بعد ذلك يتجه السياق إلى الجماعة المسلمة ؛ يحدثها عن القيم التي ينبغي لها أن تحرص عليها ، وتضحي من أجلها ؛ ويحدثها عن أشواك الطريق ومتاعبها وآلامها ، ويهيب بها إلى الصبر والتقوى والعزم والاحتمال :
( كل نفس ذائقة الموت ، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور . لتبلون في أموالكم وأنفسكم ، ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا ، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ) . .
إنه لا بد من استقرار هذه الحقيقة في النفس : حقيقة أن الحياة في هذه الأرض موقوتة ، محدودة بأجل ؛ ثم تأتي نهايتها حتما . . يموت الصالحون يموت الطالحون . يموت المجاهدون ويموت القاعدون . يموت المستعلون بالعقيدة ويموت المستذلون للعبيد . يموت الشجعان الذين يأبون الضيم ، ويموت الجبناء الحريصون على الحياة بأي ثمن . . يموت ذوو الاهتمامات الكبيرة والأهداف العالية ، ويموت التافهون الذين يعيشون فقط للمتاع الرخيص .
الكل يموت . . ( كل نفس ذائقة الموت ) . . كل نفس تذوق هذه الجرعة ، وتفارق هذه الحياة . . لا فارق بين نفس ونفس في تذوق هذه الجرعة من هذه الكأس الدائرة على الجميع . إنما الفارق في شيء آخر . الفارق في قيمة أخرى . الفارق في المصير الأخير :
( وإنما توفون أجوركم يوم القيامة . فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ) . .
هذه هي القيمة التي يكون فيها الافتراق . وهذا هو المصير الذي يفترق فيه فلان عن فلان . القيمة الباقية التي تستحق السعي والكد . والمصير المخوف الذي يستحق أن يحسب له ألف حساب :
( فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ) . .
ولفظ " زحزح " بذاته يصور معناه بجرسه ، ويرسم هيئته ، ويلقي ظله ! وكأنما للنار جاذبية تشد إليها من يقترب منها ، ويدخل في مجالها ! فهو في حاجة إلى من يزحزحه قليلا قليلا ليخلصه من جاذبيتها المنهومة ! فمن أمكن أن يزحزح عن مجالها ، ويستنقذ من جاذبيتها ، ويدخل الجنة . . فقد فاز . .
صورة قوية . بل مشهد حي . فيه حركة وشد وجذب ! وهو كذلك في حقيقته وفي طبيعته . فللنار جاذبية ! أليست للمعصية جاذبية ؟ أليست النفس في حاجة إلى من يزحزحها زحزحة عن جاذبية المعصية ؟ بلى ! وهذه هي زحزحتها عن النار ! أليس الإنسان - حتى مع المحاولة واليقظة الدائمة - يظل أبدا مقصرا في العمل . . إلا أن يدركه فضل الله ؟ بلى ! وهذه هي الزحزحة عن النار ؛ حين يدرك الإنسان فضل الله ، فيزحزحه عن النار ! ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) . .
إنها متاع . ولكنه ليس متاع الحقيقة ، ولا متاع الصحو واليقظة . . إنها متاع الغرور . المتاع الذي يخدع الإنسان فيحسبه متاعا . أو المتاع الذي ينشىء الغرور والخداع ! فأما المتاع الحق . المتاع الذي يستحق الجهد في تحصيله . . فهو ذاك . . هو الفوز بالجنة بعد الزحزحة عن النار .
متاع الغرور : المتاع كل ما يُنتفع به ويتمتع به . الغرور : الخداع والغفلة وكل زخرف باطل .
بعد كل ما تقدم يتجه الخطاب إلى المسلمين ، يحدثهم عن القيم التي ينبغي لهم أن يحرصوا عليها ، ويضحّوا من أجلها . وهو يخبرهم أن هناك متاعب وآلاما ، فيجب أن يتجمّلوا بالصبر والتقوى . كما يذكّرهم بحقيقة مقررة ، وهي أن الحياة في هذه الأرض محددة بأجل موقوت ثم تأتي نهايتها ، فيموت الصالحون والطالحون ، المجاهدون والقاعدون ، الشجعان والجبناء ، العلماء والأنبياء . كل نفس ذائقة الموت لا محالة والبقاءُ للهِ وحده . . يومذاك يعطى العباد جزاء أعمالهم وافيا ، فمن خلَص من العذاب وأُبعد عن النار فقد فاز فوزاً عظيما .
روى الإمام أحمد ومسلم عن عبدا لله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله «من أحبّ أن يُزحزح عن النار ويدخل الجنة ، فلتدركْه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ، وليأت إلى الناس ما يحبّ أن يؤتى إليه » .
وما حياتنا هذه التي نتمتع بلذاتها ، من مأكل ومشرب أو جاه ومنصب وسيادة ، إلا متاع الغرور ، لأنها تخدع صاحبها وتشغله كل حين بجلْبِ لذاتها ورفع آلامها ومهما عاش الإنسان وجمع من مالٍ أو حصل على منصب ، فإنه مفارق هذا كله في نهاية الأمر . وما الحياة الدنيا إلا كما قال الشاعر :
« فما قضى أحد منها لُبانتَه *** ولا انتهى أربٌ إلا إلى أرب »
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.