في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمۡعَكُمۡ وَأَبۡصَٰرَكُمۡ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِهِۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ هُمۡ يَصۡدِفُونَ} (46)

40

بعد ذلك يقف السياق القرآني المشركين بالله ، أمام بأس الله ، في ذوات أنفسهم ، في أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم ، وهم عاجزون عن رده ، وهم لا يجدون كذلك إلها غير الله ، يرد عليهم أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم إن أخذها الله منهم :

( قل : أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم ، من إله غير الله يأتيكم به ؟ انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون ! ) . .

وهو مشهد تصويري يجسم لهم عجزهم أمام بأس الله من جانب ، كما يصور لهم حقيقة ما يشركون به من دون الله في موقف الجد من جانب . . ولكن هذا المشهد يهزهم من الأعماق . . إن خالق الفطرة البشرية يعلم أنها تدرك ما في هذا المشهد التصويري من جد ، وما وراءه من حق . . أنها تدرك أن الله قادر على أن يفعل بها هذا . قادر على أن يأخذ الأسماع والأبصار ، وأن يختم على القلوب ، فلا تعود هذه الأجهزة تؤدي وظائفها . وأنه - إن فعل ذلك - فليس هناك من إله غيره يرد بأسه . .

وفي ظلال هذا المشهد ، الذي يبعث بالرجفة في القلوب والأوصال ، ويقرر في الوقت ذاته تفاهة عقيدة الشرك ، وضلال اتخاذ الأولياء من دون الله . . في ظلال هذا المشهد يعجب من أمر هؤلاء الذين يصرف لهم الآيات ، وينوعها ، ثم هم يميلون عنها كالبعير الذي يصدف أي يميل بخفة إلى الجانب الوحشي الخارجي من مرض يصيبه !

( انظر كيف نصرف الآيات ، ثم هم يصدفون ! ) . .

وهو تعجيب مصحوب بمشهد الصدوف ! المعروف عند العرب ، والذي يذكرهم بمشهد البعير المؤوف ! فيثير في النفس السخرية والاستخفاف والعزوف !

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمۡعَكُمۡ وَأَبۡصَٰرَكُمۡ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِهِۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ هُمۡ يَصۡدِفُونَ} (46)

ولما قدم التنبيه بإتيان مطلق العذاب في مطلق الأحوال ، وكان الإتيان بالكاف ثَمَّ مشيراً مع إفادة التأكيد إلى أن ثَمَّ نوع مهلة ، وأتبعه أن أخذ الأمم كان بغتة ، أعقبه التنبيه بعذاب خاص تصورُ شناعته يهذأ{[29643]} الأركان ويقطع الكبود ويملأ الجنان ، فإنه لا أشنع حالاً من أصم أعمى مجنون ، فقال مشيراً - بإسقاط كاف الخطاب مع التعبير بالأخذ الذي عهد أنه للبغت بالسطوة والقهر - إلى غاية التحذير من سرعة أيّ{[29644]} الأخذ{[29645]} : { قل أرءيتم } فكانت حقيقة المقترن بالكاف : هل رأيتم أنفسكم ، وهذا هل رأيتم مطلق رؤية ، لما تقدمت الإشارة إليه من الإيماء إلى طلب الإسراع بالجواب خوف المفاجأة بالعذاب وإن كان المراد في الموضعين : أخبروني { إن أخذ الله } أي القادر على كل شيء العالم بكل شيء { سمعكم } وأفرده{[29646]} لقلة المفاوتة{[29647]} فيه ، لأنه{[29648]} أعظم الطرق لإدراك القلب الذي لا أعظم من المفاوتة فيه حتى للإنسان الواحد بالنسبة إلى الأحوال المختلفة ، ليكون ذلك أدل على الفعل بالاختيار { وأبصاركم } أي فأصمكم وأعماكم عمى وصمماً ظاهرين وباطنين بسلب المنفعة { وختم على قلوبكم } فجعلها لا تعي أصلاً أو لا ينتفع بالوعي { من إله } أي معبود بحق ، لأن له{[29649]} إحاطة العلم والقدرة ؛ ثم وصف هذا الخبر بقوله : { غير الله } أي الذي له جميع العظمة { يأتيكم به } أي بذلك الذي هو أشرف معاني أشرف أعضائكم ، أو بشيء منه .

ولما بلغت هذه الآيات - من الإبلاغ في البيان في{[29650]} وحدانيته وبطلان كل معبود سواه - أعلى المقامات ، نبه على أنه{[29651]} على ذلك ، بالأمر بالنظر فيها وفي حالهم بعدها ، دالاً على{[29652]} ما تقدم{[29653]} من أن المقترحات لا تنفع{[29654]} من أراد سبحانه شقاوته فقال : { انظر كيف نصرف } أي{[29655]} بما لنا من العظمة { الآيات } أي نوحيها لهم ولغيرهم في كل وجه من وجوه البيان بالغ من الإحسان ما يأخذ بالعقول ويدهش الألباب ، ويكون كافياً في الإيصال إلى المطلوب ؛ ولما كان الإعراض عن مثل هذا في غاية البعد ، عبر بأداة التراخي فقال : { ثم هم } أي بعد هذا البيان بصميم{[29656]} ضمائرهم { يصدفون * } أي يعرضون إعراضاً لازماً لهم لزوم الصفة{[29657]} .


[29643]:أي يقطع قطعا سريرا.
[29644]:سقط من ظ.
[29645]:من ظ، وفي الأصل: للأخذ.
[29646]:من ظ، وفي الأصل: أفرد.
[29647]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29648]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29649]:سقط من ظ.
[29650]:في ظ "و".
[29651]:سقط من ظ.
[29652]:تكلرر في ظ.
[29653]:من ظ، وفي الأصل: قدم.
[29654]:في ظ: لا ينفع.
[29655]:زيد من ظ.
[29656]:من ظ، وفي الأصل: تصميم.
[29657]:في ظ: الصعد- كذا.