وفي نهاية الشوط يربط السياق بين نواميس الكون في خلقه وتكوينه وتصريفه ؛ ونواميس الحياة البشرية في طبيعتها ونهايتها ومصيرها :
( وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد . أفإن مت فهم الخالدون ? كل نفس ذائقة الموت ، ونبلوكم بالشر والخير فتنة ، وإلينا ترجعون ) . .
وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد . فكل حادث فهو فان . وكل ما له بدء فله نهاية . وإذا كان الرسول [ ص ] يموت فهل هم يخلدون ? وإذا كانوا لا يخلدون فما لهم لا يعملون عمل أهل الموتى ? وما لهم لا يتبصرون ولا يتدبرون ?
قوله تعالى : " وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد " أي دوام البقاء في الدنيا نزلت حين قالوا : نتربص بمحمد ريب المنون . وذلك أن المشركين كانوا يدفعون نبوته ويقولون : شاعر نتربص به ريب المنون ، ولعله يموت كما مات شاعر بني فلان ، فقال الله تعالى : قد مات الأنبياء من قبلك ، وتولى الله دينه بالنصر والحياطة ، فهكذا نحفظ دينك وشرعك . " أفإن مت فهم الخالدون " أي أفهم ، مثل قول الشاعر{[11258]} :
رَفَوْنِي وقالوا يا خُوَيْلِدُ لا تُرَعْ *** فقلتُ وأنكرتُ الوجوهَ همُ همُ
أي أهم فهو استفهام إنكار . وقال الفراء : جاء بالفاء ليدل على الشرط ؛ لأنه جواب قولهم سيموت . ويجوز أن يكون جيء بها ؛ لأن التقدير فيها : أفهم الخالدون إن مت ! قال الفراء : ويجوز حذف الفاء وإضمارها ؛ لأن " هم " لا يتبين فيها الإعراب . أي إن مت فهم يموتون أيضا ، فلا شماتة في الإماتة . وقرئ " مت " بكسر الميم وضمها لغتان .
قوله تعالى : { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخالدون ( 34 ) كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ( 35 ) } ذكر أن بعض المسلمين قال : إن محمدا ( ص ) لن يموت إنما هو مخلد . فأنكر ذلك الرسول ( ص ) فنزلت الآية . وقيل : طعن كفار مكة على النبي ( ص ) بأنه بشر يأكل الطعام ويموت فكيف يصح إرساله . وقال الزمخشري : كانوا يقدرون أنه سيموت فيشمتون بموته . فنفى لله عنه الشماتة بقوله : ( وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخالدون ) أي لم يجعل الله لأحد بقاء دائما في هذه الدنيا ، وإنما كل بشر لا محالة صائر إلى الموت . وهذه سنة كتبها الله على آدم وذريته ، لا تبديل لسنة الله .
قوله : ( أفإين مت فهم الخالدون ) الهمزة للاستفهام . والفاء للعطف . وإن ، شرطية . والجملة بعدها جواب الشرط . وذلك دفع للشماتة التي تخفيها قلوب الماكرين والحاسدين والمتربصين الذين يتربصون برسول الله ( ص ) دائرة الموت ، وهم أنفسهم صائرون إليه .
وهذا ديدن الحاقدين السخفاء في كل زمان ؛ إذ يتربصون بالمسلمين الدوائر فيؤملون أن تنزل بهم النائبات والبلايا ، ومنها داهية الموت . فلا جرم أن ذلك ضرب من السفه والحماقة تتلبس بهما عقول السخفاء والماكرين من الناس وهم يشمتون بخصومهم إذا أتى عليهم داهم الموت الذي لا ينجو منه أحد . وهو قوله : ( كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة )
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.