في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا} (59)

45

وفي معرض الخبرة المطلقة والقدرة على الجزاء يذكر خلق الله للسماوات والأرض ، واستعلاءه على العرش :

الذي خلق السماوات والأرص وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ، الرحمن ، فاسأل به خبيرا . .

وأيام الله التي خلق فيها السماوات والأرض غير أيامنا الأرضية قطعا . فإنما أيامنا هذه ظل للنظام الشمسي ، ومقياس لدورة فلكية وجدت بعد خلق السماوات والأرض . وهي مقيسة بقدر دورة الأرض حول نفسها أمام الشمس . والخلق لا يقتضي إلا توجه الإرادة الإلهية المرموز له بلفظة : ( كن )فتتم الكينونة( فيكون ) . ولعل هذه الأيام الستة من أيام الله التي لا يعلم مقدارها إلا هو - إنما تمت فيها أطوار متباعدة في السماوات والأرض حتى انتهت إلى وضعها الحالي . أما الاستواء على العرش فهو معنى الاستعلاء والسيطرة ولفظ( ثم )لا يدل على الترتيب الزمني إنما يدل على بعد الرتبة . رتبة الاستواء والاستعلاء .

ومع الاستعلاء والسيطرة الرحمة الكبيرة الدائمة : ( الرحمن ) . . ومع الرحمة الخبرة : ( فاسأل به خبيرا )الخبرة المطلقة التي لا يخفى عليها شيء . فإذا سألت الله ، فإنما تسأل خبيرا ، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا} (59)

قوله تعالى : " الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن " تقدم في الأعراف{[12157]} . و " الذي " في موضع خفض نعتا للحي . وقال : " بينهما " ولم يقل بينهن ؛ لأنه أراد الصنفين والنوعين والشيئين ؛ كقول القطامي :

ألم يحزنك أن حبالَ قيسٍ *** وتغلب قد تباينتا انقطاعا

أراد وحبال تغلب فثنى ، والحبال جمع ؛ لأنه أراد الشيئين والنوعين . " الرحمن فاسأل به خبيرا " قال الزجاج : المعنى فاسأل عنه . وقد حكى هذا جماعة من أهل اللغة أن الباء تكون بمعنى عن ؛ كما قال تعالى : " سأل سائل بعذاب واقع " [ المعارج : 1 ] وقال الشاعر :

هلا سألت الخيل يا بنَةَ مالك *** إن كنت جاهلةً بما لم تعلمي{[12158]}

وقال علقمة بن عبدة{[12159]} :

فإن تسألوني بالنساء فإنني *** خبير بأدواء النساء طبيبُ

أي عن النساء وعما لم تعلمي . وأنكره علي بن سليمان وقال : أهل النظر ينكرون أن تكون الباء بمعنى عن ؛ لأن في هذا إفسادا لمعاني قول العرب : لو لقيت فلانا للقيك به الأسد ، أي للقيك بلقائك إياه الأسد . المعنى فاسأل بسؤالك إياه خبيرا . وكذلك قال ابن جبير : الخبير هو الله تعالى . ف " خبيرا " نصب على المفعول به بالسؤال .

قلت : قول الزجاج يخرج على وجه حسن ، وهو أن يكون الخبير غير الله ، أي فاسأل عنه خبيرا ، أي عالما به ، أي بصفاته وأسمائه . وقيل : المعنى فاسأل له خبيرا ، فهو نصب على الحال من الهاء المضمرة . قال المهدوي : ولا يحسن حالا إذ لا يخلو أن تكون الحال من السائل أو المسؤول ، ولا يصح كونها حالا من الفاعل ؛ لأن الخبير لا يحتاج أن يسأل غيره . ولا يكون من المفعول ؛ لأن المسؤول عنه وهو الرحمن خبير أبدا ، والحال في أغلب الأمر يتغير وينتقل ، إلا أن يحمل على أنها حال مؤكدة ؛ مثل : " وهو الحق مصدقا " [ البقرة : 91 ] فيجوز . وأما " الرحمن " ففي رفعه ثلاثة أوجه : يكون بدلا من المضمر الذي في " استوى " . ويجوز أن يكون مرفوعا بمعنى هو الرحمن . ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء وخبره " فاسأل به خبيرا " . ويجوز الخفض بمعنى وتوكل على الحي الذي لا يموت الرحمن ، يكون نعتا . ويجوز النصب على المدح .


[12157]:راجع ج 7 ص 218 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية.
[12158]:البيت من معلقة عنترة.
[12159]:في نسخ الأصل: " وقال امرؤ القيس" وهو تحريف. والبيت من قصيدة لعلقمة مطلعها: طحا بك قلب في الحسان طروب * بعيد الشباب عصر حان مشيب.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا} (59)

قوله : ( الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في سنة أيام ) ( الذي ) ، في محل جر صفة للحي . وقال عن السماوات والأرض ( بينهما ) ولم يقل بينهن ؛ لأنه أراد الصنفين والشيئين ، وذلك ذكر لصفة الله العظمى في الخلق ؛ فهو سبحانه خالق السماوات والأرض وهما خلقان هائلان في امتدادهما ، وسعتهما ، وبينهما من الخلائق الكاثرة والمختلفة من نجوم وكواكب وبحار وأطيار وجبال وأحياء ومختلف الأجرام ، ما لا يعلم حقيقته وكثرته ومداه وتعدد أصنافه وأنواعه وألوانه إلا الله . لقد خلق الله ذلك كله في ستة أيام . وهو سبحانه أعلم بحقيقة هذه الأيام ، إن كانت من أيامنا في دنيانا هذه المعهودة ، أم هي أيام محسوبة بحساب الله وميزانه الذي يعلمه هو .

قوله : ( ثم استوى على العرش ) أي خلقه ورفعه . وبينا القول في معنى العرش فيما سبق من الآيات .

قوله : ( الرحمان فاسأل به خبيرا ) ( الرحمان ) مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ؛ أي هو الرحمان . وقيل : مبتدأ ، وخبره ( فاسأل به ) وقيل : بدل من المضمر في قوله : ( استوى ) {[3341]} .


[3341]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 207.