في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{حَقِيقٌ عَلَىٰٓ أَن لَّآ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ قَدۡ جِئۡتُكُم بِبَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَرۡسِلۡ مَعِيَ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ} (105)

103

( حقيق على ألا أقول على الله إلا الحق ) . .

فما كان الرسول الذي يعلم حقيقة الله ، ليقول عليه إلا الحق ، وهو يعلم قدره ؛ ويجد حقيقته - سبحانه - في نفسه . .

( قد جئتكم ببينة من ربكم ) . .

تدلكم على صدق قولي : إني رسول من رب العالمين .

وباسم تلك الحقيقة الكبيرة . . حقيقة الربوبية الشاملة للعالمين . . طلب موسى من فرعون أن يطلق معه بني إسرائيل . .

إن بني إسرائيل عبيد لله وحده ؛ فما ينبغي أن يعبدهم فرعون لنفسه ! إن الإنسان لا يخدم سيدين ، ولا يعبد إلهين . فمن كان عبداً لله ، فما يمكن أن يكون عبداً لسواه . وإذ كان فرعون إنما يعبد بني إسرائيل لهواه ؛ فقد أعلن له موسى أن رب العالمين هو الله . وإعلان هذه الحقيقة ينهي شرعية ما يزاوله فرعون من تعبيد بني إسرائيل !

إن إعلان ربوبية الله للعالمين هي بذاتها إعلان تحرير الإنسان . تحريره من الخضوع والطاعة والتبعية والعبودية لغير الله . تحريره من شرع البشر ، ومن هوى البشر ، ومن تقاليد البشر ، ومن حكم البشر .

وإعلان ربوبية الله للعالمين لا يجتمع مع خضوع أحد من العالمين لغير الله ؛ ولا يجتمع مع حاكمية أحد بشريعة من عنده للناس . . والذين يظنون أنهم مسلمون بينما هم خاضعون لشريعة من صنع البشر - أي لربوبية غير ربوبية الله - واهمون إذا ظنوا لحظة واحدة أنهم مسلمون ! إنهم لا يكونون في دين الله لحظة واحدة وحاكمهم غير الله ، وقانونهم غير شريعة الله . إنما هم في دين حاكمهم ذاك . في دين الملك لا في دين الله !

وعلى هذه الحقيقة أمر موسى - عليه السلام - أن يبني طلبه من فرعون إطلاق بني إسرائيل :

( يا فرعون إني رسول من رب العالمين ) . . . ( فأرسل معي بني إسرائيل ) . . .

مقدمة ونتيجة . . تتلازمان ولا تفترقان . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{حَقِيقٌ عَلَىٰٓ أَن لَّآ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ قَدۡ جِئۡتُكُم بِبَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَرۡسِلۡ مَعِيَ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ} (105)

ولما خلفه بهذا مما يدعيه من الربوبية دالاً على تسويته ببقية العالمين : ناطقهم وصامتهم ، وكان{[32851]} لذلك بعيداً من الإذعان لهذا الكلام ، أتبعه{[32852]} قوله على وجه التأكيد مستأنفاً بيان ما يلزم للرسول : { حقيق }{[32853]} أي بالغ في الحقية ، وهي الثبات الذي لا يمكن زواله { على أن لا أقول على الله } أي الذي له جميع الكمال ، ولا عظمة لسواه ولا جلال { إلا الحق } أي الثابت الذي لا تمكن المماراة فيه أصلاً لما يصدقه{[32854]} من المعجزات ، وحاصل العبارة ومآلها : حق على قولي{[32855]} الذي أطلقه{[32856]} على الله أن لا يكون إلا الحق أي غير الحق ، ولذلك عبر بالاسم الأعظم الجامع لجميع الصفات ، وقراءة نافع بتشديد ياء الإضافة في { على } بمعنى هذا سواء ، لأن من حق عليه شيء حق على كلامه .

ولما كان الحال إذ ذاك يقتضي توقع إقامة موسى عليه السلام البينة على صحة رسالته كان كأنه قيل : ما دليل صدقك ؟ فقال مفتتحاً بحرف التوقع والتحقيق{[32857]} : { قد جئتكم } أي كلكم ، لا أخص أحداً منكم { ببينة }{[32858]} دليلاً على رسالتي وقولي الحق { من ربكم } أي المحسن إليكم بكل نعمة ترونها لديكم من خلقكم وزرقكم وكف الأمم عن انتزاع هذا الملك منكم وإهلاككم ، وتلك البينة هي المعجزة ، فكرر البيان في هذا الكلام على أن فرعون ليس كما يدّعي لأنه مربوب ، لا فرق بينه وبين بقية العالمين في ذلك .

ولما كان من المعلوم أن مثله في تمام عقله وشرف خلائقه لا يدّعي في تلك المجامع إلا حقاً مع ما نبه عليه من البيان على تفرد الله بالإلهية كما تفرد بالإحسان ، كان كأنه أظهر البينة التي أقلها كفهم عن إهلاكهم . فأتبع ذلك طلب النتيجة إعلاماً بغاية ما يريد منهم بقوله مسبباً عن مجرد هذا الإخبار الذي كان{[32859]} قد أوقع مضمونه : { فأرسل } أي يا فرعون { معي بني إسرائيل* } أي فسبب{[32860]} إقامتي الدليل على صحة ما قلته أن أمُر بما جئت له - وهو إرسالهم معي - أمر من صار له سلطان بإقامة البينة لنذهب كلنا إلى بيت{[32861]} المقدس موطن{[32862]} آبائنا التي أقسم الله لهم أن يورثها أبناءهم{[32863]} ، وفي جعل ذلك نتيجة الإرسال إليه تنبيه على أن رسالته مقصورة على قومه ،


[32851]:- في ظ: فكان.
[32852]:- زيد بعده في الأصل: على، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[32853]:- من ظ والقرآن الكريم، وفي الأصل: حقيقا.
[32854]:- في ظ: يصدر.
[32855]:- من ظ، وفي الأصل: قول.
[32856]:في ظ: أطلقته.
[32857]:-من ظ، وفي الأصل: التخفيف.
[32858]:- تأخر في الأصل عن "قول الحق" والترتيب من ظ.
[32859]:- من ظ، وفي الأصل: كأنه.
[32860]:في ظ: فتسبب.
[32861]:- زيد من ظ.
[32862]:- في ظ: مواطن.
[32863]:- من ظ، وفي الأصل: أبناءها.