وأخيراً يختم هذا الدرس ، وتختم السورة معه ، ببيان طبيعة العلاقات في المجتمع المسلم ، وطبيعة العلاقات بينه وبين المجتمعات الأخرى ؛ وبيان الأحكام المنظمة لهذه العلاقات وتلك ؛ ومنه تتبين طبيعة المجتمع المسلم ذاته ؛ والقاعدة التي ينطلق منها والتي يقوم عليها كذلك . . إنها ليست علاقات الدم ، ولا علاقات الأرض ، ولا علاقات الجنس ، ولا علاقات التاريخ ، ولا علاقات اللغة ، ولا علاقات الاقتصاد . . ليست هي القرابة ، وليست هي الوطنية ، وليست هي القومية ، وليست هي المصالح الاقتصادية . . إنما هي علاقة العقيدة ، وعلاقة القيادة ، وعلاقة التنظيم الحركي . . فالذين آمنوا وهاجروا إلى دار الهجرة والإسلام ، متجردين من كل ما يمسكهم بأرضهم وديارهم وقومهم ومصالحهم ، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ؛ والذين آووهم ونصروهم ودانوا معهم لعقيدتهم وقيادتهم في تجمع حركي واحد ، أولئك بعضهم أولياء بعض . . والذين آمنوا ولم يهاجروا ليس بينهم وبين المجتمع المسلم ولاية ؛ لأنهم لم يتجردوا بعد للعقيدة ، ولم يدينوا بعد للقيادة ؛ ولم يلتزموا بعد بتعليمات التجمع الحركي الواحد . . وفي داخل هذا التجمع الحركي الواحد تعتبر قرابة الدم أولى في الميراث وغيره . . والذين كفروا بعضهم أولياء بعض كذلك . . هذه هي الخطوط الرئيسية في العلاقات والارتباطات ، كما تصورها هذه النصوص الحاسمة :
( إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض . والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا . وإن استنصروكم . . في الدين . . فعليكم النصر - إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق - والله بما تعملون بصير . والذين كفروا بعضهم أولياء بعض : إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير . . والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً ، لهم مغفرة ورزق كريم . والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم . وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ، إن الله بكل شيء عليم ) . .
والولاية بين المسلمين في إبان نشأة المجتمع المسلم إلى يوم بدر ، كانت ولاية توارث وتكافل في الدياتوولاية نصرة وأخوة قامت مقام علاقات الدم والنسب والقرابة . . حتى إذا وجدت الدولة ومكن الله لها بيوم الفرقان في بدر بقيت الولاية والنصرة ، ورد الله الميراث والتكافل في الديات إلى قرابة الدم ، داخل المجتمع المسلم . . فأما الهجرة التي يشير إليها النص ويجعلها شرطاً لتلك الولاية - العامة والخاصة - فهي الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام - لمن استطاع - فأما الذين يملكون الهجرة ولم يهاجروا ، استمساكاً بمصالح أو قرابات مع المشركين ، فهؤلاء ليس بينهم وبين المجتمع المسلم ولاية ، كما كان الشأن في جماعات من الأعراب أسلموا ولم يهاجروا لمثل هذه الملابسات ، وكذلك بعض أفراد في مكة من القادرين على الهجرة . . وهؤلاء وأولئك أوجب الله على المسلمين نصرهم - إن استنصروهم في الدين خاصة - على شرط ألا يكون الاعتداء عليهم من قوم بينهم وبين المجتمع المسلم عهد ، لأن عهود المجتمع المسلم وخطته الحركية أولى بالرعاية !
ونحسب أن هذه النصوص والأحكام تدل دلالة كافية على طبيعة المجتمع المسلم والاعتبارات الأساسية في تركيبه العضوي ، وقيمه الأساسية . ولكن هذه الدلالة لا تتضح الوضوح الكافي إلا ببيان تاريخي عن نشأة هذا المجتمع التاريخية ؛ والقواعد الأساسية التي انبثق منها وقام عليها ؛ ومنهجه الحركي والتزاماته :
إن الدعوة الإسلامية - على يد محمد رسول الله [ ص ] - إنما تمثل الحلقة الأخيرة في سلسلة الدعوة الطويلة إلى الإسلام بقيادة موكب الرسل الكرام . . وهذه الدعوة على مدار التاريخ البشري كانت تستهدف أمراً واحداً : هو تعريف الناس بإلههم الواحد وربهم الحق ؛ وتعبيدهم لربهم وحده ونبذ ربوبية الخلق . . ولم يكن الناس - فيما عدا أفراداً معدودة في فترات قصيرة - ينكرون مبدأ الألوهية ويجحدون وجود الله البتة ؛ إنما هم كانوا يخطئون معرفة حقيقة ربهم الحق ، أو يشركون مع الله آلهة أخرى : إما في صورة الاعتقاد والعبادة ؛ وإما في صورة الحاكمية والاتباع ؛ وكلاهما شرك كالآخر يخرج به الناس من دين الله ، الذي كانوا يعرفونه على يد كل رسول ، ثم ينكرونه إذا طال عليهم الأمد ، ويرتدون إلى الجاهلية ، التي أخرجهم منها ، ويعودون إلى الشرك بالله مرة أخرى . . إما في الاعتقاد والعبادة ، وإما في الاتباع والحاكمية ، وإما فيها جميعا . .
