانون .
فأما الإسلام فقضى على هذه الظاهرة العميقة في المجتمع الجاهلي . . ببضع آيات من القرآن .
وهذا هو الفرق في علاج النفس البشرية وفي علاج المجتمع الإنساني . . بين منهج الله ، ومناهج الجاهلية قديما وحديثا على السواء !
ولكي ندرك تغلغل هذه الظاهرة في المجتمع الجاهلي ، يجب أن نعود إلى الشعر الجاهلي ؛ حيث نجد " الخمر " عنصرا أساسيا من عناصر المادة الأدبية ؛ كما أنه عنصر أساسي من عناصر الحياة كلها .
لقد بلغ من شيوع تجارة الخمر ، أن أصبحت كلمة التجارة ، مرادفة لبيع الخمر . . يقول لبيد :
قد بت سامرها وغاية تاجر وافيت إذ رفعت وعز مدامها
إذا أسحب الريط والمروط إلى أدني تجاري وأنفض اللمما
ووصف مجالس الشراب ، والمفاخرة بها تزحم الشعر الجاهلي ، وتطبعه طابعا ظاهرا . يقول امرؤ القيس :
( وأصبحت ودعت الصبا غير % أنني أراقب خلات من العيش أربعا )
( فمنهن قولي للندامى : تفرفقوا % يداجون نشاجا من الخمر مترعا )
( ومنهن ركض الخيل ترجم بالقنا % يبادرن سربا آمنا أن يفزعا )
( فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى % وجدك لم أحفل متى قام عودي )
فمنهن سبقي العاذلات بشربة % كميت متى ما تعل بالماء تزبد )
( وما زال تشرابي الخمور ولذتي % وبذلي وإنفاقي طريفي وتالدي )
( إلى أن تحامتني العشيرة كلها % وأفردت إفراد البعير المعبد )
( فقد أشرب الراح قد تعلمين % يوم المقام ويوم الظعن )
( وأشرب بالريف حتى يقال % قد طال بالريف ما قد دجن )
( ولقد شربت من المدامة % بالصغير وبالكبير )
( فإذا سكرت فإنني % رب الخورنق والسدير )
( وإذا صحوت فإنني % رب الشويهة والبعير )
وغير هذا كثير في الشعر الجاهلي . .
ورواية الحوادث التي صاحبت مراحل تحريم الخمر في المجتمع المسلم ، والرجال الذين كانوا أبطال هذه الحوادث . . وفيهم عمر ، وعلي ، وحمزة ، وعبدالرحمن بن عوف . . وأمثال هذا الطراز من الرجال . . تشي بمدى تغلغل هذه الظاهرة في الجاهلية العربية . وتكفي عن الوصف المطول المفصل :
يقول عمر رضي الله عنه في قصة إسلامه . . في رواية . . " كنت صاحب خمر في الجاهلية . فقلت لو أذهب إلى فلان الخمار فأشرب . . . "
وظل عمر يشرب الخمر في الإسلام . حتى إذا نزلت آية : ( يسألونك عن الخمر والميسر . قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ، وإثمهما أكبر من نفعهما ) . . قال : " اللهم بين لنا بيانا شافيا في الخمر " . . واستمر . . حتى إذا نزلت هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) . . قال : اللهم بين لنا بيانا شافيا في الخمر ! حتى إذا نزلت آية التحريم الصريحة : ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون . إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ) . . قال : انتهينا انتهينا ! وانتهى . .
وفي سبب نزول هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) ترد روايتان يشترك في أحداثهما علي وعبد الرحمن بن عوف من المهاجرين . وسعد بن معاذ من الأنصار .
روى ابن أبى حاتم : حدثنا يونس بن حبيب ، حدثنا أبو داود - بإسناده - عن مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال : نزلت في أربع آيات . صنع رجل من الأنصار طعاما فدعا أناسا من المهاجرين وأناسا من الأنصار . فأكلنا وشربنا ، حتى سكرنا ، ثم افتخرنا ، فرفع رجل لحي بعير [ عظم الفك ] فغرز بها أنف سعد . فكان سعد مغروز الأنف . وذلك قبل تحريم الخمر . فنزلت ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) . . والحديث بطوله عند مسلم من رواية شعبة .
وروى ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار . حدثنا عبد الرحمن بن عبدالله الدشتكي أبو جعفر . عن عطاء بن السائب ، عن أبى عبد الرحمن السلمي ، عن علي بن أبي طالب قال : " صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما ، فدعانا ، وسقانا من الخمر ، فأخذت الخمر منا ، وحضرت الصلاة ، فقدموا فلانا قال : فقرأ : قل يا أيها الكافرون . ما أعبد ما تعبدون . ونحن نعبد ما تعبدون ! فأنزل الله : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون .
