في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} (50)

50

( قل : لا أقول لكم : عندي خزائن الله ، ولا أعلم الغيب ، ولا أقول لكم : إني ملك . إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل : هل يستوي الأعمى والبصير ؟ أفلا تتفكرون ) . .

لقد كان المعاندون من قريش يطلبون أن يأتيهم رسول الله [ ص ] بآية من الخوارق يصدقونه بها - وهم كانوا كما أسلفنا يعلمون صدقه ولا يشكون فيه - وتارة كانوا يطلبون أن تكون هذه الآية تحويل الصفا والمروة ذهبا ! وتارة تكون إبعادهما عن مكة ليصبح مكانهما خصبا مخضرا بالزروع والثمار ! وتارة تكون إنباءهم بما سيقع لهم من أحداث مغيبة ! وتارة تكون طلب إنزال ملك عليه ! وتارة تكون طلب كتاب مكتوب في قرطاس يرونه يتنزل عليه من السماء . . إلى آخر هذه المطالب التي يوارون وراءها تعنتهم وعنادهم !

ولكن هذه المطالب كلها إنما كانوا يصوغون فكرتها من تلك الأوهام والأساطير التي أحاطت بصورة النبوة وصورة النبي في الجاهليات من حولهم ، وأقربها إليهم أوهام أهل الكتاب وأساطيرهم حول النبوة ، بعدما انحرفوا عما جاءتهم به رسلهم من الحق الواضح في هذه الأمور

ولقد شاعت في الجاهليات المتنوعة صور من " النبوءات " الزائفة ، يدعيها " متنبئون " ويصدقها مخدوعون . . ومن بينها نبوءات السحر والكهانة والتنجيم والجنون ! حيث يدعي المتنبئون قدرتهم على العلم بالغيب ، والاتصال بالجن والأرواح ، وتسخير نواميس الطبيعة بالرقى والتعاويذ ، أو بالدعوات والصلوات ، أو بغيرها من الوسائل والأساليب . وتتفق كلها في الوهم والضلالة ، وتختلف بعد ذلك في النوع والشكل والمراسم والأساليب .

" فنبوءة السحر يغلب عليها أنها موكلة بالأرواح الخبيثة تسخرها للاطلاع على المجهول أو السيطرة على الحوادث والأشياء . ونبوءة الكهانة يغلب عليها أنها موكلة " بالأرباب ! " لا تطيع الكاهن ، ولكنها تلبي دعواته وصلواته وتفتح لها مغالق المجهول في يقظته أو منامه ، وترشده بالعلامات والأحلام ، ولا تلبي سائرالدعوات والصلوات ! ولكنهما - نبوءة السحر ونبوءة الكهانة - تخالفان نبوة الجذب والجنون المقدس . لأن الساحر والكاهن يدريان بما يطلبان ، ويريدان قصدا ما يطلبانه بالعزائم والصلوات ، ولكن المصاب بالجذب أو الجنون المقدس مغلوب على أمره ، ينطلق لسانه بالعبارات المبهمة وهو لا يعنيها ، ولعله لايعيها . ويكثر بين الأمم التي تشيع فيها نبوة الجذب أن يكون مع المجذوب مفسر يدعي العلم بمغزى كلامه ، ولحن رموزه وإشاراته . وقد كانوا في اليونان يسمون المجذوب " مانتي " " " ويسمون المفسر : " بروفيت " " " أى المتكلم بالنيابة عن غيره . ومن هذه الكلمة نقل الأوربيون كلمة النبوة بجميع معانيها . وقلما يتفق الكهنة والمجذوبون ، إلا أن يكون الكاهن متوليا للتفسير والتعبير عن مقاصد المجذوب ، ومضامين رموزه وإشاراته . ويحدث في أكثر الأحيان أن يختلفا ويتنازعا لأنهما مختلفان بوظيفتهما الاجتماعية مختلفان بطبيعة النشأة والبيئة . فالمجذوب ثائر لا يتقيد بالمراسم والأوضاع المصطلح عليها ، والكاهن محافظ يتلقى علمه الموروث في أكثر الأحيان من آبائه وأجداده . وتتوقف الكهانة على البيئة التي تنشأ فيها الهياكل والصوامع المقصودة في الأرجاء القريبة والبعيدة ؛ ولا يتوقف الجذب على هذه البيئة ، لأنه قد يعتري صاحبه في البرية ، كما يعتريه في الحاضر المقصود من أطراف البلاد " .

