في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالَ ٱدۡخُلُواْ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ فِي ٱلنَّارِۖ كُلَّمَا دَخَلَتۡ أُمَّةٞ لَّعَنَتۡ أُخۡتَهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعٗا قَالَتۡ أُخۡرَىٰهُمۡ لِأُولَىٰهُمۡ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمۡ عَذَابٗا ضِعۡفٗا مِّنَ ٱلنَّارِۖ قَالَ لِكُلّٖ ضِعۡفٞ وَلَٰكِن لَّا تَعۡلَمُونَ} (38)

37

فإذا انتهى مشهد الاحتضار ، فنحن أمام المشهد التالي ، وهؤلاء المحتضرون في النار ! . . ويسكت السياق عما بينهما ، ويسقط الفترة بين الموت والبعث والحشر . وكأنما يؤخذ هؤلاء المحتضرون من الدار إلى النار !

( قال : ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ، كلما دخلت أمة لعنت أختها ، حتى إذا ادّاركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لأولاهم : ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار . قال : لكل ضعف ولكن لا تعلمون . وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل ، فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ) .

( ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ) .

انضموا إلى زملائكم وأوليائكم من الجن والإنس . . هنا في النار . . أليس إبليس هو الذي عصى ربه ؟ وهو الذي أخرج آدم من الجنة وزوجه ؟ وهو الذي أغوى من أغوى من أبنائه ؟ وهو الذي أوعده الله أن يكون هو ومن أغواهم في النار ؟ . . فادخلوا إذن جميعاً . . ادخلوا سابقين ولاحقين . . فكلكم أولياء . . وكلكم سواء !

ولقد كانت هذه الأمم والجماعات والفرق في الدنيا من الولاء بحيث يتبع آخرها أولها ؛ ويملي متبوعها لتابعها . . فلننظر اليوم كيف تكون الأحقاد بينها ، وكيف يكون التنابز فيها :

( كلما دخلت أمة لعنت أختها ) !

فما أبأسها نهاية تلك التي يلعن فيها الابن أباه ؛ ويتنكر فيها الولي لمولاه !

( حتى إذا اداركوا فيها جميعاً ) . .

وتلاحق آخرهم وأولهم ، واجتمع قاصيهم بدانيهم ، بدأ الخصام والجدال :

( قالت أخراهم لأولاهم ، ربنا هؤلاء أضلونا ، فآتهم عذاباً ضعفاً من النار ) . .

وهكذا تبدأ مهزلتهم أو مأساتهم ! ويكشف المشهد عن الأصفياء والأولياء ، وهم متناكرون أعداء ؛ يتهم بعضهم بعضا ، ويلعن بعضهم بعضا ، ويطلب له من( ربنا )شر الجزاء . . من( ربنا )الذي كانوا يفترون عليه ويكذبون بآياته ؛ وهم اليوم ينيبون إليه وحده ويتوجهون إليه بالدعاء ! فيكون الجواب استجابة للدعاء . ولكن أية استجابة ؟ !

( قال : لكل ضعف ، ولكن لا تعلمون ) .

لكم ولهم جميعاً ما طلبتم من مضاعفة العذاب !

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَ ٱدۡخُلُواْ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ فِي ٱلنَّارِۖ كُلَّمَا دَخَلَتۡ أُمَّةٞ لَّعَنَتۡ أُخۡتَهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعٗا قَالَتۡ أُخۡرَىٰهُمۡ لِأُولَىٰهُمۡ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمۡ عَذَابٗا ضِعۡفٗا مِّنَ ٱلنَّارِۖ قَالَ لِكُلّٖ ضِعۡفٞ وَلَٰكِن لَّا تَعۡلَمُونَ} (38)

ولما كان كأنه قيل : لقد اعترفوا ، والاعتراف - كما قيل - إنصاف ، فهل ينفعهم ؟ قيل : هيهات ! فات محله بفوات{[32215]} دار العمل لا جرم ! { قال } أي الذي جعل الله إليه أمرهم { ادخلوا } كائنين { في أمم } أي في جملة جماعات وفرق أم بعضها بعضاً{[32216]} ؛ ثم وصفهم دالاً بتاء التأنيث على ضعف عقولهم فقال : { قد خلت } ولما كان في الزمن الماضي من آمن ، أدخل الجار فقال { من قبلكم } ولما كان الجن الأصل في الإغواء قدمهم فقال : { من الجن والإنس } ثم ذكر محل الدخول فقال : { في النار } .

ولما جرت عادة الرفاق بأنهم يتكالمون وحين الاجتماع يتسالمون تشوف السامع إلى حالهم في ذلك فقال مجيباً له : { كلما دخلت أمة } أي منهم في النار { لعنت أختها } أي القريبة منها في الدين{[32217]} والملة التي قضيت{[32218]} آثارها واتبعت منارها ، يلعن اليهود اليهود والنصارى النصارى - وهكذا ، واستمر ذلك منهم { حتى إذا اداركوا } اي تداركوا وتلاحقوا ، يركب بعضهم بعضاً - بما يشير إليه الإدغام { فيها جميعاً } لم يبق منهم أمة ولا واحد{[32219]} من أمة { قالت أخراهم } أي في الزمن والمنزلة ، وهم الأتباع والسفل { لأولاهم } أي لأجلهم مخاطبين لله خطاب المخلصين { ربنا } أي{[32220]} الذي ما قطع إحسانه في الدنيا عنا على{[32221]} ما كان منا من مقابلة إحسانه بالإساءة { هؤلاء } أي الأولون { أضلونا } أي لكونهم أول من سن الضلال { فآتهم } أي أذقهم بسبب ذلك { عذاباً ضعفاً } أي يكون بقدر عذاب غيرهم{[32222]} مرتين لأنهم ضلوا وأضلوا لأنهم سنوا الضلال ، " ومن سنَّ سنة سيئة{[32223]} كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " ومنه " لا تقتل{[32224]} نفس ظلماً إلا على ابن آدم الأول كفل من دمها " لأنه أول من سن القتل{[32225]} ، ثم أكدوا شدة العذاب بقولهم : { من النار* } .

ولما كان كأنه قيل : لقد قالوا ما له وجه ، فبم أجيبوا ؟ قيل : { قال } أي جواباً لهم { لكل } أي من السابق واللاحق والمتبوع والتابع { ضعف } وإن لم يكن الضعفان{[32226]} متساويين لأن{[32227]} المتبوع وإن كان سبباً لضلال التابع فالتابع{[32228]} أيضاً كان سبباً لتمادي المتبوع في ضلاله وشدة شكيمته فيه بتقويته{[32229]} بالاتباع وتأييده بالمناضله عنه والدفاع ؛ ولما كانوا جاهلين باستحقاقهم الضعف لسبب هذه الدقيقة قال : { ولكن لا تعلمون* } أي بذلك .


[32215]:- في ظ: بفوت.
[32216]:- في ظ: بعض.
[32217]:- في ظ: الزمن.
[32218]:- من ظ، وفي الأصل: قضت-كذا.
[32219]:- في ظ: أحدا
[32220]:- من ظ، وفي الأصل: أيها.
[32221]:- سقط من ظ.
[32222]:- في ظ: ربهم ربهم- كذا.
[32223]:- زيد من ظ.
[32224]:- من ظ، وفي الأصل: لا يقبل.
[32225]:- زيد من ظ.
[32226]:- من ظ، وفي الأصل: الضعفاء- كذا
[32227]:- في ظ: إذ- كذا.
[32228]:- سقط من ظ.
[32229]:- زيد من ظ.