في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ} (21)

16

هذه الأرزاق - ككل شيء - مقدرة في علم الله ، تابعة لأمره ومشيئته ، يصرفها حيث يشاء وكما يريد ، في الوقت الذي يريده حسب سنته التي ارتضاها ، وأجراها في الناس والأرزاق :

( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ، وما ننزله إلا بقدر معلوم ) . .

فما من مخلوق يقدر على شيء أو يملك شيئا ، إنما خزائن كل شيء - مصادره وموارده - عند الله . في علاه . ينزله على الخلق في عوالمهم ( بقدر معلوم )فليس من شيء ينزل جزافا ، وليس من شيء يتم اعتباطا .

ومدلول هذا النص المحكم : ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) يتجلى بوضوح أكثر كلما تقدم الإنسان في المعرفة ، وكلما اهتدى إلى أسرار تركيب هذا الكون وتكوينه . ومدلول( خزائنه ) يتجلى في صورة أقرب بعدما كشف الإنسان طبيعة العناصر التي يتألف منها الكون المادي ؛ وطبيعة تركيبها وتحليلها - إلى حد ما - وعرف مثلا أن خزائن الماء الأساسية هي ذرات الايدروجين والأكسوجين ! وأن من خزائن الرزق المتمثل في النبات الأخضر كله ذلك الآزوت الذي في الهواء ! وذلك الكربون وذلك الأكسجين المركب في ثاني أكسيد الكربون ! وتلك الأشعة التي ترسل بها الشمس أيضا ! ومثل هذا كثير يوضح دلالة خزائن الله التي توصل الإنسان إلى معرفة شيء منها . . وهو شيء على كثرته قليل قليل . . .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ} (21)

خزائنه في الحقيقة مقدوراته ، وهو - سبحانه - قادر على كل ما هو مرسوم بالحدوث .

ويقال خزائنه في الأرض قلوبُ العارفين بالله ، وفي الخزانة جواهر في كل صنف ؛ فحقائقُ العقل جواهر وضعها في قلوب قوم ، ولطائف العلم جواهر بدائع المعرفة ، وأسرار العارفين مواضع سِرِّه ، والنفوس خزائن توفيقه ، والقلوب خزائن تحقيقه ، واللسان خزانةُ ذِكْرِه .

ويقال من عرف أن خزائن الأشياء عند الله تقاصرت خُطَاه عن التردد على منازل الناس في طَلَبِ الإرفاق منهم ، وسعى في الآفاق في طلب الأرزاق منها ، قاطعاً أَمَلَه عن الخَلْق ، مُفرِداً قلبَه لله متجرِّداً عن التعلُّق بغير الله .

قوله { وَمَا نُنَزِّلُهُ إلاَّ بِقَدَرٍ معْلُومٍ } : عَرَفَ القِسْمَة منْ استراح عن كدِّ الطلب ؛ فإِنَّ المعلومَ لا يتغير ، والمقسوم لا يزيد ولا ينقص ، وإذا لم يَجِبْ عليه شيءٌ لأحد فبقدرته على إجابة العبد إلى طلبته لا يتوجب عليه شيء .

ويقال أراح قلوب الفقراء مِنْ تَحمُّل المِنَّةِ من الأغنياء مما يعطونهم ، وأراح الأغنياء من مطالبة الفقراء منهم شيئاً ، فليس للفقير صَرْفُ القلب عن الله سبحانه إلى مخلوق واعتقادُ مِنَّةٍ لأحد ، إذ المُلْكُ كله لله ، والأمر بيد الله ، ولا قادر على الإبداع إلا الله .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ} (21)

قوله : { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ( 21 ) وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين ( 22 ) وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون ( 23 ) ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستئخرين ( 24 ) وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم ( 25 ) } .

( إن ) ، أداة نفي بمعنى ما . ( من ) ، زائدة للتأكيد . أي وما من شيء من أرزاق الخلق إلا عندنا خزائنه . والخزائن جمع ومفرده الخزانة ، وهي اسم المكان الذي يخزن فيه الشيء أي يحفظ . ويقال : خزن الشيء يخزنه إذا أحرزه في حزائنه . وعامة المفسرين على أن المراد بالخزائن ههنا المطر ؛ لأنه هو السبب للأرزاق والمعايش لبني آدم وغيرهم من الدواب والأنعام والطيور . والله سبحانه إنما ينزله حسبما يشاء ، وبقدر ما يكفي الخلق .

وقيل : إن ذكر الخزائن من باب التمثيل ، وعلى هذا يكون المعنى : ما من شيء ينتفع به العباد والدواب إلا ونحن قادرون على إيجاده وتخليقه ، وما نعطيه إلا بمقدار نعلم أنه مصلحة لهم . وبذلك قد ضرب الله الخزائن مثلا لإرادته المطلقة وحكمته البالغة واقتداره على صنع ما يشاء ، وذلك هو تأويل قوله : ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) .