" وقد كثر عدد الأنبياء في قبائل بني إسرائيل كثرة يفهم منها أنهم كانوا في أزمنتهم المتعاقبة يشبهون في العصور الحديثة أصحاب الأذكار ، ودراويش الطرق الصوفية ، لأنهم جاوزوا المئات في بعض العهود ، واصطنعوا من الرياضة في جماعاتهم ما يصطنعه هؤلاء الدراويش من التوسل إلى حالة الجذب تارة بتعذيب الجسد ، وتارة بالاستماع إلى آلات الطرب .

" جاء في كتاب صموئيل الأول :

أن شاول أرسل لأخذ داود رسلا . . " فرأوا جماعة الأنبياء يتنبأون ، وشاول واقف بينهم رئيسا عليهم . فهبط روح الله على رسل شاول ، فتنبأوا هم أيضا . وأرسل غيرهم فتنبأ هؤلاء . . . فخلع هو أيضا ثيابه ، وتنبأ هو أيضا أمام صموئيل ، وانتزع عاريا ذلك النهار كله وكل الليل " . .

" وجاء في كتاب صموئيل كذلك :

" . . أنك تصادف زمرة من الأنبياء نازلين من الأكمة ، وأمامهم رباب ودف وناي وعود ، وهم يتنبأون ، فيحل عليهم روح الرب ، فتتنبأ معهم ، وتتحول إلى رجل آخر .

" وكانت النبوة صناعة وراثية يتلقاها الأبناء من الآباء كما جاء في سفر الملوك الثاني : " إذ قال بنو الأنبياء يا ليشع : هو ذا الموضع الذي نحن مقيمون فيه أمامك قد ضاق علينا ، فلنذهب إلى الأردن " .

" وكانت لهم خدمة تلحق بالجيش في بعض المواضع ، كما جاء في سفر الأيام الأول . حيث قيل : إن داود ورؤساء الجيش أفرزوا للخدمة بني أساف وغيرهم من المتنبئين بالعيدان والرباب والصنوج " . . .

وهكذا حفلت الجاهليات - ومنها الجاهليات التي انحرفت عن التصور الصحيح الذي جاءت به الرسالات السماوية - بمثل هذه التصورات الباطلة عن طبيعة النبوة وطبيعة النبي . وكان الناس ينتظرون ممن يدعي النبوة مثل هذه الأمور ؛ ويطالبونه بالتنبؤ بالغيب تارة ؛ وبالتأثير في النواميس الكونية عن طريق الكهانة أو طريق السحر تارة . . ومن هذا المعين كانت اقتراحات المشركين على رسول الله [ ص ] ولتصحيح هذه الأوهام كلها جاءت التقريرات المكررة في القرآن الكريم عن طبيعة الرسالة وطبيعة الرسول . . ومنها هذا التقرير :

( قل : لا أقول لكم عندي خزائن الله ، ولا أعلم الغيب ، ولا أقول لكم : إني ملك . إن أتبع إلا ما يوحى إلي . قل : هل يستوي الأعمى والبصير ؟ أفلا تتفكرون ؟ ) . .

إنه [ ص ] يؤمر من ربه أن يقدم لهم نفسه بشرا مجردا من كل الأوهام التي سادت الجاهليات عن طبيعة النبي والنبوة . وأن يقدم لهم كذلك هذه العقيدة بذاتها مجردة من كل إغراء . . لا ثراء . ولا ادعاء . . إنها عقيدة يحملها رسول ، لا يملك إلا هداية الله ، تنير له الطريق !

ولا يتبع إلا وحي الله يعلمه ما لم يكن يعلم . . إنه لا يقعد على خزائن الله ، ليغدق منها على من يتبعه ، ولا يملك مفاتح الغيب ليدل أتباعه على ما هو كائن ؛ ولا هو ملك كما يطلبون أن ينزل الله ملكا . . إنما هو بشر رسول ؛ وإنما هي هذه العقيدة وحدها ، في صورتها الناصعة الواضحة البسيطة . .

إنها العقيدة هتاف هذه الفطرة ، وقوام هذه الحياة ودليل الطريق إلى الآخرة ، وإلى الله . فهي مستغنية بذاتها عن كل زخرف . . من أرادها لذاتها فهو بها حقيق ، وهي عنده قيمة أكبر من كل قيمة . ومن أرادها سلعة في سوق المنافع ، فهو لا يدرك طبيعتها ، ولا يعرف قيمتها ، وهي لا تمنحه زادا ، ولا غناء . .