ولا نحتاج إلى مزيد من الأمثلة والروايات ؛ لندلل على تغلغل ظاهرة الخمر في المجتمع الجاهلي . فهي كانت والميسر ، الظاهرتين البارزتين ؛ المتداخلتين ، في تقاليد هذا المجتمع . .
فماذا صنع المنهج الرباني لمقاومة هذه الظاهرة المتغلغلة ؟ ماذا صنع لمكافحة هذه الآفة ، التي لا يقوم معها مجتمع جاد صالح مستقيم واع أبدا ؟ ماذا صنع ليقف في وجه عادة أصلية قديمة ، تتعلق بها تقاليد اجتماعية ؛ كما تتعلق بها مصالح اقتصادية ؟
لقد عالج المنهج الرباني هذا كله ببضع آيات من القرآن ؛ وعلى مراحل ، وفي رفق وتؤدة . وكسب المعركة . دون حرب . ودون تضحيات . ودون إراقة دماء . . والذي أريق فقط هو دنان الخمر وزقاقها وجرعات منها كانت في أفواه الشاربين - حين سمعوا آية التحريم - فمجوها من أفواهم . ولم يبلعوها . كما سيجيء !
في مكة - حيث لم يكن للإسلام دولة ولا سلطان . . إلا سلطان القرآن - وردت في القرآن المكي تلميحة سريعة إلى نظرة الإسلام للخمر . تدرك من ثنايا العبارة . وهي مجرد إشارة :
جاء في سورة النحل : ( ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنًا ) . . فوضع " السكر " وهو الشراب المسكر الذي كانوا يتخذونه من ثمرات النخيل والأعناب ، وفي مقابل الرزق الحسن ! ملمحا بهذا التقابل إلى أن السكر شيء . والرزق " الحسن " شيء آخر . . وكانت مجرد لمسة من بعيد ؛ للضمير المسلم الوليد !
ولكن عادة الشراب ، أو تقليد الشراب - بمعنى أدق - فقد كان أعمق من عادة فردية . كان تقليدا اجتماعيا ، له جذور اقتصادية . . كأن أعمق من أن تؤثر فيه هذه اللمسة السريعة البعيدة .
وفي المدينة حيث قامت للإسلام دولة وكان له سلطان . . لم يلجأ إلى تحريم الخمر بقوة الدولة وسيف السلطان . إنما كان أولا سلطان القرآن . .
وبدأ المنهج عمله في رفق وفي يسر ، وفي خبرة بالنفس البشرية ، والأوضاع الاجتماعية . .
بدأ بآية البقرة ردا على أسئلة تدل على فجر اليقظة في الضمير المسلم ضد الخمر والميسر : ( يسألونك عن الخمر والميسر . قل : فيهما إثم كبير ، ومنافع للناس . . وإثمهما أكبر من نفعهما . . )
وكانت هي الطرقة الأولى ، ذات الصوت المسموع . . في الحس الإسلامي ، وفي الضمير الإسلامي ، وفي المنطق الفقهي الإسلامي . . فمدار الحل والحرمة . . أو الكراهية . . على رجحان الإثم أو رجحان الخير ، في أمر من الأمور . . وإذا كان إثم الخمر والميسر أكبر من نفعهما . . فهذا مفرق الطريق . .
ولكن الأمر كان أعمق من هذا . . وقال عمر - رضي الله عنه - : " اللهم بين لنا بيانا شافيا في الخمر " . . عمر ! ! ! وهذا وحده يكفي لبيان عمق هذا التقليد في نفس العربي !
ثم حدثت أحداث - كالتي رويناها - ونزلت هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ، حتى تعلموا ما تقولون ) . .
وأخذ المنهج البصير الرفيق يعمل . .
لقد كانت هذه هي المرحلة الوسيطة ، بين التنفير من الخمر ، لأن إثمها أكبر من نفعها ، وبين التحريم البات ، لأنها رجس من عمل الشيطان . وكانت وظيفة هذه المرحلة الوسيطة : هي " قطع عادة الشراب " أو " كسر الإدمان " . . وذلك بحظر الشراب قرب أوقات الصلاة . وأوقات الصلاة موزعة على مدار النهار . وبينها فترات لا تكفي للشراب - الذي يرضي المدمنين - ثم الإفاقة من السكر الغليظ ! حتى يعملوا ما يقولون ! فضلا على أن للشراب كذلك أوقاتا ومواعيد خاصة من الصبوح والغبوق . . صباحا ومساء . . وهذه تتخللها وتعقبها أوقات الصلاة . . وهنا يقف ضمير المسلم بين أداء الصلاة وبين لذة الشراب . . وكان هذا الضمير قد بلغ أن تكون الصلاة عنده عماد الحياة . .
