في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{مِن قَبۡلُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلۡفُرۡقَانَۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ} (4)

1

وكلها تستهدف غاية واحدة : ( هدى للناس ) . . وهذا الكتاب الجديد " فرقان " بين الحق الذي تضمنته الكتب المنزلة ، والانحرافات والشبهات التي لحقت بها بفعل الأهواء والتيارات الفكرية والسياسية [ التي رأينا نموذجا منها فيما نقلناه عن الكاتب المسيحي سيرت . و . آرنولد في كتاب " الدعوة إلى الإسلام " ] .

وهي تقرر - ضمنا - أنه لا وجه لتكذيب أهل الكتاب للرسالة الجديدة . فهي سائرة على نمط الرسالات قبلها . وكتابها نزل بالحق كالكتب المنزلة . ونزل على رسول من البشر كما نزلت الكتب على رسل من البشر . وهو مصدق لما بين يديه من كتب الله ، يضم جناحيه على " الحق " الذي تضم جوانحها عليه . وقد نزله من يملك تنزيل الكتب . . فهو منزل من الجهة التي لها " الحق " في وضع منهاج الحياة للبشر ، وبناء تصوراتهم الاعتقادية ، وشرائعهم وأخلاقهم وآدابهم في الكتاب الذي ينزله على رسوله .

ثم تتضمن الآية في شطرها الثاني التهديد الرعيب للذين كفروا بآيات الله ، وتلوح لهم بعزة الله وقوته وشدة عذابه وانتقامه . . والذين كفروا بآيات الله هم الذين كذبوا بهذا الدين الواحد بإطلاقه . . وأهل الكتاب الذين انحرفوا عن كتاب الله الصحيح المنزل إليهم من قبل ، فقادهم هذا الانحراف إلى التكذيب بالكتاب الجديد - وهو فرقان واضح مبين - هم أول المعنيين هنا بصفة الكفر ، وهم أول من يتوجه إليهم التهديد الرعيب بعذاب الله الشديد وانتقامه الأكيد . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مِن قَبۡلُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلۡفُرۡقَانَۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ} (4)

قوله تعالى : " من قبل " يعني القرآن " هدى للناس " قال ابن فورك{[2827]} : التقدير هدى للناس المتقين ، دليله في البقرة " هدى للمتقين " [ البقرة : 2 ] فرد هذا العام إلى ذلك الخاص . و " هدى " في موضع نصب على الحال . و " الفرقان " القرآن . وقد تقدم .


[2827]:- ابن فورك (بضم القاف وسكون الواو وفتح الراء) هو أبو بكر بن محمد بن الحسن بن فورك، المتكلم الأصولي الأديب النحوي الواعظ الأصبهاني، توفي سنة ست وأربعمائة (عن ابن خلكان).
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مِن قَبۡلُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلۡفُرۡقَانَۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ} (4)

3

قوله : ( وأنزل الفرقان ) أي القرآن ، سمي بذلك تعظيما له ومدحا ؛ لأنه الفارق بين الهدى والضلال ، والحق الباطل ، والغي والرشاد .

الحكيم المعجز من حجج مستبينات ودلائل واضحات وبراهين ساطعات . وقيل : المراد بالفرقان : جنس الكتب الإلهية كالتوراة والزبور والإنجيل والقرآن ، فإنها فارقة بين الحق والباطل . ومثل هذا القول ضعيف ، والصواب أنه القرآن ؛ لأنه أنزله بعد التوراة والإنجيل ليجعله فرقا بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى من الحق والباطل{[391]} .

قوله : ( إن الذين كفروا بآيات اللهم لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام ) . ذلك وعيد من الله للكافرين الذين كذبوا آياته وجحدوا كتبه وردوها بالباطل . أولئك قد توعدهم الله بعذابه الشديد يوم القيامة حيث الهوان والتحريق والعاقبة الرهيبة البئيسة للمكذبين . ذلك أن الله ( عزيز ) أي منيع الجناب عظيم السلطان ( ذو انتقام ) لا جرم أنه منتقم من المكذبين المخالفين لرسله الكرام{[392]} .


[391]:- التفسير الكبير جـ 7 ص 173، 174 وتفسير البيضاوي ص 66 وتفسير القرطبي جـ 3 ص 5 ، 6.
[392]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 344 والكشاف للزمخشري جـ 1 ص 411.