لذلك كله يؤمر رسول الله [ ص ] أن يقدمها للناس هكذا ، عاطلة من كل زخرف ، لأنها غنية عن كل زخرف ؛ وليعرف من يفيئون إلى ظلها أنهم لا يفيئون إلى خزائن مال ، ولا إلى وجاهة دنيا ، ولا إلى تميز على الناس بغير التقوى . إنما يفيئون إلى هداية الله وهي أكرم وأغنى .

قل : لا أقول لكم عندي خزائن الله ، ولا أعلم الغيب ، ولا أقول لكم : إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي . .

ثم ليعلموا أنهم حينئذ إنما يفيئون إلى النور والبصيرة ، ويخرجون من الظلام والعماء :

( قل : هل يستوي الأعمى والبصير ؟ أفلا تتفكرون ؟ ) . .

ثم . . إن اتباع الوحي وحده هداية وبصر ، والمتروك بغير هذا الهادي متروك أعمى . . هذا ما تقرره هذه الآية في وضوح وصرامة . . فما شأن العقل البشري في هذا المجال ؟

سؤال جوابه في التصور الإسلامي واضح بسيط . . إن هذا العقل الذي وهبه الله للإنسان قادر على تلقي ذلك الوحي ، وإدراك مدلولاته . . وهذه وظيفته . . ثم هذه هي فرصته في النور والهداية ؛ وفي الانضباط بهذا الضابط الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .

فأما حين يستقل هذا العقل البشري بنفسه بعيدا عن الوحي ، فإنه يتعرض حينئذ للضلال والانحراف ، وسوء الرؤية ، ونقص الرؤية ، وسوء التقدير ، وسوء التدبير .

يتعرض لهذا كله بسبب طبيعة تركيبه ذاتها في رؤية الوجود أجزاء لا كلا واحدا . تجربة بعد تجربة ، وحادثةبعد حادثة ، وصورة بعد صورة . . حيث يتعذر عليه أن يرى الوجود جملة ، ليقيم على أساس هذه الرؤية الكاملة أحكاما ، ويضع على أساسها نظاما ، ملحوظا فيه الشمول والتوازن . . ومن ثم يظل - حين ينعزل عن منهج الله وهداه - يرتاد التجارب ، ويغير الأحكام ، ويبدل النظام ، ويضطرب بين الفعل وردود الفعل ، ويتخبط من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال . . وهو في ذلك كله يحطم كائنات بشرية عزيزة ، وأجهزة إنسانية كريمة . . ولو اتبع الوحي لكفى البشر هذا الشر كله ؛ وجعل التجارب والتقلبات في " الأشياء " وفي " المادة " وفي " الأجهزة " وفي " الآلات " . . وهي مجاله الطبيعي الذي يمكن أن يستقل فيه . والخسارة في النهاية مواد وأشياء . لا أنفس وأرواح !

ويتعرض لهذا كله - بعد طبيعة تركيبه - بسبب ما ركب في الكيان البشري من شهوات وأهواء ونزعات ، لا بد لها من ضابط ، يضمن أن تؤدي وظائفها في استمرار حياة البشرية وارتقائها ، ولا تتعدى هذا الحد المأمون فتؤدي إلى تدمير الحياة أو انتكاسها ! وهذا الضابط لا يمكن أن يكون هو العقل البشري وحده ؛ فلا بد لهذا العقل الذي يضطرب تحت ضغط الأهواء والشهوات والنزعات - وهي شتى - من ضابط آخر يضبطه هو ذاته ؛ ويحرسه بعد أن يضبطه من الخلل أيضا ، ويرجع إليه هذا العقل بكل تجربة ، وكل حكم - في مجال الحياة البشرية - ليقوم به تجربته وحكمه ، وليضبط به اتجاهه وحركته .

والذين يزعمون للعقل البشري درجة من الأصالة في الصواب كدرجة الوحي ، باعتبار أن كليهما - العقل والوحي - من صنع الله فلا بد أن يتطابقا . . هؤلاء إنما يستندون إلى تقريرات عن قيمة العقل قال بها بعض الفلاسفة من البشر ، ولم يقل بها الله سبحانه !