ومع ذلك . . فقد قال عمر رضي الله عنه - وهو عمر ! ! ! - " اللهم بين لنا بيانا شافيا في الخمر " . .
ثم مضى الزمن . ووقعت الأحداث . وجاء الوعد المناسب - وفق ترتيب المنهج - للضربة الحاسمة . فنزلت الآيتان في المائدة : ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ، فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ، فهل أنتم منتهون ؟ ) . .
وانتهى المسلمون كافة . وأريقت زقاق الخمر ، وكسرت دنانها في كل مكان . . بمجرد سماع الأمر . . ومج الذين كان في أفواهم جرعات من الخمر ما في أفواههم - حين سمعوا ولم يبلعوها وهي في أفواههم وهم شاربون . .
لقد انتصر القرآن . وأفلح المنهج . وفرض سلطانه - دون أن يستخدم السلطان ! ! !
ولكن كيف كان هذا ؟ كيف تمت هذه المعجزة ، التي لا نظير لها في تاريخ البشر ؛ ولا مثيل لها في تاريخ التشريعات والقوانين والإجراءات الحكومية في أي مكان ، ولا في أي زمان ؟
لقد تمت المعجزة ، لأن المنهج الرباني ، أخذ النفس الإنسانية ، بطريقته الخاصة . . أخذها بسلطان الله وخشيته ومراقبته ، وبحضور الله - سبحانه - فيها حضورا لا تملك الغفلة عنه لحظة من زمان . . أخذها جملة لا تفاريق . . وعالج الفطرة بطريقة خالق الفطرة . .
لقد ملأ فراغها باهتمامات كبيرة لا تدع فيها فراغا تملؤه بنشوة الخمر ، وخيالات السكر ، وما يصاحبها من مفاخرات وخيلاء . . في الهواء . .
ملأ فراغها باهتمامات . منها : نقل هذه البشرية الضالة الشاردة كلها ، من تيه الجاهلية الأجرد ، وهجيرهاالمتلظي ، وظلامها الدامس ، وعبوديتها المذلة ، وضيقها الخانق ، إلى رياض الإسلام البديعة ، وظلاله الندية ، ونوره الوضيء ، وحريته الكريمة ، وسعته التي تشمل الدنيا والآخرة !
وملأ فراغها - وهذا هو الأهم - بالإيمان . بهذا الإحساس الندي الرضي الجميل البهيج . فلم تعد في حاجة إلى نشوة الخمر ، تحلق بها في خيالات كاذبة وسمادير ! وهي ترف بالإيمان المشع إلى الملأ الأعلى الوضيء . . وتعيش بقرب الله ونوره وجلاله . . وتذوق طعم هذا القرب ، فتمج طعم الخمر ونشوتها ؛ وترفض خمارها وصداعها ؛ وتستقذر لوثتها وخمودها في النهاية !
إنه استنفذ الفطرة من ركام الجاهلية ؛ وفتحها بمفتاحها ، الذي لا تفتح بغيره ؛ وتمشى في حناياها وأوصالها ؛ وفي مسالكها ودروبها . . ينشر النور ، والحياة ، والنظافة ، والطهر ، واليقظة ، والهمة ، والاندفاع للخير الكبير والعمل الكبير ، والخلافة في الأرض ، على أصولها ، التي قررها العليم الخبير ، وعلى عهد الله وشرطه ، وعلى هدى ونور . .
إن الخمر - كالميسر . كبقية الملاهي . كالجنون بما يسمونه " الألعاب الرياضية " والإسراف في الاهتمام بمشاهدها . . كالجنون بالسرعة . . كالجنون بالسينما . . كالجنون " بالمودات " " والتقاليع " . . كالجنون بمصارعة الثيران . . كالجنون ببقية التفاهات التي تغشى حياة القطعان البشرية في الجاهلية الحديثة اليوم ، جاهلية الحضارة الصناعية !
إن هذه كلها ليست إلا تعبيرا عن الخواء الروحي . . من الإيمان أولا . . ومن الاهتمامات الكبيرة التي تستنفد الطاقة ثانيا . . وليست إلا إعلانا عن إفلاس هذه الحضارة في إشباع الطاقات الفطرية بطريقة سوية . . ذلك الخواء وهذا الإفلاس هما اللذان يقودان إلى الخمر والميسر لملء الفراغ ، كما يقودان إلى كل أنواع الجنون التي ذكرنا . . وهما بذاتهما اللذان يقودان إلى " الجنون " المعروف ، وإلى المرض النفسي والعصبي . . وإلى الشذوذ . .
