وفي نهاية الدرس يصل السياق إلى الموقف الأخير لبني إسرائيل مع رسولهم ومنقذهم - موسى عليه السلام - على أبواب الأرض المقدسة التي وعدهم الله ؛ وموقفهم كذلك من ميثاق ربهم معهم ؛ وكيف نقضوه ؛ وكيف كان جزاؤهم على نقض الميثاق الوثيق .
( وإذ قال موسى لقومه : يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم . إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا ؛ وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين . يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ، ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين . قالوا : يا موسى إن فيها قوما جبارين ؛ وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها ، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون . قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما : ادخلوا عليهم الباب ، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ؛ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين . قالوا : يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها . فاذهب أنت وربك فقاتلا ، إنا هاهنا قاعدون . قال : رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ، فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين . . قال : فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ، فلا تأس على القوم الفاسقين ) .
إنها حلقة من قصة بني إسرائيل التي فصلها القرآن أوسع تفصيل . . ذلك لحكمة متشعبة الجوانب . .
من جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل هم أول من واجه الدعوة الإسلامية بالعداء والكيد والحرب في المدينة وفي الجزيرة العربية كلها . فقد كانوا حربا على الجماعة المسلمة منذ اليوم الأول . هم الذين احتضنوا النفاق والمنافقين في المدينة ؛ وأمدوهم بوسائل الكيد للعقيدة وللمسلمين معا . وهم الذين حرضوا المشركين وواعدوهم وتآمروا معهم على الجماعة المسلمة . وهم الذين تولوا حرب الإشاعات والدس والكيد في الصف المسلم ؛ كما تولوا بث الشبهات والشكوك والتحريفات حول العقيدة وحول القيادة . وذلك كله قبل أن يسفروا بوجوههم في الحرب المعلنة الصريحة . فلم يكن بد من كشفهم للجماعة المسلمة ، لتعرف من هم أعداؤها . ما طبيعتهم ؟ وما تاريخهم ؟ وما وسائلهم ؟ وما حقيقة المعركة التي تخوضها معهم ؟
ولقد علم الله أنهم هم سيكونون أعداء هذه الأمة في تاريخها كله ؛ كما كانوا أعداء هدى الله في ماضيهم كله . فعرض لهذه الأمة أمرهم كله مكشوفا ؛ ووسائلهم كلها مكشوفة .
ومن جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل هم أصحاب آخر دين قبل دين الله الأخير . وقد امتد تاريخهم قبل الإسلام فترة من التاريخ طويلة ؛ ووقعت الانحرافات في عقيدتهم ؛ ووقع منهم النقض المتكرر لميثاق الله معهم ؛ ووقع في حياتهم آثار هذا النقض وهذا الانحراف ، كما وقع في أخلاقهم وتقاليدهم . . فاقتضى هذا أن تلم الأمة المسلمة - وهي وارثة الرسالات كلها وحاضنة العقيدة الربانية بجملتها - بتاريخ القوم ، وتقلبات هذا التاريخ ؛ وتعرف مزالق الطريق ، وعواقبها ممثلة في حياة بني إسرائيل وأخلاقهم ، لتضم هذه التجربة في حقل العقيدة والحياة - إلى حصيلة تجاربها ؛ وتنتفع بهذا الرصيد وتنفع على مدار القرون . ولتتقي - بصفة خاصة - مزالق الطريق ، ومداخل الشيطان ، وبوادر الانحراف ، على هدى التجارب الأولى .