والذين يرون أن هذا العقل يغني عن الوحي - حتى عند فرد واحد من البشر مهما بلغ عقله من الكبر - إنما يقولون في هذه القضية غير ما يقول الله . . فالله قد جعل حجته على الناس هي الوحي والرسالة ، ولم يجعل هذه الحجة هي عقلهم البشري ، ولا حتى فطرتهم التي فطرهم الله عليها من معرفة ربها الواحد والإيمان به . لأن الله سبحانه يعلم أن العقل وحده يضل ، وأن الفطرة وحدها تنحرف . وأنه لا عاصم لعقل ولا لفطرة ، إلا أن يكون الوحي هو الرائد الهادي ، وهو النور والبصيرة .

والذي يزعمون أن الفلسفة تغني العقل عن الدين ؛ أو أن العلم - وهو من منتجات العقل - يغني البشرية عن هدى الله ؛ إنما يقولون قولا لا سند له من الحقيقة ولا من الواقع كذلك . . فالواقع يشهد أن الحياة البشرية التي قامت أنظمتها على المذاهب الفلسفية أو على العلم ، هي أبأس حياة يشقى فيها " الإنسان " مهما فتحت عليه أبواب كل شيء ؛ ومهما تضاعف الإنتاج والإيراد ؛ ومهما تيسرت أسباب الحياة ووسائل الراحة فيها على أوسع نطاق . . وليس مقابل هذا أن تقوم الحياة على الجهل والتلقائية ! فالذين يضعون المسألة هكذا مغرضون ! فإن الإسلام منهج حياة يكفل للعقل البشري الضمانات التي تقيه عيوب تركيبه الذاتي ، وعيوب الضغوط التي تقع عليه من الأهواء والشهوات والنزعات . ثم يقيم له الأسس ، ويضع له القواعد ، التي تكفل استقامته في انطلاقه للعلم والمعرفة والتجربة ؛ كما تكفل له استقامة الحياة الواقعية التي يعيش في ظلها - وفق شريعة الله - فلا يضغط عليه الواقع لينحرف بتصوراته ومناهجه كذلك !

والعقل بمصاحبة وحي الله وهداه بصير ، وبترك وحي الله وهداه أعمى ، واقتران الحديث عن تلقي الرسول [ ص ] من الوحي وحده ، بالإشارة إلى العمى والبصر ، بالسؤال التحضيضي على التفكير : إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل : هل يستوي الأعمى والبصير : أفلا تتفكرون ؟ . .

اقتران الإشارات وتتابعها على هذا النحو في السياق ، أمر ذو دلالة في التعبير القرآني . . فالتفكر مطلوب ، والحض عليه منهج قرآني ؛ ولكنه التفكر المضبوط بضابط الوحي ، الذي يمضي معه مبصرا في النور ؛ لا مطلق التفكر الذي يخبط في الظلام أعمى ، بلا دليل ولا هدى ولا كتاب منير . .

والعقل البشري حين يتحرك في إطار الوحي لا يتحرك في مجال ضيق ، إنما يتحرك في مجال واسع جدا . . يتحرك في مجال هو هذا الوجود كله ، الذي يحتوي عالم الشهادة وعالم الغيب أيضا ؛ كما يحتوي أغوار النفس ومجالي الأحداث ، ومجالات الحياة جميعا . . فالوحي لا يكف العقل عن شيء إلا عن انحراف المنهج ، وسوء الرؤية والتواء الأهواء والشهوات ! وبعد ذلك يدفعه إلى الحركة والنشاط دفعا . فهذه الأداة العظيمة التي وهبها الله للإنسان . . العقل . . إنما وهبها له لتعمل وتنشط في حراسة الوحي والهدى الرباني . . فلا تضل إذن ولا تطغى . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} (50)

ولما بين وظيفة الرسل ، وقسم المرسل إليهم ، أمره بنفي ما يتسبب{[29689]} عنه قولهم من أن البشر لا يكون رسولاً ، واقتراحهم عليه الآيات من ظن قدرته على ما يريد ، {[29690]} أو أن كل ما يقدر عليه يبديه لهم{[29691]} ، أو إلزامه بذلك{[29692]} ، منها لهم على وجه ظلمهم بغلظهم أو عنادهم فقال : { قل } أي{[29693]} في جواب قولهم ( لولا أنزل عليه آية }[ يونس : 20 ] ونحوه .