هذه طبيعة الدعوة إلى الله على مدار التاريخ البشري . . إنها تستهدف( الإسلام ) . . إسلام العباد لرب العباد ؛ وإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، بإخراجهم من سلطان العباد وحاكميتهم وشرائعهم وقيمهم وتقاليدهم ، إلى سلطان الله وحاكميته وشريعته وحده في كل شأن من شؤون الحياة . . وفي هذا جاء الإسلام على يد محمد [ ص ] ، كما جاء على أيدي الرسل الكرام قبله . . جاء ليرد الناس إلى حاكمية الله كشأن الكون كله الذي يحتوي الناس ؛ فيجب أن تكون السلطة التي تنظم حياتهم هي السلطة التي تنظم وجوده ؛ فلا يشذوا هم بمنهج وسلطان وتدبير غير المنهج والسلطان والتدبير الذي يصرف الكون كله . بل الذي يصرف وجودهم هم أنفسهم في غير الجانب الإرادي من حياتهم . فالناس محكومون بقوانين فطرية من صنع الله في نشأتهم ونموهم وصحتهم ومرضهم ، وحياتهم وموتهم ؛ كما هم محكومون بهذه القوانين في اجتماعهم وعواقب ما يحل بهم نتيجة لحركتهم الاختيارية ذاتها ؛ وهم لا يملكون تغيير سنة الله بهم في هذا كله ؛ كما أنهم لا يملكون تغيير سنة الله في القوانين الكونية التي تحكم هذا الكون وتصرفه . . ومن ثم ينبغي أن يثوبوا إلى الإسلام في الجانب الإرادي من حياتهم ؛ فيجعلوا شريعة الله هي الحاكمة في كل شأن منشؤون هذه الحياة ، تنسيقاً بين الجانب الإرادي في حياتهم والجانب الفطري ، وتنسيقاً بين وجودهم كله بشطريه هذين وبين الوجود الكوني . .
ولكن الجاهلية التي تقوم على حاكمية البشر للبشر ، والشذوذ بهذا عن الوجود الكوني ؛ والتصادم بين منهج الجانب الإرادي في حياة الإنسان والجانب الفطري . . هذه الجاهلية التي واجهها كل رسول بالدعوة إلى الإسلام لله وحده . والتي واجهها رسول الله [ ص ] بدعوته . . هذه الجاهلية لم تكن متمثلة في " نظرية " مجردة . بل ربما أحياناً لم تكن لها " نظرية " على الإطلاق ! إنما كانت متمثلة دائماً في تجمع حركي . متمثلة في مجتمع ، خاضع لقيادة هذا المجتمع ، وخاضع لتصوراته وقيمه ومفاهيمه ومشاعره وتقاليده وعاداته ، وهو مجتمع عضوي بين أفراده ذلك التفاعل والتكامل والتناسق والولاء والتعاون العضوي ، الذي يجعل هذا المجتمع يتحرك - بإرادة واعية أو غير واعية - للمحافظة على وجوده ؛ والدفاع عن كيانه والقضاء على عناصر الخطر التي تهدد ذلك الوجود وهذا الكيان في أية صورة من صور التهديد .
ومن أجل أن الجاهلية لا تتمثل في " نظرية " مجردة ، ولكن تتمثل في تجمع حركي على هذا النحو ؛ فإن محاولة إلغاء هذه الجاهلية ، ورد الناس إلى الله مرة أخرى ، لا يجوز - ولا يجدي شيئاً - أن تتمثل في " نظرية " مجردة . فإنها حينئذ لاتكون مكافئة للجاهلية القائمة فعلاً والمتمثلة في تجمع حركي عضوي ، فضلاً على أن تكون متفوقة عليها كما هو المطلوب في حالة محاولة إلغاء وجود قائم بالفعل ، لإقامة وجود آخر يخالفه مخالفة أساسية في طبيعته وفي منهجه وفي كلياته وجزئياته . بل لا بد لهذه المحاولة الجديدة أن تتمثل في تجمع عضوي حركي أقوى في قواعده النظرية والتنظيمية ، وفي روابطه وعلاقاته ووشائجه من ذلك التجمع الجاهلي القائم فعلاً .
