في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ} (5)

5

( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ، وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون . يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون . وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ، وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ؛ ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين . ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون ) . .

إن رد الأنفال لله والرسول ، وقسمتها بينهم على السواء ، وكراهة بعض المؤمنين لهذه التسوية . . ومن قبل كراهة بعضهم لاختصاص بعض الشباب بالنصيب الأوفر منها . . إنها شأن يشبه شأن إخراج الله لك من بيتك - بالحق - لمقاتلة الفرقة ذات الشوكة ؛ وكراهة بعض المؤمنين للقتال . . وبين أيديهم العاقبة التي أنتجت هذه الأنفال . .

ولقد سبق لنا في استعراض وقائع الغزوة - من كتب السيرة - أن أبا بكر وعمر قاما فأحسنا حين استشار رسول الله [ ص ] الناس معه في أمر القتال ، بعدما أفلتت القافلة ، وتبين أن قريشاً قد جاءت بشوكتها وقوتها . وأن المقداد بن عمرو قام فقال : يا رسول الله ، امض لأمر الله ، فنحن معك ، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون . ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون . . . الخ " . وأن هذا كان كلام المهاجرين . فلما كرر رسول الله [ ص ] القول على الناس فهم الأنصار أنه إنما يعنيهم ، فقام سعد بن معاذ فقال كلاماً طويلاً قاطعاً مطمئناً . .

ولكن هذا الذي قاله أبو بكر وعمر ، والذي قاله المقداد ، والذي قاله سعد بن معاذ - رضي الله عنهم - لم يكن هو مقالة جميع الذين خرجوا من المدينة مع رسول الله [ ص ] فلقد كره بعضهم القتال ، وعارض فيه ، لأنهم لم يستعدوا لقتال ، إنما خرجوا لملاقاة الفئة الضعيفة التي تحرس العير ؛ فلما أن علموا أن قريشاً قد نفرت بخيلها ورجلها ، وشجعانها وفرسانها ، كرهوا لقاءها كراهية شديدة ، هي هذه الكراهية التي يرسم التعبير القرآني صورتها بطريقة القرآن الفريدة :

( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون ، يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ) !

روى الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره - بإسناده - عن أبي أيوب الأنصاري قال : قال رسول الله [ ص ] ونحن بالمدينة : " إني أخبرت عن عير أبي سفيان بأنها مقبلة ، فهل لكم أن نخرج قِبل هذه العير لعل الله أن يغنمناها ? " فقلنا : نعم . فخرج وخرجنا . فلما سرنا يوماً أو يومين قال لنا : " ما ترون في قتال القوم ? إنهم قد أخبروا بخروجكم ! " فقلنا : لا والله ما لنا طاقة بقتال العدو ، ولكنا أردنا العير ! ثم قال : " ما ترون في قتال القوم ? " فقلنا مثل ذلك : فقال المقداد بن عمرو : إذن لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى : ذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون . . . فتمنينا - معشر الأنصار - أن لو قلنا كما قال المقداد بن عمرو أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم ! قال : فأنزل الله على رسوله [ ص ] : ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ، وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ} (5)

قوله تعالى : " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق " قال الزجاج : الكاف في موضع نصب ، أي الأنفال ثابتة لك كما أخرجك ربك من بيتك بالحق . أي مثل إخراجك ربك من بيتك بالحق . والمعنى : امض لأمرك في الغنائم ونفل من شئت وإن كرهوا ؛ لأن بعض الصحابة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين جعل لكل من أتى بأسير شيئا قال : يبقى أكثر الناس بغير شيء . فموضع الكاف في " كما " نصب كما ذكرنا . وقال الفراء أيضا . قال أبو عبيدة : هو قسم ، أي والذي أخرجك ، فالكاف بمعنى الواو ، وما بمعنى الذي . وقال سعيد بن مسعدة : المعنى أولئك هم المؤمنون حقا كما أخرجك ربك من بيتك بالحق . قال وقال بعض العلماء " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق " فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم . وقال عكرمة : المعنى أطيعوا الله ورسوله كما أخرجك . وقيل : " كما أخرجك " متعلق بقوله " لهم درجات " المعنى : لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم . أي هذا الوعد للمؤمنين حق في الآخرة كما أخرجك ربك من بيتك بالحق الواجب له ؛ فأنجزك وعدك . وأظفرك بعدوك وأوفى لك ؛ لأنه قال عز وجل : " وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم " [ الأنفال : 7 ] . فكما أنجز هذا الوعد في الدنيا كذا ينجزكم ما وعدكم به في الآخرة . وهذا قول حسن ذكره النحاس واختاره . وقيل : الكاف في " كما " كاف التشبيه ، ومخرجه على سبيل ، المجازاة ، كقول القائل لعبده : كما وجهتك إلى أعدائي فاستضعفوك وسألت مددا فأمددتك وقويتك وأزحت علتك ، فخذهم الآن فعاقبهم بكذا . وكما كسوتك وأجريت عليك الرزق فاعمل كذا وكذا . وكما أحسنت إليك فاشكرني عليه . فقال : كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وغشاكم النعاس أمنة منه - يعني به إياه ومن معه - وأنزل من السماء ماء ليطهركم به ، وأنزل عليكم من السماء ملائكة مردفين ؛ فاضربوا فوق الأعناق وأضربوا منهم كل بنان . كأنه يقول : قد أزحت عللكم ، وأمددتكم " بالملائكة فاضربوا منهم هذه المواضع ، وهو المقتل ، لتبلغوا مراد الله في إحقاق الحق وإبطال الباطل . والله أعلم . " وإن فريقا من المؤمنين لكارهون " أي لكارهون ترك مكة وترك أموالهم وديارهم .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ} (5)

{ كما أخرجك ربك } فيه ثلاث تأويلات أحدها : أن تكون الكاف في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هذه الحال كحال إخراجكيعني : أن حالهم في كراهة تنفيل الغنائم كحالهم في حالة خروجك للحرب ، والثاني : أن يكون في موضع الكاف نصب على أنه صفة لمصدر الفعل المقدر في قوله : { الأنفال لله والرسول } أي : استقرت الأنفال لله والرسول استقرارا مثل استقرار خروجك ، والثالث : أن تتعلق الكاف بقوله : { يجادلونك } .

{ من بيتك } يعني : مسكنه بالمدينة إذ أخرجه الله لغزوة بدر .

{ وإن فريقا من المؤمنين لكارهون } أي : كرهوا قتال العدو ، وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام فيها أموال عظيمة ، ومعها أربعون راكبا فأخبر بذلك جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فخرج بالمسلمين فسمع بذلك أهل مكة فاجتمعوا وخرجوا في عدد كثير ليمنعوا عيرهم فنزل جبريل عليه السلام فقال : يا محمد إن الله قد وعدكم إحدى الطائفتين ، إما العير وإما قريش ، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ، فقالوا : العير أحب إلينا من لقاء العدو فقال : إن العير قد مضت على ساحل البحر ، وهذا أبو جهل قد أقبل ، فقال له سعد بن عبادة : امض لما شئت فإنا متبعوك وقال سعد بن معاذ : والذي بعثك بالحق لو خضت هذا البحر لخضناه معك فسر بنا على بركة الله .