ولما لم{[29694]} يكن لهم عهد بأن بشراً يكون عنده الخزائن ، يتصرف فيها بما يريد ، وكان يأتيهم من الآيات من انشقاق القمر ومشي الشجر وكلام الضب والحجر ونبع الماء والحراسة بشواظ النار وفحل الجمال ونحو ذلك مما هو معلوم في دلائل النبوة بما ربما أوقع{[29695]} في ظنهم أن لازمه دعواه لأنه يملك الخزائن ، فكانوا يقترحون عليه الآيات الدالة إلزاماً له{[29696]} بذلك{[29697]} لقصد التكذيب . نفى ما ظنوا أنه يلزمه دعواه فقال : { لا{[29698]} أقول لكم } أي الآن ولا فيما يستقبل من الزمان ، ولما كان تعالى قد أعطاه مفاتيح خزائن الأرض ، فأباها{[29699]} تواضعاً لله سبحانه ، قيد بقوله " لكم " إفهاماً لما يخبر به المؤمنين من ذلك ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ، وأما الكفرة فإن إخبارهم بذلك مما يغريهم على الاقتراحات استهزاء فلا فائدة له { عندي خزائن الله } أي الملك الأعظم الذي له الغنى المطلق والعزة البالغة ، فلا كفوء له أي{[29700]} فآتيكم ما تقترحون{[29701]} من الآيات وما تشتهونه{[29702]} من الكنوز وما{[29703]} تستهزئون به{[29704]} من العذاب ، وإنما الخزائن بيده ، يفعل فيها ما يشاء .

ولما كانوا يعهدون أن بعض البشر من الكهان يخبرون بشيء من المغيبات ، وكان الكهان يخلطون الصدق بالكذب ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخبرهم بمغيبات كثيرة فيكون كما قال دائماً لا خلف في شيء منها ولا زيادة ولا نقص ، فصاروا يظنون أنه يعلم الغيب ، ولكنهم يظنونه من آيات{[29705]} الكهان حتى أطلقوا عليه أنه كاهن ، فكانوا يسألونه عن وقت العذاب الذي يتوعدهم به وعن غيره ، لعلهم{[29706]} يظفرون عليه{[29707]} بشيء مما يقوله الكهان ولا يكون ، فيعدونه عليه ؛ نفى ما ظنوه غيره على هذا المقام أن ينسب{[29708]} إلى غير مالكه الذي لا يجوز أن يكون لغيره ، فقال نافياً له من أصله ، لا للقول فقط كما في سابقه ولاحقه ، عاطفاً على { لا{[29709]} أقول } لا على { عندي } { ولا أعلم الغيب } أي فأخبركم بوقت الفصل بيني وبينكم من مطلق العذاب أو{[29710]} قيام الساعة ، فإن هاتين الحالتين - ملك الخزائن وعلم الغيب - ليستا{[29711]} إلا لمرتبة{[29712]} الألوهية ، وإنما لم أدّع الأول كما ألزمتموني به ، ولا اتصفت بالثاني بما ظننتم .

ولما كانوا يظنون أن الرسول لا يكون إلا ملكاً ، فكانوا يلزمونه بدعواه الرسالة دعوى الملائكة ليلزموه بذلك ادعاء ما هو ظاهر البطلان ، قال : { ولا أقول } أي بدعوى الرسالة ؛ ولما كان صلى الله عليه وسلم أعلى{[29713]} الأنبياء صفاء وأنورهم قلباً وأشدهم{[29714]} في كل هدى إضاءة وأنقاهم من نقائص البشر ، وكان هذا أمراً من الله له{[29715]} . قيد بقوله : { لكم } إفهاماً لأنه{[29716]} لا يمتنع{[29717]} عليه أن يقول ذلك ، بل لو قاله كان صادقاً ، ومثله كثير في مجازاتهم ومجاري عاداتهم{[29718]} في محاوراتهم{[29719]} ، وأما إسقاط " لكم " في قصة نوح من{[29720]} سورة هود{[29721]} عليهما السلام فتواضعاً منه لكونه من قوله ، من غير تصريح بإسناد الأمر فيه إلى الله تعالى { إني ملك } فأقوى على الأفعال التي تقوى{[29722]} عليها الملائكة من التحرز{[29723]} عن المأكل والمشرب وغيرهما من أفعال الملائكة .

