في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ} (100)

99

لتدارك ما فات ، والإصلاح فيما ترك وراءه من أهل ومال . . وكأنما المشهد معروض اللحظة للأنظار ، مشهود كالعيان ! فإذا الرد على هذا الرجاء المتأخر لا يوجه إلى صاحب الرجاء ، إنما يعلن على رؤوس الأشهاد :

( كلا . إنها كلمة هو قائلها . . . )

كلمة لا معنى لها ، ولا مدلول وراءها ، ولا تنبغي العناية بها أو بقائلها . إنها كلمة الموقف الرهيب ، لا كلمة الإخلاص المنيب . كلمة تقال في لحظة الضيق ، ليس لها في القلب من رصيد !

وبها ينتهي مشهد الاحتضار . وإذا الحواجز قائمة بين قائل هذه الكلمة والدنيا جميعا . فلقد قضي الأمر ، وانقطعت الصلات ، وأغلقت الأبواب ، وأسدلت الأستار :

( ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ) . .

فلا هم من أهل الدنيا ، ولا هم من أهل الآخرة . إنما هم في ذلك البرزخ بين بين ، إلى يوم يبعثون .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ} (100)

{ فيما تركت } قيل : يعني فيما تركت من المال ، وقيل : فيما تركت من الإيمان فهو كقوله : أو كسبت في إيمانها خيرا ، والمعنى أن الكافر رغب أن يرجع إلى الدنيا ليؤمن ويعمل صالحا في الإيمان الذي تركه أول مرة .

{ كلا } ردع له عما طلب .

{ إنها كلمة هو قائلها } : يعني قوله : { رب ارجعون لعلي أعمل صالحا } [ المؤمنون : 99-100 ] فسمى هذا الكلام كلمة وفي تأويل معناه ثلاثة أقوال :

أحدها : أن يقول هذه الكلمة لا محالة لإفراط ندمه وحسرته فهو إخبار بقوله .

والثاني : أن المعنى أنها كلمة يقولها ولا تنفعه ولا تغني عنه شيئا .

والثالث : أن يكون المعنى أنه يقولها كاذبا فيها ، ولو رجع إلى الدنيا لم يعمل صالحا . { ومن ورائهم } أي : فيما يستقبلون من الزمان والضمير للجماعة المذكورين في قوله : { جاء أحدهم }

{ برزخ } : يعني المدة التي بين الموت والقيامة ، وهي تحول بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا ، وأصل البرزخ الحاجز بين شيئين .