في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِۦۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ} (31)

ويغلظ النص من جريمة قول الزور إذ يقرنها إلى الشرك . . وهكذا روى الإمام أحمد - بإسناده - عن فاتك الأسدي قال : صلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] - الصبح . فلما انصرف قام قائما فقال : عدلت شهادة الزور الإشراك بالله عز وجل ثم تلا هذه الآية . .

إنما يريد الله من الناس أن يميلوا عن الشرك كله ، وأن يجتنبوا الزور كله ، وأن يستقيموا على التوحيد لصادق الخالص . ( حنفاء لله غير مشركين به ) . . ثم يرسم النص مشهدا عنيفا يصور حال من تزل قدماه عن أفق التوحيد ، فيهوي إلى درك الشرك . فإذا هو ضائع ذاهب بددا كأن لم يكن من قبل أبدا :

( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ) . .

إنه مشهد الهوي من شاهق ( فكأنما خر من السماء ) . وفي مثل لمح البصر يتمزق ( فتخطفه الطير )أو تقذف به الريح بعيدا عن الأنظار : ( أو تهوي به الريح في مكان سحيق )في هوة ليس لها قرار !

والملحوظ هو سرعة الحركة مع عنفها وتعاقب خطواتها في اللفظ " بالفاء " وفي المنظر بسرعة الاختفاء . . على طريقة القرآن الكريم في التعبير بالتصوير .

وهي صورة صادقة لحال من يشرك بالله ، فيهوي من أفق الإيمان السامق إلى حيث الفناء والانطواء . إذ يفقد القاعدة الثابتة التي يطمئن إليها . قاعدة التوحيد . ويفقد المستقر الآمن الذي يثوب إليه ؛ فتتخطفه الأهواء تخطف الجوارح ، وتتقاذفه الأوهام تقاذف الرياح . وهو لا يمسك بالعروة الوثقى ، ولا يستقر على القاعدة الثابتة ، التي تربطه بهذا الوجود الذي يعيش فيه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِۦۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ} (31)

السابعة- قوله تعالى : " حنفاء لله " معناه مستقيمين أو مسلمين مائلين إلى الحق . ولفظة " حنفاء " من الأضداد تقع على الاستقامة وتقع على الميل . و " حنفاء " نصب على الحال . وقيل : " حنفاء " حجاجا ، وهذا تخصيص لا حجة معه . الثامنة- " ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء " أي هو يوم القيامة بمنزلة من لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عن نفسه ضرا ولا عذابا ، فهو بمنزلة من خر من السماء ، فهو لا يقدر أن يدفع عن نفسه . ومعنى " فتخطفه الطير " أي تقطعه بمخالبها . وقيل : هذا عند خروج روحه وصعود الملائكة بها إلى سماء الدنيا ، فلا يفتح لها فيرمى بها إلى الأرض ، كما في حديث البراء ، وقد ذكرناه في التذكرة . والسحيق : البعيد ، ومنه قوله تعالى : " فسحقا لأصحاب السعير " {[11508]} [ الملك : 11 ] ، وقوله عليه الصلاة والسلام : ( فسحقا فسحقا ) .


[11508]:راجع ج 18 ص 212.