ومن جوانب هذه الحكمة أن تجربة بني إسرائيل ذات صحائف شتى في المدى الطويل . وقد علم الله أن الأمد حين يطول على الأمم تقسو قلوبها ؛ وتنحرف أجيال منها ؛ وأن الأمة المسلمة التي سيمتد تاريخها حتى تقوم الساعة ، ستصادفها فترات تمثل فيها فترات من حياة بني إسرائيل ؛ فجعل أمام أئمة هذه الأمة وقادتها ومجددي الدعوة في أجيالها الكثيرة ، نماذج من العقابيل التي تلم بالأمم ؛ يعرفون منها كيف يعالجون الداء بعد معرفة طبيعته . ذلك أن أشد القلوب استعصاء على الهدى والاستقامة هي القلوب التي عرفت ثم انحرفت ! فالقلوب الغفل الخامة أقرب إلى الاستجابة ، لأنها تفاجأ من الدعوة بجديد يهزها ، وينفض عنها الركام ، لجدته عليها ، وانبهارها بهذا الجديد الذي يطرق فطرتها لأول مرة . فأما القلوب التي نوديت من قبل ، فالنداء الثاني لا تكون له جدته ، ولا تكون له هزته ؛ ولا يقع فيها الإحساس بضخامته وجديته ، ومن ثم تحتاج إلى الجهد المضاعف ، وإلى الصبر الطويل !
وجوانب شتى لحكمة الله في تفصيل قصة بني إسرائيل ، وعرضها مفصلة على الأمة المسلمة وارثة العقيدة والدين ؛ القوامة على البشر أجمعين . . جوانب شتى لا نملك هنا المضي معها أكثر من هذه الإشارات السريعة . . لنعود إلى هذه الحلقة ، في هذا الدرس ، في هذه السورة :
( وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم . إذ جعل فيكم أنبياء ، وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين . يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ) . .
وإننا لنلمح في كلمات موسى - عليه السلام - إشفاقه من تردد القوم ونكوصهم على الأعقاب . فلقد جربهم من قبل في " مواطن كثيرة " في خط سير الرحلة الطويل . . جربهم وقد أخرجهم من أرض مصر ؛ وحررهم من الذل والهوان ، باسم الله وبسلطان الله الذي فرق لهم البحر ، وأغرق لهم فرعون وجنده . فإذا هم يمرون على قوم يعكفون على أصنام لهم ، فيقولون ( يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ) . . وما يكاد يغيب عنهم في ميقاته مع ربه حتى يتخذ السامري من الحلي التي سرقوها معهم من نساء المصريين عجلا ذهبا له خوار ؛ ثم إذا هم عاكفون عليه يقولون : إنه إله موسى الذي ذهب لميقاته ! . . وجربهم وقد فجر لهم من الصخر ينابيع في جوف الصحراء ، وأنزل عليهم المن والسلوى طعاما سائغا ، فإذا هم يشتهون ما اعتادوا من أطعمة مصر - أرض الذل بالنسبة لهم - فيطلبون بقلها وقثاءها وفومها وعدسها وبصلها ، ولا يصبرون عما ألفوا من طعام وحياة في سبيل العزة والخلاص ، والهدف الأسمى ، الذي يسوقهم موسى إليه وهم يتسكعون ! . . وجربهم في قصة البقرة التي أمروا بذبحها فتلكأوا وتسكعوا في الطاعة والتنفيذ . . ( فذبحوها وما كادوا يفعلون ) ! وجربهم وقد عاد من ميقات ربه ومعه الألواح وفيها ميثاق الله عليهم وعهده . فأبوا أن يعطوا الميثاق وأن يمضوا العهد مع ربهم - بعد كل هذه الآلاء وكل هذه المغفرة للخطايا - ولم يعطوا الميثاق حتى وجدوا الجبل منتوقا فوق رؤوسهم ، ( وظنوا أنه واقع بهم ) ! . .
