في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلِتَصۡغَىٰٓ إِلَيۡهِ أَفۡـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَلِيَرۡضَوۡهُ وَلِيَقۡتَرِفُواْ مَا هُم مُّقۡتَرِفُونَ} (113)

وهناك حكمة أخرى غير ابتلاء الشياطين ، وابتلاء المؤمنين . . لقد قدر الله أن يكون هذا العداء ، وأن يكون هذا الايحاء ، وأن يكون هذا الغرور بالقول والخداع . . لحكمة أخرى :

( ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وليرضوه ، وليقترفوا ما هم مقترفون ) أي لتستمع إلى ذلك الخداع والإيحاء قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة . . فهؤلاء يحصرون همهم كله في الدنيا . وهم يرون الشياطين في هذه الدنيا يقفون بالمرصاد لكل نبي وينالون بالأذى أتباع كل نبي ويزين بعضهم لبعض القول والفعل فيخضعون للشياطين ، معجبين بزخرفهم الباطل ، معجبين بسلطانهم الخادع . ثم يكسبون ما يكسبون من الإثم والشر والمعصية والفساد . في ظل ذلك الإيحاء ، وبسبب هذا الإصغاء . .

وهذا أمر أراده الله كذلك وجرى به قدره . لما وراءه من التمحيص والتجربة . ولما فيه من إعطاء كل أحد فرصته ليعمل لما هو ميسر له ؛ ويستحق جزاءه بالعدل والقسطاس .

ثم لتصلح الحياة بالدفع ؛ ويتميز الحق بالمفاصلة ؛ ويتمحض الخير بالصبر ؛ ويحمل الشياطين أوزارهم كاملة يوم القيامة . . وليجري الأمر كله وفق مشيئة الله . . أمر أعدائه وأمر أوليائه على السواء . . إنها مشيئة الله ، والله يفعل ما يشاء . .

والمشهد الذي يرسمه القرآن الكريم للمعركة بين شياطين الإنس والجن من ناحية ، وكل نبي وأتباعه من ناحية أخرى ؛ ومشيئة الله المهيمنة وقدره النافذ من ناحية ثالثة . . هذا المشهد بكل جوانبه جدير بأن نقف أمامه وقفة قصيرة :

إنها معركة تتجمع فيها قوى الشر في هذا الكون . . شياطين الإنس والجن . . تتجمع في تعاون وتناسق لإمضاء خطة مقررة . . هي عداء الحق الممثل في رسالات الأنبياء وحربه . . خطة مقررة فيها وسائلها . . ( يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ) . . يمد بعضهم بعضاً بوسائل الخداع والغواية ؛ وفي الوقت ذاته يغوي بعضهم بعضا ! وهي ظاهرة ملحوظة في كل تجمع للشر في حرب الحق وأهله . . إن الشياطين يتعاونون فيما بينهم ؛ ويعين بعضهم بعضاً على الضلال أيضاً ! إنهم لا يهدون بعضهم البعض إلى الحق أبداً . ولكن يزين بعضهم لبعض عداء الحق وحربه والمضي في المعركة معه طويلاً !

ولكن هذا الكيد كله ليس طليقاً . . إنه محاط به بمشيئة الله وقدره . . لا يقدر الشياطين على شيء منه إلا بالقدر الذي يشاؤه الله وينفذه بقدره . ومن هنا يبدو هذا الكيد - على ضخامته وتجمع قوى الشر العالمية كلها عليه - مقيداً مغلولاً ! إنه لا ينطلق كما يشاء بلا قيد ولا ضابط . ولا يصيب من يشاء بلا معقب ولا مراجع - كما يحب الطغاة أن يلقوا في روع من يعبدونهم من البشر ، ليعلقوا قلوبهم بمشيئتهم وإرادتهم . . كلا ! إن إرادتهم مقيدة بمشيئة الله . وقدرتهم محدودة بقدر الله . وما يضرون أولياء الله بشيء إلا بما أراده الله - في حدود الابتلاء - ومرد الأمر كله إلى الله .

ومشهد التجمع على خطة مقررة من الشياطين جدير بأن يسترعي وعي أصحاب الحق ليعرفوا طبيعة الخطة ووسائلها . . ومشهد إحاطة مشيئة الله وقدره بخطة الشياطين وتدبيرهم جدير كذلك بأن يملأ قلوب أصحاب الحق بالثقة والطمأنينة واليقين ، وأن يعلق قلوبهم وأبصارهم بالقدرة القاهرة والقدر النافذ ، وبالسلطان الحق الأصيل في هذا الوجود ، وأن يطلق وجدانهم من التعلق بما يريده أو لا يريده الشياطين ! وأن يمضوا في طريقهم يبنون الحق في واقع الخلق ، بعد بنائه في قلوبهم هم وفي حياتهم . أما عداوة الشياطين ، وكيد الشياطين ، فليدعوهما للمشيئة المحيطة والقدر النافذ .

