في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ} (181)

180

ثم يندد باليهود الذين وجدوا في أيديهم المال - الذي آتاهم الله من فضله - فحسبوا أنفسهم أغنياء عن الله ، لا حاجة بهم إلى جزائه ، ولا إلى الأضعاف المضاعفة التي يعدها لمن يبذل في سبيله - وهو ما يسميه تفضلا منه ومنة اقراضا له سبحانه - وقالوا في وقاحة : ما بال الله يطلب الينا أن نقرضه من مالنا . ويعطينا عليه الأضعاف المضاعفة ، وهو ينهى عن الربا والأضعاف المضاعفة ؟ ! وهو تلاعب بالألفاظ ينم عن القحة وسوء الأدب في حق الله :

( لقد سمع الله قول الذين قالوا : إن الله فقير ونحن أغنياء . سنكتب ما قالوا ! وقتلهم الأنبياء بغير حق ، ونقول ذوقوا عذاب الحريق . ذلك بما قدمت أيديكم ، وأن الله ليس بظلام للعبيد ) .

وسوء تصور اليهود للحقيقة الإلهية شائع في كتبهم المحرفة . ولكن هذه تبلغ مبلغا عظيما من سوء التصور ومن سوء الأدب معا . . ومن ثم يستحقون هذا التهديد المتلاحق :

( سنكتب ما قالوا ) . .

لنحاسبهم عليه ، فما هو بمتروك ولا منسي ولا مهمل . . وإلى جانبه تسجيل آثامهم السابقة - وهي آثام جنسهم وأجيالهم متضامنة فيه - فكلهم جبلة واحدة في المعصية والإثم :

( وقتلهم الأنبياء بغير حق ) . .

وقد حفظ تاريخ بني إسرائيل سلسلة أثيمة في قتل الأنبياء ، آخرها محاولتهم قتل المسيح عليه السلام . . وهم يزعمون أنهم قتلوه ، متباهين بهذا الجرم العظيم . . !

( ونقول ذوقوا عذاب الحريق ) . .

والنص على " الحريق " هنا مقصود لتبشيع ذلك العذاب وتفظيعه . ولتجسيم مشهد العذاب بهوله وتأججه وضرامه . . جزاء على الفعلة الشنيعة : قتل الأنبياء بغير حق . وجزاء على القولة الشنيعة : إن الله فقير ونحن أغنياء .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ} (181)

عهد إلينا : أوصانا .

بقربان : هو ما يذبح من الأنعام تقربا إلى الله .

بالبينات : الآيات الواضحة .

أبو بكر وفنحاص .

روى الطبري عن ابن عباس قال : دخل أبو بكر بيت المدارس فوجدَ من يهودَ ناساً كثيرا ، قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص ، كان من علمائهم وأحبارهم . فقال أبو بكر لفنحاص : ويحك يا فنحاص ، اتَّق الله وأسلم ، فوالله إنك لَتعلم أن محمداً رسول الله ، قد جاءكم بالحق من عند الله ، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل . قال فنحاص : واللهِ يا أبا بكر ، ما بنا إلى الله من فقر ، وإنه إلينا لَفقير . وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا . وإنّا عنه لأغنياء . ولو كان عنا غنياً ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم ، يشير إلى قوله تعالى { مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً } . فغضب أبو بكر فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة ، وقال : والذي نفسي بيده ، لولا العهد الذي بيننا وبينك ، لضربتُ عنقك يا عدو الله ، فذهب فنحاص إلى رسول الله ، فقال : يا محمد ، انظر ما صنع بي صاحبُك . فقال رسول الله لأبي بكر : ما حَمَلَكَ على ما صنعت ؟ فقال : يا رسول الله ، إن عدو الله قال قولاً عظيما . . زعم أن الله فقير ، وأنهم عنه أغنياء . فلما قال ذلك غضبتُ لله مما قال ، فضربت وجهه . فجحد ذلك فنحاص ، وقال : ما قلت ذلك . فأنزل الله تعالى ردّاً عليه وتصديقاً لأبي بكر { لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين . . . الآية } .

المدارس : مكان الدرس ، وبَيْعة اليهود ، وهم يلفظونها مدارش .

قد سمع الله من قالوا هذه المقالة المنكرة ولم يَخْفَ عليه شيء . وسيجزيهم على ذلك أشد الجزاء ، ولقد سجّل عليهم ذلك القولَ الشنيع كما سجل عليهم قتلهم الأنبياء ظلماً وعدوانا ، وسينتقم منهم يوم القيامة ، ويقول لهم : ذوقوا عذاب النار المحرقة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ} (181)

قوله تعالى : " لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء " ذكر تعالى قبيح قول الكفار ولا سيما اليهود . وقال أهل التفسير : لما أنزل الله " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " {[3749]} [ البقرة : 245 ] قال قوم من اليهود - منهم حيي بن أخطب ، في قول الحسن . وقال عكرمة وغيره : هو فنحاص بن عازوراء - إن الله فقير ونحن أغنياء يقترض منا . وإنما قالوا هذا تمويها على ضعفائهم ، لا أنهم يعتقدون هذا ؛ لأنهم أهل كتاب . ولكنهم كفروا بهذا القول ؛ لأنهم أرادوا تشكيك الضعفاء منهم ومن المؤمنين ، وتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم . أي إنه فقير على قول محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه اقترض منا . " سنكتب ما قالوا " سنجازيهم عليه . وقيل : سنكتبه في صحائف أعمالهم ، أي نأمر الحفظة بإثبات قولهم حتى يقرؤوه يوم القيامة في كتبهم التي يؤتونها ، حتى يكون أوكد للحجة عليهم . وهذا كقوله : " وإنا له كاتبون " {[3750]} [ الأنبياء : 94 ] . وقيل : مقصود الكتابة الحفظ ، أي سنحفظ ما قالوا لنجازيهم . " وما " في قوله " ما قالوا " في موضع نصب ب " سنكتب " . وقرأ الأعمش وحمزة " سيكتب " بالياء ؛ فيكون " ما " اسم ما لم يسم فاعله . واعتبر حمزة ذلك بقراءة ابن مسعود : " و يقال ذوقوا عذاب الحريق " .

قوله تعالى : " وقتلهم الأنبياء " أي ونكتب قتلهم الأنبياء ، أي رضاهم بالقتل . والمراد قتل أسلافهم الأنبياء ، لكن لما رضوا بذلك صحت الإضافة إليهم . وحسن رجل عند الشعبي ، قتل عثمان رضي الله عنه فقال له الشعبي : شركت في دمه . فجعل الرضا بالقتل قتلا ، رضي الله عنه .

قلت : وهذه مسألة عظمى ، حيث يكون الرضا بالمعصية معصية . وقد روى أبو داود عن العُرْس بن عميرة الكندي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها - وقال مرة فأنكرها - كمن غاب عنها ، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها ) . وهذا نص . قوله تعالى : " بغير حق " تقدم معناه في البقرة{[3751]} . " ونقول ذوقوا عذاب الحريق " أي يقال لهم في جهنم ، أو عند الموت ، أو عند الحساب هذا . ثم هذا القول من الله تعالى ، أو من الملائكة ، قولان . وقراءة ابن مسعود " ويقال " . والحريق اسم للملتهبة من النار ، والنار تشمل الملتهبة وغير الملتهبة .


[3749]:- راجع جـ2 ص 237.
[3750]:-راجع جـ12 ص 339.
[3751]:- راجع جـ1 ص 431.