والقاعدة النظرية التي يقوم عليها الإسلام - على مدار التاريخ البشري - هي قاعدة : " شهادة أن لا إله إلا الله " . أي إفراد الله - سبحانه - بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية . . إفراده بها اعتقاداً في الضمير ، وعبادة في الشعائر ، وشريعة في واقع الحياة . فشهادة أن لا إله إلا الله ، لا توجد فعلا ؛ ولا تعتبر موجودة شرعاً إلا في هذه الصورة المتكاملة التي تعطيها وجوداً جدياً حقيقياً يقوم عليه اعتبار قائلها مسلماً أو غير مسلم . .
ومعنى تقرير هذه القاعدة من الناحية النظرية . . أن تعود حياة البشر بجملتها إلى الله ، لا يقضون هم في أي شأن من شؤونها ، ولا في أي جانب من جوانبها ، من عند أنفسهم ؛ بل لا بد لهم أن يرجعوا إلى حكم الله فيها ليتبعوه . . وحكم الله هذا يجب أن يعرفوه من مصدر واحد يبلغهم إياه ؛ وهو رسول الله . . وهذا يتمثل في شطر الشهادة الثاني من ركن الإسلام الأول : " شهادة أن محمداً رسول الله " .
هذه هي القاعدة النظرية التي يتمثل فيها الإسلام ويقوم عليها - وهي تنشئ منهجاً كاملاً للحياة حين تطبق في شؤون الحياة كلها ؛ يواجه به المسلم كل فرع من فروع الحياة الفردية والجماعية ، في داخل دار الإسلام وخارجها ؛ في علاقاته بالمجتمع المسلم وفي علاقات المجتمع المسلم بالمجتمعات الاخرى . .
ولكن الإسلام - كما قلنا - لم يكن يملك أن يتمثل في " نظرية " مجردة ؛ ليعتنقها من يعتنقها اعتقاداً ويزاولها عبادة ؛ ثم يبقى معتنقوها على هذا النحو أفراداً ضمن الكيان العضوي للتجمع الحركي الجاهلي القائم فعلاً . فإن وجودهم على هذا النحو - مهما كثر عددهم - لا يمكن أن يؤدي إلى " وجود فعلي " للإسلام . لأن الأفراد " المسلمين نظرياً " الداخلين في التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي سيظلون مضطرين حتماً للاستجابة لمطالب هذا المجتمع العضوية . سيتحركون طوعاً أو كرهاً ، بوعي أو بغير وعي لقضاء الحاجات الأساسية لحياة هذا المجتمع الضرورية لوجوده وسيدافعون عن كيانه ؛ وسيدفعون العوامل التي تهدد وجوده وكيانه ؛ لأن الكائن العضوي يقوم بهذه الوظائف بكل أعضائه سواء أرادوا أم لم يريدوا . . أي أن الأفراد " المسلمين نظرياً " سيظلون يقومون " فعلا " بتقوية المجتمع الجاهلي الذي يعملون " نظريا " لإزالته ؛ وسيظلون خلايا حية في كيانه تمده بعناصر البقاء والامتداد ! وسيعطونه كفاياتهم وخبراتهم ونشاطهم ليحيا ويقوى ، وذلك بدلا من أن تكون حركتهم في اتجاه تقويض هذا المجتمع الجاهلي ، لإقامة المجتمع الإسلامي !
ومن ثم لم يكن بد أن تتمثل القاعدة النظرية للإسلام [ أي العقيدة ] في تجمع عضوي حركي منذ اللحظة الأولى . . لم يكن بد أن ينشأ تجمع عضوي حركي آخر غير التجمع الجاهلي ، منفصل ومستقل عن التجمع العضوي الحركي الجاهلي الذي يستهدف الإسلام إلغاءه . وأن يكون محور هذا التجمع الجديد هو القيادة الجديدة المتمثلة في رسول الله [ ص ] ومن بعده في كل قيادة إسلامية تستهدف رد الناس إلى ألوهية الله وحده وربوبيته وقوامته وحاكميته وسلطانه وشريعته - وأن يخلع كل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولاءه من التجمع العضوي الحركي الجاهلي - أي التجمع الذي جاء منه - ومن قيادة ذلك التجمع - في أية صورة كانت ، سواء كانت في صورة قيادة دينية ، من الكهنة والسدنة والسحرة والعرافين ومن إليهم ، أو في صورة قيادة سياسية واجتماعية واقتصادية كالتي كانت لقريش ، وأن يحصر ولاءه في التجمع العضوي الحركي الإسلامي الجديد وفي قيادته المسلمة .