إنها لم تكن كلمات . . هي التي حققت تلك المعجزة الفريدة . . إنما كان منهج . منهج هذه الكلمات متنه وأصله . منهج من صنع رب الناس . لا من صنع الناس ! وهذا هو الفارق الأصيل بينه وبين كل ما يتخذه البشر من مناهج ، لا تؤدي إلى كثير !
إنه ليست المسألة أن يقال كلام ! فالكلام كثير . وقد يكتب فلان من الفلاسفة . أو فلان من الشعراء . أو فلان من المفكرين . أو فلان من السلاطين ! قد يكتب كلاما منمقا جميلا يبدو أنه يؤلف منهجا ، أو مذهبا ، أو فلسفة . . الخ . . ولكن ضمائر الناس تتلقاه ، بلا سلطان . لأنه ( ما أنزل الله به من سلطان ) ! فمصدر الكلمة هو الذي يمنحها السلطان . . وذلك فوق ما في طبيعة المنهج البشري ذاته من ضعف ومن هوى ومن جهل ومن قصور !
فمتى يدرك هذه الحقيقة البسيطة من يحاولون أن يضعوا لحياة الناس مناهج ، غير منهج العليم الخبير ؟ وأن يشرعوا للناس قواعد غير التي شرعها الحكيم البصير ؟ وأن يقيموا للناس معالم لم يقمها الخلاق القدير ؟
متى ؟ متى ينتهون عن هذا الغرور ؟ ؟ ؟
ونعود من هذا الاستطراد إلى الآية الكريمة :
( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى - حتى تعلموا ما تقولون - ولا جنبا - إلا عابري سبيل - حتى تغتسلوا . . . )
كما منعت الآية - الذين آمنوا - أن يقربوا الصلاة وهم سكارى - حتى يعلموا ما يقولون - كذلك منعتهم من الصلاة وهم جنب - إلا عابري سبيل - حتى يغتسلوا . .
وتختلف الأقوال في المقصود من ( عابري سبيل ) كما تختلف في معنى قرب الصلاة المنهي عنه . .
فقول : إن المقصود هو عدم قرب المساجد ، أو المكث فيها ، لمن كان جنبا ، حتى يغتسل . إلا أن يكون عابرا بالمسجد مجرد عبور . وقد كان جماعة من الصحابة أبواب بيوتهم تفتح في مسجد الرسول [ ص ] وهو طريقهم من وإلى هذه البيوت . فرخص لهم في المرور - وهم جنب - لا بالمكث في المسجد - ولا الصلاة بطبيعة الحال - إلا بعد الاغتسال .
وقول : إن المقصود هو الصلاة ذاتها . والنهي عن أدائها للجنب - إلا بعد الاغتسال - مالم يكن مسافرا . فيحل له عندئذ أن يقصد المسجد وأن يصلي - بلا اغتسال - ولكن بالتيمم . الذي يسد مسد الغسل - عندئذ - كما يسد مسد الوضوء . .
والقول الأول يبدو أظهر وأوجه . لأن الحالة الثانية - حالة السفر - ذكرت في الآية نفسها بعد ذلك . فتفسير عابري سبيل - بالمسافرين ، ينشيء تكرارا للحكم في الآية الواحدة ، لا ضرورة له : ( وإن كنتم مرضى ، أو على سفر ، أو جاء أحد منكم من الغائط ، أو لامستم النساء - فلم تجدوا ماء - فتيمموا صعيدا طيبا . فامسحوا بوجوهكم وأيديكم . إن الله كان عفوا غفورًا ) . .
فهذا النص يشمل حالة المسافر - عندما يصيبه حدث أكبر فيكون جنبا في حاجة إلى الغسل أو حدث أصغر ، فيكون في حاجة إلى الوضوء ، لأداء الصلاة .
والنص يسويه في هذه الحالة بمن كان مريضا ، فألم به حدث أكبر أو أصغر . أو بمن جاء من الغائط [ والغائط مكان منخفض كانوا يقضون حاجتهم فيه ، فكنى عن الفعل بالمجيء من مكان الفعل ] فأصابه حدث أصغر يقتضي الوضوء . أو بمن لامس النساء . .
وفي( لامستم النساء ) . . أقوال كذلك :
قول : إنه كناية عن الجماع . . فهو يستوجب الغسل .
