ويمضي السياق يوضح معالم الصورة ببعض اللمسات :
( وإذا قيل له : اتق الله أخذته العزة بالإثم . فحسبه جهنم ولبئس المهاد ) . .
إذا تولى فقصد إلى الإفساد في الأرض ؛ وأهلك الحرث والنسل ؛ ونشر الخراب والدمار ؛ وأخرج ما يعتمل في صدره من الحقد والضغن والشر والفساد . . إذا فعل هذا كله ثم قيل له : ( اتق الله ) . . تذكيرا له بخشية الله والحياء منه والتحرج من غضبه . . أنكر أن يقال له هذا القول ؛ واستكبر أن يوجه إلى التقوى ؛ وتعاظم أن يؤخذ عليه خطأ وأن يوجه إلى صواب . وأخذته العزة لا بالحق ولا بالعدل ولا بالخير ولكن( بالإثم ) . . فاستعز بالإجرام والذنب والخطيئة ، ورفع رأسه في وجه الحق الذي يذكر به ، وامام الله بلا حياء منه ؛ وهو الذي كان يشهد الله على ما في قلبه ؛ ويتظاهر بالخير والبر والإخلاص والتجرد والاستحياء !
إنها لمسة تكمل ملامح الصورة ، وتزيد في قسماتها وتمييزها بذاتها . . وتدع هذا النموذج حيا يتحرك . تقول في غير تردد : هذا هو . هذا هو الذي عناه القرآن ! وأنت تراه أمامك ماثلا في الأرض الآن وفي كل آن !
وفي مواجهة هذا الاعتزاز بالإثم ؛ واللدد في الخصومة ؛ والقسوة في الفساد ؛ والفجور في الإفساد . . في مواجهة هذا كله يجبهه السياق باللطمة اللائقة بهذه الجبلة النكدة :
( فحسبه جهنم ، ولبئس المهاد ! ) . .
حسبه ! ففيها الكفاية ! جهنم التي وقودها الناس والحجارة . جهنم التي يكبكب فيها الغاوون وجنود إبليس أجمعون . جهنم الحطمة التي تطلع على الأفئدة . جهنم التي لا تبقي ولا تذر . جهنم التي تكاد تميز من الغيظ ! حسبه جهنم ( ولبئس المهاد ! )ويا للسخرية القاصمة في ذكر( المهاد )هنا . . ويا لبؤس من كان مهاده جهنم بعد الاعتزاز والنفخة والكبرياء !
هذه صفة الكافر والمنافق الذاهب بنفسه زهوا ، ويكره للمؤمن أن يوقعه الحرج في بعض هذا . وقال عبدالله : كفى بالمرء إثما أن يقول له أخوه : اتق الله ، فيقول : عليك بنفسك ، مثلك يوصيني{[1854]} ! والعزة : القوة والغلبة ، من عزه يعزه إذا غلبه . ومنه : " وعزني في الخطاب " {[1855]} وقيل : العزة هنا الحمية ، ومنه قول الشاعر :
أخذته عزةٌ من جهله *** فتولى مغضبا فعل الضّجر
وقيل : العزة هنا المنعة وشدة النفس ، أي اعتز في نفسه وانتحى فأوقعته تلك العزة في الإثم حين أخذته وألزمته إياه . وقال قتادة : المعنى إذا قيل له مهلا ازداد إقداما على المعصية ، والمعنى حملته العزة على الإثم . وقيل : أخذته العزة بما يؤثمه ، أي ارتكب الكفر للعزة وحمية الجاهلية . ونظيره : " بل الذين كفروا في عزة وشقاق " {[1856]} وقيل : الباء في " بالإثم " بمعنى اللام ، أي أخذته العزة والحمية عن قبول الوعظ للإثم الذي في قلبه ، وهو النفاق ، ومنه قول عنترة يصف عرق الناقة :
وكأن رُبَّا أو كُحَيْلاً مُعْقَداً *** حَشَّ الوَقودِ به جوانبَ قُمْقُمِ{[1857]}
أي حش الوقود له وقيل : الباء بمعنى مع ، أي أخذته العزة مع الإثم ، فمعنى الباء يختلف بحسب التأويلات . وذكر أن يهوديا كانت له حاجة عند هارون الرشيد ، فاختلف إلى بابه سنة ، فلم يقض حاجته ، فوقف يوما على الباب ، فلما خرج هارون سعى حتى وقف بين يديه وقال : اتق الله يا أمير المؤمنين ! فنزل هارون عن دابته وخر ساجدا ، فلما رفع رأسه أمر بحاجته فقضيت ، فلما رجع قيل له : يا أمير المؤمنين ، نزلت عن دابتك لقول يهودي ! قال : لا ، ولكن تذكرت قول الله تعالى : " وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد " . حسبه أي كافيه معاقبة وجزاء ، كما تقول للرجل : كفاك ما حل بك ! وأنت تستعظم وتعظم عليه ما حل . والمهاد جمع المهد ، وهو الموضع المهيأ للنوم ، ومنه مهد الصبي .
وسمي جهنم مهادا ؛ لأنها مستقر الكفار . وقيل : لأنها بدل لهم من المهاد ، كقوله : " فبشرهم بعذاب أليم " {[1858]} ونظيره من الكلام قولهم :
تحيةُ بينِهم ضربٌ وَجِيعُ{[1859]}
ولما كان من الناس من يفعل الفساد فإذا نهى عنه انتهى بين أن هذا على غير ذلك تحقيقاً لألديته{[9068]} فقال مبشراً بأداة التحقيق بأنه لا يزال في الناس من يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : { وإذا قيل له } من{[9069]} أي قائل كان { اتق الله } {[9070]}أي الملك الأعظم الذي كل شيء تحت قهره{[9071]} واترك ما أنت عليه من الفساد { أخذته{[9072]} } أي قهرته لما له من ملكة الكبر { العزة } في نفسه{[9073]} لما فيها من الكبرياء{[9074]} والاستهانة بأمر الله ، وليس من شأن الخلق الاتصاف بذلك فإن العزة لله جميعاً { بالإثم } أي مصاحباً{[9075]} {[9076]}للذنب ، وهو العمل الرذل{[9077]} السافل وما - {[9078]}لا يحل ويوجب العقوبة باحتقار الغير والاستكبار عليه .
ولما كان هذا الشأن الخبيث شأنه دائماً يمهد به لنفسه التمكين{[9079]} مما يريد سبب عنه قوله : { فحسبه } أي كفايته { جهنم{[9080]} } تكون مهاداً له كما مهد للفساد ، وتخصيص هذا الاسم المنبىء عن الجهامة في المواجهة أي الاستقبال{[9081]} بوجه كريه لما{[9082]} وقع منه من المواجهة لمن أمره من{[9083]} مثله . قال الحرالي : فلمعنى ما يختص بالحكم يسمي تعالى النار{[9084]} باسم من أسمائها - انتهى . { ولبئس المهاد * } هي{[9085]} والمهاد{[9086]} موطن الهدوء{[9087]} والمستطاب مما يستفرش ويوطأ - قاله الحرالي ، وقال : فيه إشعار بإمهال الله عزّ وجلّ لهذه الأمة رعاية لنبيها فأحسب{[9088]} فاجرها وكافرها بعذاب الآخرة ، ولو عاجل مؤمنها بعقوبة الدينا فخلص{[9089]} لكافرها الدنيا ولمؤمنها{[9090]} الآخرة وأنبأ بطول المقام والخلود فيها{[9091]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.