قوله تعالى : " وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم " تبيين من الله تعالى أن أسلافهم تمردوا على موسى وعصوه ؛ فكذلك هؤلاء على محمد عليه السلام ، وهو تسلية له ، أي يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ، واذكروا قصة موسى . وروي عن عبدالله بن كثير أنه قرأ " يا قوم اذكروا " بضم الميم ، وكذلك ما أشبهه ؛ وتقديره يا أيها القوم . " إذ جعل فيكم أنبياء " لم ينصرف ؛ لأنه فيه ألف التأنيث . " وجعلكم ملوكا " أي تملكون أمركم لا يغلبكم عليه غالب بعد أن كنتم مملوكين لفرعون مقهورين ، فأنقذكم منه بالغرق ، فهم ملوك بهذا الوجه ، وبنحوه فسر السدي والحسين وغيرهما . قال السدي : ملك كل واحد منه نفسه وأهله وماله . وقال قتادة : إنما قال : " وجعلكم ملوكا " لأنا كنا نتحدث أنهم أول من خدم من بني آدم . قال ابن عطية : وهذا ضعيف ؛ لأن القبط قد كانوا يستخدمون بني إسرائيل ، وظاهر أمر بني آدم أن بعضهم كان يسخر بعضا مذ تناسلوا وكثروا ، وإنما اختلفت الأمم في معنى التمليك فقط . وقيل : جعلكم ذوي منازل لا يدخل عليكم إلا بإذن ، روي معناه عن جماعة من أهل العلم . قال ابن عباس : إن الرجل إذا لم يدخل أحد بيته إلا بإذنه فهو ملك . وعن الحسن أيضا وزيد بن أسلم من كانت له دار وزوجة وخادم فهو ملك ، وهو قول عبدالله بن عمرو كما في صحيح مسلم عن أبي عبدالرحمن الحبلي قال : سمعت عبدالله بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال : ألسنا من فقراء المهاجرين ؟ فقال له عبدالله : ألك امرأة تأوي إليها ؟ قال : نعم . قال : ألك منزل تسكنه ؟ قال : نعم . قال : فأنت من الأغنياء . قال : فإن لي خادما . قال : فأنت من الملوك .
قال ابن العربي : وفائدة هذا أن الرجل إذا وجبت عليه كفارة وملك دارا وخادما باعهما في الكفارة ولم يجز له الصيام ؛ لأنه قادر على الرقبة والملوك لا يكفرون بالصيام ، ولا يوصفون بالعجز عن الإعتاق . وقال ابن عباس ومجاهد : جعلهم ملوكا بالمن والسلوى والحجر{[5437]} والغمام ، أي هم مخدومون كالملوك . وعن ابن عباس أيضا يعني الخادم والمنزل ، وقاله مجاهد وعكرمة والحكم بن عيينة ، وزادوا الزوجة ، وكذا قال زيد بن أسلم إلا أنه قال فيما يعلم - عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من كان له بيت - أو قال منزل - يأوي إليه وزوجة وخادم يخدمه فهو ملك ، ذكره النحاس . ويقال : من استغنى عن غيره فهو ملك ، وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم : ( من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه وله قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ) .
قوله تعالى : " وآتاكم " أي أعطاكم " ما لم يؤت أحدا من العالمين " والخطاب من موسى لقومه في قول جمهور المفسرين ، وهو وجه الكلام . مجاهد : والمراد بالإيتاء المن والسلوى والحجر والغمام . وقيل : كثرة الأنبياء فيهم ، والآيات التي جاءتهم . وقيل : قلوبا سليمة من الغل والغش . وقيل : إحلال الغنائم والانتفاع بها .
قلت : وهذا القول مردود ، فإن الغنائم لم تحل لأحد إلا لهذه الأمة على ما ثبت في الصحيح ، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى . وهذه المقالة من موسى توطئة لنفوسهم حتى تعزز وتأخذ الأمر بدخول أرض الجبارين بقوة ، وتنفذ في ذلك نفوذ من أعزه الله ورفع من شأنه . ومعنى " من العالمين " أي عالمي زمانكم . عن الحسن . وقال ابن جبير وأبو مالك : الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا عدول عن ظاهر الكلام بما لا يحسن مثله . وتظاهرت الأخبار أن دمشق قاعدة الجبارين .
{ وجعلكم ملوكا } قيل : جعل منكم ملوكا أي : أمراء ، وقيل : الملك من له مسكن وامرأة وخادم .
{ ما لم يؤت أحدا من العالمين } قيل : يعني المن والسلوى والغمام وغير ذلك من الآيات ، وعلى هذا يكون العالمين خاصا بأهل زمانهم ، لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم قد أوتيت من آياته مثل ذلك وأعظم ، وقيل : المراد كثرة الأنبياء ، فعلى هذا يكون عاما ، لأن الأنبياء في بني إسرائيل أكثر منهم في سائر الأمم .