وقول : إنه يعني حقيقة اللمس . . لمس أي جزء من جسم الرجل لجسم المرأة . . وهو يستوجب الوضوء في بعض المذاهب ، ولا يستوجبه في بعضها . بتفصيلات تطلب في كتب الفروع نذكر منها إجمالا :
" أ " اللمس يوجب الوضوء إطلاقا .
" ب " اللمس يوجب الوضوء إذا كان اللامس ممن تثور الشهوة في نفسه باللمس . وإذا كانت الملموسة ممن تثير الشهوة باللمس .
" ج " اللمس يوجب الوضوء إذا أحس اللامس نفسه - حسب تقديره في كل حالة - أن اللمسة أثارت في نفسه حركة .
" د " اللمس لا يوجب الوضوء إطلاقا ، ولا العناق ولا التقبيل للزوجة . .
ولكل قول سنده من أفعال أو من أقوال الرسول [ ص ] . . على طريقة الاختلافات الفقهية في الفروع .
والذي نرجحه في معنى ( او لامستم النساء )أنه كناية عن الفعل الذي يستوجب الغسل . وبذلك نستغني هنا عن كل الخلافات في مسألة الوضوء . .
وفي جميع هذه الحالات المذكورة ، سواء كانت الحالة تستوجب الغسل أو تستوجب الوضوء للصلاة . . حين لا يوجد الماء - وكذلك حين يوجد ولكن استعماله يكون ضارا أو غير مقدور عليه - يغني عن الغسل والوضوء : التيمم . وقد جاء اسمه من نص الآية .
أي فاقصدوا صعيدا طيبا . . طاهرا . . والصعيد كل ما كان من جنس الأرض من تراب . أو حجر . أو حائط . ولو كان التراب مما على ظهر الدابة . أو في الفراش من ذرات التراب المتطاير . متى كان هناك تراب يتطاير عند ضرب اليدين به .
وطريقة التيمم : إما خبطة واحدة بالكفين على الصعيد الطاهر . ثم نفضهما . ثم مسح الوجه . ثم مسح اليدين إلى المرفقين بهما . . وإما خبطتان : خبطة يمسح بها الوجه ، وخبطة يمسح بها الذراعان . . ولا داعي هنا لذكر الخلافات الفقهية الدقيقة فيما وراء هذا . . فهذا الدين يسر ، وفي شرعية التيمم يتجلى معنى التيسير واضحا :
وهو التعقيب الموحي بالتيسير . وبالعطف على الضعف ، وبالمسامحة في القصور . والمغفرة في التقصير . .
وقبل أن ننهي الحديث عن هذه الآية وعن هذا الدرس . . نقف أمام بضع لمسات في هذه الآية القصيرة : نقف أمام " حكمة التيمم " نحاول استيضاح ما ييسره لنا الله من حكمتها . .
إن بعض الباحثين في حكمة التشريعات والعبادات الإسلامية ، يندفعون أحيانا في تعليل هذه الأحكام ؛ بصورة توحي بأنهم استقصوا هذه الحكمة ؛ فلم يعد وراء ما استقصوه شيء ! وهذا منهج غير سليم في مواجهة النصوص القرآنية والأحكام التشريعية . . ما لم يكن قد نص على حكمتها نصا . . وأولى : أن نقول دائما : إن هذا ما استطعنا أن نستشرفه من حكمة النص أو الحكم . وأنه قد تكون دائما هنالك أسرار من الحكمة لم يؤذن لنا في استجلائها ! وبذلك نضع عقلنا البشري - في مكانه - أمام النصوص والأحكام الإلهية . بدون إفراط ولا تفريط . .
أقول هذا ، لأن بعضنا - ومنهم المخصلون - يحبون أن يقدموا النصوص والأحكام الإسلامية للناس ، ومعها حكمة محددة ، مستقاة مما عرفه البشر من واقعهم أو مما كشف عنه " العلم الحديث " ! وهذا حسن - ولكن في حدود - هي الحدود التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة .
وكثيرا ما ذكر عن حكمة الوضوء - قبل الصلاة - أنها النظافة . .
وقد يكون هذا المعنى مقصودا في الوضوء . ولكن الجزم بأنه هو . . وهو دون غيره . . هو المنهج غير السليم . وغير المأمون أيضا :
فقد جاء وقت قال بعض المماحكين : لا حاجة بنا إلى هذه الطريقة البدائية : فالنظافة الآن موفورة . والناسيجعلونها في برنامج حياتهم اليومي . فإذا كانت هذه هي " حكمة الوضوء " فلا داعي للوضوء إذن للصلاة ! بل . . لا داعي للصلاة أيضا ! !