( ولو شاء ربك ما فعلوه . فذرهم وما يفترون ) . .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلِتَصۡغَىٰٓ إِلَيۡهِ أَفۡـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَلِيَرۡضَوۡهُ وَلِيَقۡتَرِفُواْ مَا هُم مُّقۡتَرِفُونَ} (113)

تصغى : تميل ، الفعل الماضي صَغِي يصغى .

اقترف الذنب : ارتكبه ، واقترف المال اكتسبه .

إن قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة لَتستمع إلى ذلك الخداع والقول المموَّه بالباطل فهؤلاء يحصُرون همَّهم كلّه في الدنيا ، ويعتقدون أن الحياة هي الدنيا فقط ، وينالون أتباع النبي بالأذى .

{ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ } .

يعني : تميل أفئدة المشركين إلى الباطل وترضاه وتخضع للشياطين ، ومعجبين بزخرفهم الباطل ، فليرتكبوا من هذه الدسائس ما هم مرتكبون فإنهم لن يضروك بشيء .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلِتَصۡغَىٰٓ إِلَيۡهِ أَفۡـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَلِيَرۡضَوۡهُ وَلِيَقۡتَرِفُواْ مَا هُم مُّقۡتَرِفُونَ} (113)

قوله تعالى : " ولتصغى إليه أفئدة " تصغى تميل ، يقال : صغوت أصغو صغوا وصغوا ، وصغيت أصغي ، وصغيت بالكسر أيضا . يقال منه : صغي يصغى صغى وصغيا ، وأصغيت إليه إصغاء بمعنىً .

قال الشاعر :

ترى السفيه به عن كل محكمة{[6662]} *** زَيْغٌ وفيه إلى التشبيه إصغاء

ويقال : أصغيت الإناء إذا أملته ليجتمع ما فيه . وأصله الميل إلى الشيء لغرض من الأغراض . ومنه صغت النجوم : مالت للغروب . وفي التنزيل : " فقد صغت قلوبكما{[6663]} " [ التحريم : 4 ] . قال أبو زيد : يقال{[6664]} صغوه معك وصغوه ، وصغاه معك ، أي ميله . وفي الحديث : ( فأصغى لها الإناء ) يعني للهرة . وأكرموا فلانا في صاغيته ، أي في قرابته الذين يميلون إليه ويطلبون ما عنده . وأصغت الناقة إذا أمالت رأسها إلى الرجل كأنها تستمع شيئا حين يشد عليها الرحل . قال ذو الرمة :

تُصْغِي إذا شدَّها بالكُور جانحة *** حتى إذا ما استوى في غرزها تثب{[6665]}

واللام في ولتصغى لام كي ، والعامل فيها " يوحي " تقديره : يوحي بعضهم إلى بعض ليغروهم ولتصغى . وزعم بعضهم أنها لام الأمر ، وهو غلط ؛ لأنه كان يجب " ولتصغ إليه " بحذف الألف ، وإنما هي لام كي . وكذلك " وليرضوه وليقترفوا " إلا أن الحسن قرأ " وليرضوه وليقترفوا " بإسكان اللام ، جعلها لام أمر فيه معنى التهديد ، كما يقال : افعل ما شئت . ومعنى " وليقترفوا ما هم مقترفون " أي وليكتسبوا ، عن ابن عباس والسدي وابن زيد . يقال : خرج يقترف أهله أي يكتسب لهم . وقارف فلان هذا الأمر إذا واقعه وعمله . وقرفتني بما ادعيت علي ، أي رميتني بالريبة . وقرف القرحة إذا قشر منها . واقترف كذبا . قال رؤبة :

أعيا اقترافُ الكذب المقروفِ *** تقوى التقي وعفةُ العفيف{[6666]}

وأصله اقتطاع قطعة من الشيء .


[6662]:من ا، ب، ز، ك وفي اللسان: مكرمة.
[6663]:راجع ج 18 ص 188.
[6664]:من ب، .، ك.
[6665]:الكور (بالضم): رحل الناقة بأداته، وهو كالسرج وآلته للفرس قال ابن سيده: وكثير من الناس يفتح الكاف وهو خطأ وجانحة: مائلة لاصقة. والغرز: سير كالركاب توضع فيه الرجل عند الركوب. وصف ناقته بالفطانة وسرعة الحركة.
[6666]:في ع: العفيف. وفي ا و ب و ج و ك و ز: الضعيف.