غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ} (2)

1

وأما الخشوع فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة ، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون ، وترك الالتفات ، والنظر إلى موضع السجود ، والتوقي عن كف الثوب أي جمعه ، والعبث بجسده وثيابه ، والتمطي والتثاؤب والتغميض وتغطية الفم ، والسدل بأن يضع وسط الثوب على رأسه أو على عاتقه ويرسل طرفيه ، والاحتراز عن الفرقعة والتشبيك وتقليب الحصى ، والاختصار وهو أن يمسك بيده عصاً أو سوطاً ونحوهما . وقال الحسن وابن سيرين : كان المسلمون يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ، فلما نزلت هذه الآية طأطأ وكان لا يجاوز بصره مصلاة ، وهذا الخشوع واجب عند المحققين . نقل الإمام الغزالي عن أبي طالب المكي عن بشر الحافي : من لم يخشع فسدت صلاته . وعن الحسن : كلا صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع . وعن معاذ بن جبل : من عرف من على يمينه وشماله متعمداً وهو في الصلاة فلا صلاة له . وروي عنه مرفوعاً : إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له سدسها وعشرها وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها . وادعى عبد الواحد بن زيد إجماع العلماء على أنه ليس للعبد إلا ما عقل من صلاته . ومما يدل على صحة هذا القول قوله سبحانه { أفلا يتدبرون القرآن } [ النساء : 82 ] والتدبر لا يتصوّر بدون الوقوف على المعنى ، وكذا قوله { وأقم الصلاة لذكرى } [ طه : 14 ] والغفلة تضاد الذكر ولهذا قال { ولا تكن من الغافلين } [ الأعراف : 205 ] وقوله { حتى تعلموا ما تقولون } [ النساء : 43 ] نهي للسكران إلا أن المستغرق في هموم الدنيا بمنزلته . وقوله صلى الله عليه وسلم " المصلي يناجي ربه " ولا مناجاة مع الغفلة أصلاً بخلاف سائر أركان الإسلام فإِن المقصود منها يحصل مع الغفلة ، فإن الغرض من الزكاة كسر الحرص وإغناء الفقير ، وكذا الصوم قاهر للقوي كاسر لسطوة النفس التي هي عدّو الله ، وكذا الحج فإِن أفعاله شاقة وفيه من المجاهدة ما يحصل به الابتلاء وإن لم يكن القلب حاضراً . والمتكلمون أيضاً اتفقوا على أنه لا بد من الحضور والخشوع قالوا : لأن السجود لله تعالى طاعة ، وللصنم كفر ، وكل واحد منهما يماثل الآخر في ذاته ولوازمه ، فلا بد من مميز وما ذاك إلا القصد والإرادة ولا بد فيهما من الحضور .

وأما الفقهاء فالأكثرون منهم لا يوجبون ذلك فيقال لهم : هبوا أنه ليس من شرط الإجزاء وهو عدم وجوب القضاء ، أليس هو من شرط القبول الذي يترتب عليه الثواب ؟ فمن استعار ثوباً ثم ردّه على أحسن الوجوه فقد خرج عن العهدة ، وكذا إن ردّه على وجه الإهانة والاستخفاف إلا أنه يستحق المدح في الصورة الأولى والذم في الصورة الثانية . وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أبصر رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال صلى الله عليه وسلم " لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه " ونظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصى وهو يقول : اللهم زّوجني الحور العين . فقال : بئس الخاطب أنت قلت : لا ريب أن الاحتياط إنما هو في رعاية جانب الخشوع كما حكي عن بعض العلماء أنه اختار الإمامة فقيل له في ذلك ؟ فقال : أخاف إن تركت الفاتحة أن يعاتبني الشافعي . وإن قرأت مع الإمام أن يعاتبني أبو حنيفة ، فاخترت الإمامة طلباً للخلاص عن هذا الخلاف . قال علماء المعاني : سبب إضافة الصلاة إليهم هو أن الصلاة دائرة بين المصلي والمصلى لأجله ، فالمصلي هو المنتفع بها وحده وهي عدته وذخيرته ، وأما المصلى له فمتعال عن ذلك .

/خ30