وكثيرا ما ذكر عن " حكمة الصلاة " . . تارة أنها حركات رياضية تشغل الجسم كله وتارة بأنها تعويد على النظام : أولا في مواقيتها . وثانيا في حركاتها . وثالثا في نظام الصفوف والإمامة . . الخ . وتارة أنها الاتصال بالله في الدعاء والقراءة . . وهذا وذاك وذلك قد يكون مقصودا . . ولكن الجزم بأن هذا أو ذاك او ذلك هو " حكمة الصلاة " يتجاوز المنهج السليم والحد المأمون .
وقد جاء حين من الدهر قال بعضهم فيه : إنه لا حاجة بنا إلى حركات الصلاة الرياضية . فالتدريبات الرياضية المنوعة كفيلة بهذا بعد أن أصبحت الرياضة فنا من الفنون !
وقال بعضهم : ولا حاجة بنا إلى الصلاة لتعود النظام . فعندنا الجندية - مجال النظام الأكبر . وفيها غناء ! وقال بعضهم : لا حاجة لتحتيم شكل هذه الصلاة . فالاتصال بالله يمكن أن يتم في خلوة ونجوة بعيدا عن حركات الجوارح ، التي قد تعطل الاستشراف الروحي !
وهكذا . . إذا رحنا " نحدد " حكمة كل عبادة . وحكمة كل حكم . ونعلله تعليلًا وفق( العقل البشري )أو وفق " العلم الحديث " ثم نجزم بأن هذا هو المقصود . . فإننا نبعد كثيرا عن المنهج السليم في مواجهة نصوص الله وأحكامه . كما نبعد كذلك عن الحد المأمون . ونفتح الباب دائما للمماحكات . فوق ما تحتملة تعليلاتنا من خطأ جسيم . وبخاصة حين نربطها بالعلم . والعلم قلب لا يثبت على حال . وهو كل يوم في تصحيح وتعديل !
وهنا في موضوعنا الحاضر ! موضوع التيمم - يبدو أن حكمة الوضوء أو الغسل ، ليست هي " مجرد " النظافة . وإلا فإن البديل من أحدهما أو من كليهما ، لا يحقق هذه " الحكمة " ! فلا بد إذن من حكمة " أخرى " للوضوء أو الغسل . تكون متحققة كذلك في " التيمم " .
ولا نريد نحن أن نقع في الغلطة نفسها فنجزم ! ولكننا نقول فقط : إنها - ربما - كانت هي الاستعداد النفسي للقاء الله ، بعمل ما ، يفصل بين شواغل الحياة اليومية العادية ، وبين اللقاء العظيم الكريم . . ومن ثم يقوم التيمم - في هذا الجانب - مكان الغسل او مكان الوضوء . .
ويبقى وراء هذا علم الله الكامل الشامل اللطيف ؛ بدخائل النفوس ، ومنحنياتها ودروبها ، التي لا يعلمها إلا اللطيف الخبير . . ويبقى أن نتعلم نحن شيئا من الأدب مع الجليل العظيم العلي الكبير . .
ونقف مرة أخرى أمام حرص المنهج الرباني على الصلاة ؛ وعلى إقامتها في وجه جميع الأعذار والمعوقات . وتذليل هذه المعوقات . والتيسير البادي في إحلال التيمم محل الوضوء ، ومحل الغسل ، أو محلهما معا ، عند تعذر وجود الماء ؛ أو عند التضرر بالماء [ أو عند الحاجة إلى الماء القليل للشرب وضروريات الحياة ] وكذلك عند السفر [ حتى مع وجود الماء في أقوال ] . .
إن هذا كله يدل - بالاضافة إلى ما سيأتي في السورة من بيان كيفية الصلاة عند الخوف - في ميدان القتال - على حرص شديد من المنهج الرباني ، على الصلاة . . بحيث لا ينقطع المسلم عنها لسبب من الأسباب [ ويبدو ذلك كذلك في المرض حيث تؤدي الصلاة من قعود ، أو من اضطجاع ، أو من نوم . وتؤدى بحركات من جفني العين عندما يشق تحريك الجسم والأطراف ! ]
إنها هذه الصلة بين العبد والرب . الصلة التي لا يحب الله للعبد أن ينقطع عنها . لأنه - سبحانه - يعلم ضرورتها لهذا العبد . فالله سبحانه غني عن العالمين . ولا يناله من عبادة العباد شيء . إلا صلاحهم هم . وإلا ما يجدون في الصلاة والاتصال بالله ، من العون على تكاليفهم ، والاسترواح لقلوبهم ، والاطمئنان لأرواحهم . والإشراق في كيانهم ؛ والشعور بأنهم في كنف الله ، وقربه ، ورعايته ، بالطريقة التي تصلح لفطرتهم . . والله أعلم بفطرتهم هذه ، وبما يصلح لها وما يصلحها . . وهو أعلم بمن خلق . وهو اللطيف الخبير .