لم يكن بد أن يتحقق هذا منذ اللحظة الأولى لدخول المسلم في الإسلام ، ولنطقه بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . لأن وجود المجتمع المسلم لا يتحقق إلا بهذا . لا يتحقق بمجرد قيام القاعدة النظرية في قلوب أفراد مهما تبلغ كثرتهم ؛ لا يتمثلون في تجمع عضوي متناسق متعاون ؛ له وجود ذاتي مستقل ، يعمل أعضاؤه عملاً عضوياً - كأعضاء الكائن الحي - على تأصيل وجوده وتعميقه وتوسيعه ؛ وعلى الدفاع عن كيانه ضد العوامل التي تهاجم وجوده وكيانه . ويعملون في هذا تحت قيادة مستقلة عن قيادة المجتمع الجاهلي تنظم تحركهم وتنسقه ، وتوجهه لتأصيل وتعميق وتوسيع وجودهم الإسلامي . ولمكافحة ومقاومة وإزالة الوجود الآخر الجاهلي .
وهكذا وجد الإسلام . . هكذا وجد متمثلا في قاعدة نظرية مجملة - ولكنها شاملة - يقوم عليها في نفس اللحظة تجمع عضوي حركي مستقل منفصل عن المجتمع الجاهلي ومواجه لهذا المجتمع . . ولم يوجد قط في صورة " نظرية " مجردة عن هذا الوجود الفعلي . . وهكذا يمكن أن يوجد الإسلام مرة أخرى . . ولا سبيل لإعادة نشأته في ظل المجتمع الجاهلي في أي زمان وفي أي مكان ، بغير الفقه الضروري لطبيعة نشأته العضوية الحركية .
وحين ندرك طبيعة هذه النشأة وأسرارها الفطرية ؛ وندرك معها طبيعة هذا الدين وطبيعة منهجه الحركي- على ما بينا في مقدمة سورة الأنفال في الجزء التاسع - ندرك معه مدلولات هذه النصوص والأحكام التي نواجهها في ختام هذه السورة ، في تنظيم المجتمع المسلم وتنظيم علاقاته مع المؤمنين المهاجرين المجاهدين - بطبقاتهم - والذين آووا ونصروا ؛ وعلاقاته مع الذين آمنواولم يهاجروا ؛ وعلاقاته مع الذين كفروا . . إنها كلها تقوم على أساس ذلك الفقه بطبيعة النشأة العضوية الحركية للمجتمع الإسلامي .
ونستطيع الآن أن نواجه هذه النصوص والأحكام الواردة فيها :
{ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض . والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا . وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر - إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق - والله بما تعملون بصير . والذين كفروا بعضهم أولياء بعض . . إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير } . .
لقد انخلع كل من قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله في مكة من الولاء لأسرته ، والولاء لعشيرته ، والولاء لقبيلته ، والولاء لقيادته الجاهلية الممثلة في قريش ؛ وأعطى ولاءه وزمامه لمحمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وللتجمع الصغير الناشئ الذي قام بقيادته . في حين وقف المجتمع الجاهلي يدفع عن وجوده الذاتي خطر هذا التجمع الجديد - الخارج عليه حتى قبل اللقاء في المعركة الحربية - يحاول سحق هذا التجمع الوليد في نشأته .
عندئذ آخى رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - بين أعضاء هذا التجمع الوليد . . أي أنه حول هؤلاء " الأفراد " الآتين من المجتمع الجاهلي أفراداً ، إلى " مجتمع " متكافل ، تقوم رابطة العقيدة فيه مقام رابطة الدم والنسب ؛ ويقوم الولاء لقيادته الجديدة مقام الولاء للقيادة الجاهلية ، ويقوم الولاء فيه للمجتمع الجديد مقام كل ولاء سابق .
ثم لما فتح الله للمسلمين دار الهجرة في المدينة ؛ بعد أن وجد فيها مسلمون بايعوا القيادة الإسلامية على الولاء المطلق ، والسمع والطاعة في المنشط والمكره ، وحماية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يحمون منه أموالهم وأولادهم ونساءهم ؛ وقامت الدولة المسلمة في المدينة بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاد رسول الله فآخى بين المهاجرين والأنصار تلك المؤاخاة التي تقوم مقام رابطة الدم والنسب كذلك بكل مقتضياتها . بما في ذلك الإرث والديات والتعويضات التي تقوم بها رابطة الدم في الأسرة والعشيرة . . وكان حكم الله تعالى :
{ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض } . .
أولياء في النصرة ، وأولياء في الإرث ، وأولياء في الديات والتعويضات وسائر ما يترتب على رابطة الدم والنسب من التزامات وعلاقات .
ثم وجد أفراد آخرون دخلوا في هذا الدين عقيدة ؛ ولكنهم لم يلتحقوا بالمجتمع المسلم فعلاً . . لم يهاجروا إلى دار الإسلام التي تحكمها شريعة الله وتدبر أمرها القيادة المسلمة ؛ ولم ينضموا إلى المجتمع المسلم الذي أصبح يملك داراً يقيم فيها شريعة الله ؛ ويحقق فيها وجوده الكامل ؛ بعدما تحقق له وجوده في مكة نسبيا ، بالولاء للقيادة الجديدة والتجمع في تجمع عضوي حركي ، مستقل ومنفصل عن المجتمع الجاهلي ومواجه له بهذا الوجود المستقل المميز .
وجد هؤلاء الأفراد سواء في مكة ، أو في الأعراب حول المدينة . يعتنقون العقيدة ، ولكنهم لا ينضمون للمجتمع الذي يقوم على هذه العقيدة ؛ ولا يدينون فعلا دينونة كاملة للقيادة القائمة عليه . .
وهؤلاء لم يعتبروا أعضاء في المجتمع المسلم ؛ ولم يجعل الله لهم ولاية - بكل أنواع الولاية - مع هذا المجتمع ، لأنهم بالفعل ليسوا من المجتمع الإسلامي . وفي هؤلاء نزل هذا الحكم :
( والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا . وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ، إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ) .
وهذا الحكم منطقي ومفهوم مع طبيعة هذا الدين - التي أسلفنا - ومع منهجه الحركي الواقعي . فهؤلاء الأفراد ليسوا أعضاء في المجتمع المسلم ؛ ومن ثم لا تكون بينهم وبينه ولاية . . ولكن هناك رابطة العقيدة ؛ وهذه لا ترتب - وحدها - على المجتمع المسلم تبعات تجاه هؤلاء الأفراد ؛ اللهم إلا أن يعتدي عليهم في دينهم ؛ فيفتنوا مثلاً عن عقيدتهم . فإذا استنصروا المسلمين - في دار الإسلام - في مثل هذا ، كان على المسلمين أن ينصروهم في هذه وحدها . على شرط ألا يخل هذا بعهد من عهود المسلمين مع معسكر آخر . ولو كان هذا المعسكر هو المعتدي على أولئك الأفراد في دينهم وعقيدتهم ! ذلك أن الأصل هو مصلحة المجتمع المسلم وخطته الحركية وما يترتب عليها من تعاملات وعقود . فهذه لها الرعاية أولاً ، حتى تجاه الاعتداء على عقيدة أولئك الذين آمنوا ، ولكنهم لم ينضموا للوجود الفعلي لهذا الدين المتمثل في التجمع الإسلامي . .
. . وهذا يعطينا مدى الأهمية التي يعلقها هذا الدين على التنظيم الحركي الذي يمثل وجوده الحقيقي . .
فكل عملكم تحت بصره - سبحانه - يرى مداخله ومخارجه ، ومقدماته ونتائجه ، وبواعثه وآثاره .
ولما بين للأسرى أن الخير الذي لم يطلع عليه من قلوبهم غير الله لا ينفعهم في إسقاط الفداء عنهم لأنه لا دليل عليه ، وكل ما لا دليل عليه فحكمه حكم العدم ، لأن مبنى الشرع{[35386]} على ما{[35387]} يمكن المكلف معرفته وهو الظواهر ، وختم بصفتي العلم والحكمة ، شرع يبين الخبر الذي يفيد القرب الذي تنبني عليه المناصرة وكل خير ، فقال مقسماً أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أقسام : قسم جمع الإيمان والهجرة أولاً والجهاد ، وقسم آوى ، وقسم آمن ولم يهاجر ، وقسم هاجر من بعد : { إن الذين آمنوا } أي بالله ورسوله { وهاجروا } أي واقعوا الهجرة من بلاد الشرك ، وهم المهاجرون الأولون ، هجروا أوطانهم وعشائرهم وأحبابهم حباً لله ورسوله صلى الله عليه وسلم { وجاهدوا } أي واقعوا{[35388]} الجهاد ، وهو بذل الجهد في توهين الكفر وأهله .
