تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته  
{كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ} (5)

{ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإن فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ( 5 ) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كأنمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ( 6 ) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أنهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أن غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ( 7 ) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ( 8 ) }

لمفردات :

كما أخرجك ربك من بيتك : أي : أخرجك من بيتك بالمدينة إلى بدر .

بالحق : أي : بالحكمة والصواب .

التفسير :

5 – { كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَأن فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ } .

تتحدث هذه الآية مع آيات تالية عن خروج المسلمين إلى غزوة بدر الكبرى .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علم أن تجارة قريش في طريق عودتها من الشام ، وستمر قريبا من المدينة فقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه : هذه عير قريش اخرجوا إليها علّ الله أن ينفلكموها ، فخف بعض الناس للخروج مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتثاقل بعضهم لعلمهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لن يلقى حربا ، فالتجارة يحيط بها حراس قليلون ، وخرج عليه الصلاة والسلام في ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا معهم فرسان فقط ، وسبعون بعيرا يتعاقبون عليها ، وبلغ أهل مكة خبر خروجهم ، فنادى أبو جهل فوق الكعبة : يا أهل مكة ، النجاء النجاء على كل صعب وذلول ، عيركم أموالكم أن أصابها محمد ؛ لم تفلحوا بعدها أبدا ، فخرج أبو جهل يجمع أهل مكة ، فقيل له : إن العير أخذت طريق الساحل ونجت فارجع بالناس إلى مكة فقال : واللات والعزّى لا يكون ذلك أبدا حتى ننحر الجزر ونشرب الخمر ونقيم القينات والمعازف ببدر ، فيتسامع جميع العرب بخروجنا ، وإن محمدا لم يصب العير ، وإنا قد أخفناه فمضى بهم إلى بدر ، وهي قرية في الطريق بين مكة والمدينة على مقربة من المدينة ، فنزل جبريل عليه السلام وقال : يا محمد ؛ إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إما العير ، وإما النفير – أي مشركي مكة – فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال : ما تقولون ؟ إن القوم قد خرجوا من مكة ، فالعير أحب إليكم أم النفير . . . ؟ فقالوا : بل العير أحب إلينا من لقاء العدو ، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ثم رد عليه فقال : " إن العير قد مضت على ساحل البحر ، وهذا نفير قريش قد أقبل " ، فقالوا يا رسول الله ، عليك بالعير ودع العدو ، فقام أبو بكر فقال وأحسن ، وتكلم عمر فقال وأحسن ، ثم قام المقدار ابن عمرو رضي الله عنه فقال : يا رسول الله ، امض لما أمرك الله فإنا معك حيثما أحببت ، لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام : اذهب أنت وربك فقاتلا أنا ها هنا قاعدون . ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون . . . فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد ؛ لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه ، فقال له صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له . ثم قال : " أشيروا علي أيها الناس " viii – وهو يريد الأنصار – فقام سعد بن معاذ فقال : لكأنك تريدنا يا رسول الله . قال : أجل ، قال : آمنا بك ، وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة .

فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك ، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا ، وأن لصبر عند الحرب ، صدق عند اللقاء ، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة الله ، ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسره قول سعد ابن معاذ ثم قال : " سيروا ، وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم " ثم دارت رحى المعركة وانتصر المؤمنون ، وهزم المشركون .

{ كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون } .

هنا تشبيه بين حالين ، حال المسلمين في مواجهة العدو ، بعد أن دارت رءوسهم واضطربت قلوبهم ، وحالهم في الغنائم بعد أن اختلفت آراؤهم فيها ، واضطربت مشاعرهم حيالها ، وانظر كيف أمسكت كلمات الله بكل خالج كانت تختلج في نفوس القوم هنا وهناك في مواجهو العدو ، ثم في مواجهة الغنائم .

قال المبرد في معنى الآية :

الأنفال ثابتة لله ورسوله وإن كرهوا ، كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن كرهوا .

وقال غيره : امض لحكم ربك في الغنائم وإن كرهوا ، كما مضيت لأمر ربك في الخروج من البيت لطلب العير وأن كرهوا .

وذكر د . محمد سيد طنطاوي : أن معنى الآية :

حال بعض أهل بدر في كراهتهم تقسيمك الغنائم بالسوية ، مثل حال بعضهم في كراهة الخروج للقتال مع ما في هذه القسمة والقتال من خير ، وبركة .

والملاحظ أن الله تعالى أضاف خروج النبي من بيته إليه سبحانه أي : أن الخروج إلى بدر كان بأمر الله وتوجيهه ، حتى يخرج المسلمون خفافا للقاء العير ، ثم تفلت العير ، ويقف المسلمون وجها لوجه أمام النفير ، وهو حرب المشركين ، وقد كانوا يكرهون ذلك في أول الأمر ؛ لأنهم خرجوا للعير ، وأراد الله أن تفلت العير ، حتى تتم المواجهة ويتم الاستعداد للحرب ، ويتم إخلاص النية ، والامتثال لأمر الله .

وتلحظ أن الخروج بالحق أي : أخرجك الله إخراجا متلبسا بالحق ، الذي لا يحوم حوله باطل ، والبيت الذي خرج منه النبي صلى الله عليه وسلم هو بيته في المدينة ، أو هي المدينة كلها ، فقد تحولت من يثرب إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، بعد أن نظمها وخططها وأتم إعمارها ، وأشاع فها الأمن والنظام وصارت المدينة دار الإسلام فقال صلى الله عليه وسلم : " إن الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها " ix .

قال الشوكاني :

يذكر الله في هذه الآية وما بعدها : أن الفضل في النصر في غزوة بدر إنما هو لله تعالى ، ولذا فالغنائم له ولرسوله ، ومن ذلك أنه أخرجهم من المدينة لحرب المشركين ، وأكثرهم كارهون ، وصرفهم إلى قتال جيش الكفار وكان أكثرهم لا يريدون ، وأمدهم بالملائكة إلى غير ذلك مما توضحه السورة .

وقال الآلوسي : وقوله : و{ إن فريقا من المؤمنين لكارهون } . أي : للخروج ، إما لعدم الاستعداد ، أو الميل للغنيمة ، أو للنفرة الطبيعية عنه ، وهذا مما لا يدخل تحت القدرة والاختيار ، فلا يرد أنه لا يليق بمصب الصحابة ، والجملة في موضع الحال ، وهي حال مقدرة ؛ لأن الكراهة وقعت بعد الخروج . . .