ونقف كذلك أمام بعض التعبيرات الرائقة في هذا النص القصير :
ذلك حين يعبر عن قضاء الحاجة في الغائط بقوله : ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) . . فلا يقول : إذا عملتم كذا وكذا . . بل يكتفي بالعودة من هذا المكان ، كناية عما تم فيه ! ومع هذا لا يسند الفعل إلى المخاطبين . فلا يقول : أو جئتم من الغائط . بل يقول : ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) زيادة في أدب الخطاب ، ولطف الكناية . ليكون هذا الأدب نموذجا للبشر حين يتخاطبون !
وحين يعبر عما يكون بين الرجل والمرأة بقوله : ( أو لامستم النساء ) والتعبير بالملامسة أرق وأحشم وأرقى - والملامسة قد تكون مقدمة للفعل أو تعبيرا عنه - وعلى أية حال فهو أدب يضربه الله للناس ، في الحديث عن مثل هذه الشؤون . عندما لا يكون هناك مقتض للتعبير المكشوف .
وحين يعبر عن الصعيد الطاهر ، بأنه الصعيد الطيب . ليشير إلى أن الطاهر طيب . وأن النجس خبيث . . وهو إيحاء لطيف المدخل إلى النفوس . .
ولما وصف الوقوف بين يديه في يوم العرض والأهوال الذي أدت فيه سطوة الكبرياء والجلال إلى تمني{[21495]} العدم ، ومنعت قوة يد القهر والجبر{[21496]} أن يكتم حديثاً ، وتضمن وصفه أنه لا ينجو فيه إلا من كان طاهر القلب والجوارح بالإيمان به والطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم ؛ وصف الوقوف بين يديه في الدنيا في مقام الأنس وحضرة القدس المنجي من هول الوقوف في ذلك اليوم ، والذي خطرت معاني اللطف والجمال فهي الالتفات إلى غيره ، وأمر بالطهارة في حال التزين به عن الخبائث فقال : { يا أيها الذين أمنوا } أي أقروا بالتصديق بالرسل وما أتوا به عن الله ، وأوله {[21497]}وأولاه{[21498]} أن لا تشركوا به شيئاً من الإشراك { لا تقربوا الصلاة } أي بأن لا تكونوا في موضعها فضلاً عن أن تفعلوها { وأنتم } أي والحال أنكم { سكارى } أي غائبو العقل {[21499]}من الخمر أو نحوها ، فإنه يوشك أن يسبق اللسان - بتمكن الشيطان بزوال العقل{[21500]} - إلى شيء من الإشراك ، فيكون شركاً لسانياً وإن كان القلب مطمئناً بالإيمان ، فيوشك أن يعرض ذلك{[21501]} عليه يوم الوقوف الأكبر ، فإن من أنتم{[21502]} بين يديه لا يكتم حديثاً ، فيود{[21503]} من نطق سانه بذلك - لما يحصل له من الألم - لو كان من أهل العدم ! وأصل السكر في اللغة : سد الطريق ؛ وسبب نزولها ما رواه مسدد بإسناد - قال شيخنا البوصيري : رجاله ثقات - عن علي رضي الله تعالى عنه " أن رجلاً من الأنصار دعاه وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه فسقاهما قبل أن تحرم{[21504]} الخمر ، فأمهم علي رضي الله تعالى عنه في المغرب وقرأ
{ قل يا أيها الكافرون }{[21505]}[ الكافرون : 1 ] فنزلت " هكذا رواه ، وقد رواه أصحاب السنن الثلاثة وأحمد وعبد بن حميد والبزار والحاكم والطبري ، فبينوا المراد ، وهو أن الذي صلى بهم قرأ : أعبد ما تعبدون ، وفي رواية الترمذي : ونحن نعبد ما تعبدون{[21506]} .