ولما كانت الآيات المتقدمه في آلات{[35389]} الجهاد من النفس والمال تارة بالحث على إنفاقه وأخرى بالنهي عن حبه وتارة بالتسلية للأسرى عند{[35390]} فقده ، كان الأنسب تقديم قوله : { بأموالهم } أي بإنفاقهم لها في{[35391]} الجهاد وتضييع بعضها بالهجرة من الديار والنخيل وغيرها { وأنفسهم } بإقدامهم على القتال مع شدة الأعداء وكثرتهم ؛ وقدم المال لأنه سبب قيام النفس ، وكان في غاية العزة في{[35392]} أول الأمر ، وأخر قوله : { في سبيل الله } أي الملك الأعظم لذلك ، " وفي " سببية{[35393]} أي جاهدوا بسببه حتى لا يصد عنه صاد فتظهر محاسنه ويسهل المرور فيه من غير قاطع ، ولعله عبر ب " في " إعلاماً{[35394]} بأنه ينبغي أن يكون متمكناً من السبيل تمكن المظروف من ظرفه حتى يكون الدين غالباً عليه لا يخرج عنه بوجه من الوجوه ، وأما في سورة براءة{[35395]} فلما كان السياق في بعض الأماكن بها للسبيل قدم - كما سيأتي ، وأيضاً فإن هذه السورة نزلت في أوائل الأمر بعد وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة ، وكان الحال إذ ذاك شديداً جداً ، والأموال في غاية القلة ، والأعداء لا يحصون ، فناسب الاهتمام بشأن المال والنفس فقدما ترغيباً في بذلهما ، وأما براءة فنزلت في غزوة تبوك في أواخر سنة تسع ، فكان{[35396]} المال قد اتسع ، والدين قد عز وضخم وقوي وعظم ، وأسلم غالب الناس ، فبعدت مواضع الجهاد فعظمت المشقة ، وتواكل الناس بعضهم على بعض ورغبوا في الإقبال على إصلاح الأموال ، فناسب البداءة هناك بالسبيل .
ولما ذكر أهل الهجرة الأولى ، أتبعهم أهل النصرة ، وهم القسم الثاني من المؤمنين الذين كانوا على زمنه صلى الله عليه وسلم فقال : { والذين آووا } أي من{[35397]} هاجر{[35398]} إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم فأسكنوهم في ديارهم ، وقسموا لهم من أموالهم ، وعرضوا عليهم أن ينزلوا لهم عن بعض نسائهم ليتزوجوهن ، وأنما قصر الفعل إشارة إلى تعظيم فعلهم بحيث كأنه{[35399]} لا إيواء في الوجود غير ما فعلوا ، وكذا قوله : { ونصروا } أي الله ورسوله والمؤمنين ، وهم الأنصار رضي الله عنهم ، حازوا هذين الوصفين الشريفين فكانوا في الذروة من كلتي الحسنيين{[35400]} ، ولولا إيواؤهم ونصرهم{[35401]} لما تم المقصود ، والمهاجرون الأولون أعلى منهم لسبقهم في الإيمان الذي هو رئيس الفضائل ولحملهم الأذى من الكفار زماناً طويلاً وصبرهم على فرقة الأوطان والعشائر .
وأشار إلى القسمين بأداة البعد لعلو مقامهم وعز{[35402]} مرامهم فقال : { أولئك } أي العالو الرتبة { بعضهم أولياء بعض } أي في الميراث دون القرب العاري عن ذلك ، فبين أن الإيمان إن لم يقترن{[35403]} بشهيدين هما الهجرة والجهاد من الغرب{[35404]} عن المدينة وشهيدين هما الإيواء والنصرة من أهل المدينة ، كان عائقاً عن مطلق القرب بل مانعاً من نفوذ لحمة النسب كل النفوذ{[35405]} ، فكأن من آمن ولم يهاجر لم يرث ممن هاجر قاله ابن عباس رضي الله عنهما ، ومادة ولي بجميع تصاريفها ترجع إلى الميل ، ويلزم منه القرب والبعد{[35406]} ، وربما نشأ عن كل منهما الشدة ، وترتيب ولي بخصوصه يدور على القرب ، ومن لوازمه النصرة ، فالمعنى بعضهم أقرباء بعض ، يلزم كلاً منهم في حق الآخر من المناصرة وغيرها ما يلزم القريب لقريبه ، فمتى جمعهم وصف جعلهم شركاء فيما يثمره ، فوصف الحضور في غزوة يشرك بينهم في الغنائم ، لأن أنواع الجهاد كثيرة ، وكل واحد منهم باشر بعضها ، فعن حضور الكل نشأت النصرة ، والمهاجر في الأصل من فارق الكفار بقلبه ولاواهم ، ورافق المؤمنين بحبه ولبه ووالاهم ، لكن لما كان هذا قد يخفى ، نيط الأمر بالمظنة وهي الدار ، لأنها أمر ظاهر ، فصار المهاجر من باعد دار المشركين فراراً بدينه ، ثم صار شرط ذلك بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون النقلة إلى دار هجرته : المدينة الشريفة هذا حكم كل مهاجر إلا