فلما انتفى عنه ما ألزموه به وما{[29724]} ظنوه فيه من كونه إلهاً أو ملكاً ، انحصر الأمر في أنه رسول واقف عندما حده له مرسله ، فقال على وجه النتيجة : { إن } أي ما { أتبع } أي بغاية جهدي { إلا ما يوحى إلي } أي ما رتبتي إلا امتثال ما يأمرني به ربي في هذا القرآن الذي هو - بعجزكم عن معارضته - أعظم شاهد لي ، ولم يوح إلي فيه أن أقول شيئاً مما تقدم نفيه ، وأوحى إلي لأنذركم به خصوصاً ، وأنذر به كل من بلغه عموماً ، وذلك غير منكر في{[29725]} العقل ولا مستبعد{[29726]} بل قد وقع الإرسال لكثير من البشر ، وقد قام على ثبوته لي{[29727]} واضح الدلائل وثابت الحجج وقاطع البراهين ، فإن كان فيه الإذن لي{[29728]} بإبراز خارق أبرزته ، وإن كان فيه الإعلام بمغيب أبديته ، وإلا اقتصرت على الإبلاغ مع التحدي ، وهو مخبر بأن الله - الذي{[29729]} ثبت بعجزكم عن معارضته أنه قوله - شاهد لي بصحة الرسالة وصدق المقالة .

ولما{[29730]} ثبت بهذا أنهم عمي الأبصار والبصائر ، لا يهتدون إلى ما ينفعهم ، ولا يقدرون على إفحام خصم ولا التفصي عن وهم ولا وصم ، بل هم كالسالك بين المهالك ، يتبين بادئ بدئه في دعواه الحكمة زوره وكذبه وفجوره لأتباع الهوى الذي هو أدوأ أدواء{[29731]} ، {[29732]} وأنه{[29733]} صلى الله عليه وسلم أبصر البصراء وأحكم الحكماء لاتباعه علام الغيوب ، وكان موضع أن يقال : ما يوحى إليك في هذا المقام ؟ قال على وجه التبكيت لهم : { قل } أي لكل من يسمع{[29734]} قولك بعد هذا البيان الفائت لقوى الإنسان { هل يستوي } أي يكون سواء من غير مرية { الأعمى والبصير } فإن قالوا : نعم ، كابروا الحس ، وإن قالوا : لا ، قيل : فمن تبع هذه الآيات الجليات فهو البصير ، ومن أعرض عنها فهو العمى ، ومن سوى بين الخالق وبين شيء من خلقه فهو أعمى العمى ؛ ثم أمره بعد الإنكار للتسوية بينهما بأن ينكر عليهم فساد نظرهم وعمى فكرهم بقوله : { أفلا تتفكرون * } أي فيردكم فكركم{[29735]} عن هذه الضلالات{[29736]} .


[29689]:في ظ: ينسب.
[29690]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29691]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29692]:زيد بعده في ظ: منها.
[29693]:زيد من ظ.
[29694]:زيد من ظ.
[29695]:في ظ: وقع.
[29696]:زيد من ظ.
[29697]:سقط من ظ.
[29698]:سقط من ظ.
[29699]:في ظ: وأباها.
[29700]:سقط من ظ.
[29701]:في ظ: يقترحون.
[29702]:في ظ: يشتهونه.
[29703]:في الأصل: يشتهون به، وفي ظ: يستهزونه- كذا.
[29704]:في الأصل: يشتهون به، وفي ظ: يستهزونه- كذا.
[29705]:في الأصل: بابه، وفي ظ: آياته- كذا.
[29706]:من ظ، وفي الأصل: يظفرون عليهم.
[29707]:من ظ، وفي الأصل: يظفرون عليهم.
[29708]:من ظ، وفي الأصل: يسبب- كذا.
[29709]:سقط من ظ.
[29710]:في ظ "و".
[29711]:ليسا.
[29712]:في ظ: لرتبة.
[29713]:في ظ: على.
[29714]:من ظ، وفي الأصل: أسدهم.
[29715]:سقط من ظ.
[29716]:في ظ: يمنع.
[29717]:في ظ يمنع.
[29718]:من ظ، وفي الأصل: عادتهم.
[29719]:زيد من ظ غير أن فيه: مجاوزاتهم.
[29720]:من ظ، وفي الأصل: في.
[29721]:راجع آية 31.
[29722]:من ظ، وفي الأصل: تعول.
[29723]:في ظ: التجرد.
[29724]:زيد من ظ.
[29725]:سقط من ظ.
[29726]:من ظ، وفي الأصل: مستبعدا.
[29727]:في ظ: إلى.
[29728]:سقط من ظ.
[29729]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29730]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29731]:زيد من ظ.
[29732]:في ظ: به.
[29733]:في ظ: به.
[29734]:سقط من ظ.
[29735]:سقط من ظ.
[29736]:في ظ: الضلالة.