ولما أفهم النهي عن قربانها ي هذا الحال زواله بانقضائه ، صرح به في قوله : { حتى } أي ولا يزال هذا النهي قائماً حتى { تعلموا } بزوال السكر { ما تقولون } فلا يقع منكم حينئذ تبديل ؛ وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه أن المراد بالصلاة نفسها وموضعها وهو المسجد ، وذلك من أدلته على استعمال الشيء في حقيقته ومجازه ؛ نهى السكران أن يصلي إلى أن {[21507]}يفهم ، أي{[21508]} يصحو ، ونهى{[21509]} كل واحد{[21510]} أن يكون في المسجد وهو جنب بقوله عطفاً على محل { وأنتم سكارى } : { ولا } أي ولا تقربوا الصلاة بالكون في محالها{[21511]} فضلاً عنها { جنباً } أي ممنين بالفعل أو القوة القريبة منه بالتقاء الختانين ، لأن الجنابة المني{[21512]} سواء كان عن جماع أو لا في حال من أحوال الجنابة { إلا عابري سبيل } أي مارين مروراً من غير مكث ولا صلاة ؛ ولما غيَّى منع الجنابة بقوله : { حتى تغتسلوا } أي تغسلوا البدن عمداً ، ولما{[21513]} كان للإنسان حالات يتعسر أو يتعذر فيها{[21514]} عليه{[21515]} استعمال الماء ؛ ذكرها فقال مرتباً لها على الأحوج إلى الرخصة فالأحوج : { وإن كنتم مرضى } أي بجراحة أو غيرها مرضاً يمنع من طلب الماء أو استعماله { أو على سفر } كذلك{[21516]} سواء كان السفر طويلاً أو قصيراً { أو جاء أحد منكم } أي أيها المؤمنون ! ولو كان حاضراً صحيحاً { من الغائط } أي المكان المطمئن من الأرض الواسع الذي يقصد للتخلي{[21517]} ، أي : أو جاء من التخلي{[21518]} فقضى حاجته التي لا بد له منها ، فهو بها أحوج إلى التخفيف مما بعده .
ولما تقدم أمر الجنابة التي هي المني أعم من أن تكون{[21519]} بجماع أو غيره ، ذكر هنا ما يعمها وغيرها من وجه فقال : { أو لامستم النساء } أي{[21520]} بمجرد التقاء البشرتين أو بالجماع سواء حصل إنزال أو لا ، وأخر هذا لأنه{[21521]} مما منه بد ، و{[21522]}لا يتكرر تكرر{[21523]} قضاء{[21524]} الحاجة { فلم تجدوا ماء } أي إما بفقده أو بالعجز عن استعماله { فتيمموا } أي اقصدوا قصداً صادقاً بأن تلابسوا ناوين{[21525]} { صعيداً } أي تراباً { طيباً } أي طهوراً خالصاً فهو بحيث ينبت{ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه{[21526]} }[ الأعراف : 58 ] { فامسحوا } وهذه عبادة خاصة بنا .
ولما كان التراب لا يتمكن من جميع العضو وإن اجتهد الإنسان في ذلك أدخل الباء قاصراً للفعل في قوله : { بوجوهكم } أي أوقعوا المسح بها سواء عم{[21527]} التراب منبت الشعر أم لا { وأيديكم } أي منه كما صرح به في المائدة ، لا فيه ولا عليه مثلاً ، ليفهم التمعك ، أو أن الحجر{[21528]} مثلاً يكفي ، والملامسة جوز الشافعي رضي الله تعالى عنه أيضاً أن يراد بها المس - أي ملاقاة البشرتين - الذي هو حقيقة اللمس والجماع الذي هو مسبب{[21529]} عن المس ، أو{[21530]} هو مماسة خاصة ، فهو من تسمية الكل باسم البعض حينئذ .
ولما نهى عما يدني من{[21531]} وقوع صورة الذنب الذي هو جري اللسان بما لا يليق به سبحانه وتعالى ، وخفف ما كان شديداً بالتيمم ؛ ختم الآية بقوله : { إن الله } أي{[21532]} الذي اختص بالكمال { كان عفوّاً } أي بترك العقاب {[21533]}على الذنب ، وكأن هذا راجع إلى ما وقع حالة السكر { غفوراً * } أي بترك العقاب{[21534]} وبمحو الذنب حتى لا يذكر بعد ذلك أصلاً ، وكأن هذا راجع إلى التيمم ، فإن الصلاة معه حسنة ، ولولاه كانت سيئة مذكورة ومعاقباً عليها ، إما على تركها لمشقة{[21535]} استعمال الماء عند التساهل ، أو على فعلها بغير طهارة في بعض وجوه{[21536]} التنطع ، وذلك معنى قوله سبحانه وتعالى في المائدة
{ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج }[ المائدة : 6 ] ومن كانت عادته العفو والمغفرة كان ميسراً غير معسر .