ما{[35407]} كان من خزاعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد علم من مؤمنهم وكافرهم حبه ونصحه وبغض عدوه فلم يلزم مؤمنهم النقلة ؛ قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في كتاب المدخل إلى الاستيعاب ؛ ويقال لخزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم {[35408]}لأنهم حلفاء بني هاشم وقد أدخلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم{[35409]} في كتاب القضية عام الحديبية - إلى أن قال : وأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم منزلة لم يعطها أحداً من الناس أن جعلهم مهاجرين بأرضهم وكتب لهم بذلك كتاباً - انتهى . وقال شاعرهم نجيد{[35410]} بن عمران الخزاعي يفخر{[35411]} بذلك وغيره مما خصهم الله به على يد{[35412]} رسول الله صلى الله عليه وسلم :وقد أنشأ الله{[35413]} السحاب بنصرنا *** {[35414]}ركام سحاب{[35415]} الهيدب المتراكب
وهجرتنا في أرضنا عندنا بها *** كتاب أتى من خير ممل وكاتب
ومن أجلنا حلت بمكة حرمة *** لندرك ثأراً بالسيوف القواضب
ذكر ذلك الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي في غزوة الفتح من سيرته ، والذي تولى حلفهم أولاً هو عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الواقدي في أول غزوة الفتح : وكانت خزاعة حلفاء لعبد المطلب ، وكان رسول صلى الله عليه وسلم بذلك عارفاً ، لقد جاءته يومئذ - يعني يوم الحديبية - خزاعة بكتاب عبد المطلب فقرأه وهو " باسمك اللهم هذا حلف عبد المطلب بن هاشم لخزاعة{[35416]} إذ قدم عليه{[35417]} وسراتهم{[35418]} وأهل الرأي ، غائبهم مقر بما قضى عليه شاهدهم ، إن بيننا وبينكم عهد الله وعقوده ، ما لا ينسى أبداً ، اليد واحدة{[35419]} والنصر واحد ، ما أشرف{[35420]} ثبير وثبت حراء ، وما بل بحر صوفة ، لا يزداد فيما بيننا وبينكم إلا تجدداً أبداً أبداً ، الدهر سرمداً " فقرأه عليه أبيّ بن كعب رضي الله عنه فقال : " ما أعرفني بحلفكم وأنتم على{[35421]} ما أسلمتم عليه من الحلف ، وكل حلف كان في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة ، ولا حلف في الإسلام " ؛ قال الواقدي : " وجاءته أسلم وهو بغدير الأشطاط{[35422]} " جاء بهم بريده بن الحصيب فقال : يارسول الله هذه أسلم وهذه محالّها وقد هاجر إليك من{[35423]} هاجر منها وبقي{[35424]} قوم منهم في مواشيهم ومعاشهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنتم{[35425]} مهاجرون حيث كنتم ، ودعا العلاء بن الحضرمي فأمره أن يكتب لهم كتاباً فكتب " هذا كتاب من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسلم لمن آمن منهم بالله وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، فإنه آمن بأمان الله ، وله ذمة الله وذمة رسوله ، وإن أمرنا وأمركم واحد على من دهمنا من الناس بظلم ، اليد واحدة والنصر واحد ، ولأهل باديتهم مثل{[35426]} ما لأهل قرارهم{[35427]} وهم{[35428]} مهاجرون حيث كانوا " وكتب العلاء بن الحضرمي فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : يا رسول الله ! نعم الرجل بريدة بن الحصيب لقومه عظيم البركة عليهم ، مررنا به ليلة مررنا ونحن مهاجرون إلى المدينة ، فأسلم وأسلم معه من قومه من أسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم الرجل بريدة لقومه وغير قومه يا أبا بكر إن خير القوم من كان مدافعاً عن قومه ما لم يأثم ، فإن الإثم لا خير فيه " انتهى . وأسلم شعب من أربعة شعوب من خزاعة . ولما فتحت مكة ، انقطعت الهجرة لظهور الدين وضعف المشركين ، وقام مقام الهجرة النية الخالصة المدلول عليها بالجهاد كما قال صلى الله عليه وسلم " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية " وقال صلى الله عليه وسلم :
" المهاجر من هجر ما نهى الله عنه " فإن كان المؤمن لا يتمكن من إظهار دينه وجبت{[35429]} عليه النقلة .
