في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَأَنذِرۡ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحۡشَرُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ} (51)

50

( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون . ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، ما عليك من حسابهم من شيء ، وما من حسابك عليهم من شيء . فتطردهم فتكون من الظالمين . وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا : أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ؟ أليس الله بأعلم بالشاكرين ؟ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل : سلام عليكم ، كتب ربكم على نفسه الرحمة : أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ، ثم تاب من بعده وأصلح ، فأنه غفور رحيم ) . .

إنها عزة هذه العقيدة ، واستعلاؤها على قيم الأرض الزائفة ، وتخلصها من الاعتبارات البشرية الصغيرة . .

لقد أمر رسول الله [ ص ] أن يقدمها للناس دون زخرف ولا طلاء ؛ ودون إطماع في شيء من قيم الأرض ولا إغراء . . كذلك أمر أن يوجه عنايته إلى من يرجى منهم الانتفاع بالدعوة ، وأن يؤوي إليه الذين يتلقونها مخلصين ؛ ويتجهون بقلوبهم إلى الله وحده يريدون وجهه ؛ وألا يقيم وزنا بعد ذلك لشيء من قيم المجتمع الجاهلي الزائفة ؛ ولا لشيء من اعتبارات البشر الصغيرة :

( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ، لعلهم يتقون ) . .

أنذر به هؤلاء الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ، حالة أن ليس من دونه ولي ينصرهم ولا شفيع يخلصهم . ذلك أنه ما من شفيع يشفع عند الله إلا بإذنه ، وهو لا يشفع يومئذ - بعد الإذن - إلا لمن ارتضى الله أن يتشفع عند الله فيهم . . فهؤلاء الذين تستشعر قلوبهم خوف ذلك اليوم الذي ليس فيه - من دون الله - ولي ولا شفيع ، أحق بالإنذار ، وأسمع له ، وأكثر انتفاعا به . . لعلهم أن يتوقوا في حياتهم الدنيا وما يعرضهم لعذاب الله في الآخرة . فالإنذار بيان كاشف كما أنه مؤثر موح . بيان يكشف لهم ما يتقونه ويحذرونه ، ومؤثر يدفع قلوبهم للتوقي والحذر ؛ فلا يقعون فيما نهوا عنه بعدما تبين لهم :

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَأَنذِرۡ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحۡشَرُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ} (51)

ولما أمره{[29737]} بتوبيخهم ، أمره - عاطفاً على قوله " قل " - بالإنذار{[29738]} على وجه مخز لهم أيضاً فقال : { وأنذر به } أي بما يوحى إليك ، وليس المراد تخصيص الإنذار بالخائف ، بل الإشارة إلى جلافتهم وعظيم بلادتهم وكثافتهم في عدم تجويز الجائز الذي هو أهل لأن يخافه كل واحد{[29739]} بقوله : { الذين يخافون } أي تجويزاً للجائز عقلاً وعادة .

ولما كان المرهوب الحشر نفسه ، لا بقيد كونه من{[29740]} معين ؛ بني للمفعول قوله { أن يحشروا } أي يجمعوا وهم كارهون { إلى ربهم } أي المحسن إليهم بالإيجاد والتربية مع التقصير في الشكر ، حال كونهم { ليس لهم } وأشار إلى تحقير ما سواه وسفوله بالجار فقال : { من دونه } أي من المنزلة التي هي تحت منزلته ، ومن المعلوم أن كل شيء تحت{[29741]} قهر عظمته ومتضائل{[29742]} عن رتبته ، ليس لهم{[29743]} ذلك ، أي{[29744]} على وجه الانفراد أو{[29745]} التوسل { ولي } يتولى أمورهم فينقذهم قهراً مما يخافون { ولا شفيع } ينقذهم بحسن سفارته{[29746]} وعظيم رتبته وترتيبه { لعلهم يتقون * } أي ليكون حالهم حال من يرجى أن يجعل بينه وبين عذاب الله وقاية .


[29737]:في ظ: أمرهم.
[29738]:في ظ: بالإنكار.
[29739]:في ظ: أحد.
[29740]:سقط من ظ.
[29741]:سقط من ظ.
[29742]:أي متقاصر، وفي الأصل: متصايل، وفي ظ: متصال- كذا.
[29743]:من ظ، وفي الأصل: بهم.
[29744]:سقط من ظ.
[29745]:في ظ: "و".
[29746]:في الأصل: سفار به، وفي ظ: شعاوته- كذا.