ولما بين سبحانه تعالى أمر من جمع{[35430]} الشروط ، شرع يبين حكم من قعد{[35431]} عن بعضها وهو القسم الثالث فقال ؛ { والذين آمنوا } أي اشتهر إيمانهم { ولم يهاجروا } أي قبل الفتح بل استمروا في بلادهم { ما لكم من ولايتهم } وأغرق في النفي فقال : { من شيء } أي{[35432]} في التوارث ولا في غيره ؛ ورغبهم في الهجرة بقوله : { حتى يهاجروا } أي يواقعوا{[35433]} الهجرة لدار الشرك ومن فيها { وإن استنصروكم } أي طلبوا نصركم { في الدين } أي بسبب أمر من أموره وهم متمكنون من الدين تمكن المظروف من الظرف { فعليكم النصر } أي واجب عليكم أن تنصروهم{[35434]} على المشركين ، فالمعنى أنه ليس لهم عليكم حق القريب إلا في الاستنصار في الدين ، فإن ترك نصرهم يجر إلى مفسدة كما أن موالاتهم تجر إلى مفاسد ؛ ثم استثنى من الوجوب فقال : { إلا على قوم } وقع وكان { بينكم وبينهم ميثاق } أي لأن استنصارهم يوقع بين مفسدتين : ترك{[35435]} نصرة المؤمن ونقض العهد وهو أعظمهما فقدمت{[35436]} مراعاته وتركت نصرتهم{[35437]} ، فإن نصرهم الله على الكفار فهو المراد من غير أن تدنسوا بنقض ، وإن نصر الكفار حصل لمن قتل من إخوانكم الشهادة ولمن بقي الضمان بالكفاية ، وكان ذلك داعياً لهم إلى الهجرة{[35438]} ، ومن ارتد منهم أبعده الله ولن يضر إلا نفسه والله غنى حميد ، فقد وقع - كما ترى - تقسيم المؤمنين إلى ثلاثة أقسام : أعلاها المهاجر ، ويليه الناصر ، وأدناها القاعد القاصر ، وبقي قسم رابع ياتي{[35439]} ؛ قال أبو حيان : فبدأ بالمهاجرين - أي{[35440]} الأولين - لأنهم أصل الإسلام وأول من استجاب لله تعالى ، فهاجر قوم إلى المدينة ، وقوم إلى الحبشة ، وقوم إلى ابن ذي يزن ، ثم هاجروا إلى المدينة وكانوا قدوة لغيرهم في الإيمان وسبب تقوية الدين " من سنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل{[35441]} بها إلى يوم القيامه " وثنى بالأنصار لأنهم ساووهم في الإيمان وفي الجهاد بالنفس والمال ، لكنه عادل بالهجرة{[35442]} الإيواء والنصرة ، وانفرد المهاجرون بالسبق ، وذكر ثالثاً من آمن ولم ينصر ، ففاتهم هاتان الفضيلتان وحرموا الولاية حتى يهاجروا ، ثم قال : آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ، فكان المهاجري يرثه أخوه الأنصاري إذا لم يكن له بالمدينة ولي مهاجري ، ولا توارث بينه وبين قريبه المسلم غير المهاجري{[35443]} ، قال ابن زيد : واستمر أمرهم كذلك إلى{[35444]} فتح مكة - انتهى . لكن ما ذكر ابن عبد البر - كما سيأتي - من أن حكم ذلك زال بوقعة بدر أولى للآية الآتية{[35445]} آخر السورة مع ما يؤيد ذلك من آية الأحزاب{[35446]} .
ولما كان التقدير : فالله بمصالحكم خبير ، وكان{[35447]} للنفوس دواع إلى مناصرة الأقارب والأحباب ومعاداة غيرهم خفية ، ولها دسائس{[35448]} تدرك ، حذر من ذلك بقوله عاطفاً على هذا المقدر : { والله } أي المحيط علماً وقدرة ، ولما كان السياق لبيان المصالح التي تنظم الدين وتهدم ما عداه ، وكان للنفوس - كما تقدم - أحوال ، اقتضى تأكيد العلم بالخفايا فقدم الجار الدال على الاختصاص الذي هو هنا كناية عن إحاطة العلم فقط مرهباً : { بما تعملون بصير* } وفي ذلك أيضاً ترغيب في العمل بما حث عليه من الإيمان والهجرة والنصرة والإنفاق والتحري في جميع من{[35449]} ذلك وترهيب من العمل بأضدادها ، وفي " البصير " إشارة إلى العلم بما يكون من ذلك خالصاً أو مشوباً ، ففيه مزيد حث على الإخلاص .