في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِي فَجۡوَةٖ مِّنۡهُۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا} (17)

( وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين ، وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال ، وهم في فجوة منه . ذلك من آيات الله . من يهد الله فهو المهتد . ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا . وتحسبهم أيقاظا وهم رقود . ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال . وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد . لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ، ولملئت منهم رعبا ) .

وهو مشهد تصويري عجيب ، ينقل بالكلمات هيئة الفتية في الكهف ، كما يلتقطها شريط متحرك . والشمس تطلع على الكهف فتميل عنه كأنها متعمدة . ولفظ( تزاور )تصور مدلولها وتلقي ظل الإرادة في عملها . والشمس تغرب فتجاوزهم إلى الشمال وهم في فجوة منه . .

وقبل أن يكمل نقل المشهد العجيب يعلق على وضعهم ذاك بأحد التعليقات القرآنية التي تتخلل سياق القصص لتوجيه القلوب في اللحظة المناسبة :

( ذلك من آيات الله ) . . وضعهم هكذا في الكهف والشمس لا تنالهم بأشعتها وتقرب منهم بضوئها . وهم في مكانهم لا يموتون ولا يتحركون .

( من يهد الله فهو المهتد . ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ) . . وللهدى والضلال ناموس . فمن اهتدى بآيات الله فقد هداه الله وفق ناموسه وهو المهتدي حقا . ومن لم يأخذ بأسباب الهدى ضل ، وجاء ضلاله وفق الناموس الإلهي فقد أضله الله إذن ، ولن تجد له من بعد هاديا .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِي فَجۡوَةٖ مِّنۡهُۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا} (17)

أي : حفظهم الله من الشمس فيسر لهم غارا إذا طلعت الشمس تميل عنه يمينا ، وعند غروبها تميل عنه شمالا ، فلا ينالهم حرها فتفسد أبدانهم بها ، { وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ } أي : من الكهف أي : مكان متسع ، وذلك ليطرقهم الهواء والنسيم ، ويزول عنهم الوخم والتأذي بالمكان الضيق ، خصوصا مع طول المكث ، وذلك من آيات الله الدالة على قدرته ورحمته بهم ، وإجابة دعائهم وهدايتهم حتى في هذه الأمور ، ولهذا قال : { مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ } أي : لا سبيل إلى نيل الهداية إلا من الله ، فهو الهادي المرشد لمصالح الدارين ، { وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا } أي : لا تجد من يتولاه ويدبره ، على ما فيه صلاحه ، ولا يرشده إلى الخير والفلاح ، لأن الله قد حكم عليه بالضلال ، ولا راد لحكمه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِي فَجۡوَةٖ مِّنۡهُۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا} (17)

قوله تعالى : { وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا } .

( تزاور ) ، بالتخفيف ، جملة فعلية في محل نصب على الحال من الشمس{[2782]} ، و ( تزاور ) ، يعني تميل . وهو من الازورار ، والتزاور ، والزور ، بفتح الزاي ، وهو الميل والانحراف . ومنه الزور ، بضم الزاي ؛ أي الميل عن الصدق{[2783]} . و ( تقرضهم ) ، من القرض وهو القطع أو الترك . والمعنى : أن أصحاب الكهف كانوا راقدين في كهفهم الذي هيأه الله لهم ويسر لهم أن يأووا إليه ، فكانوا داخله في كلاءة من الأذى والبلى والضرر . ذلك أن الكهف كان على الهيئة التي يستكن فيها هؤلاء الفتية فلا تمسهم الشمس . وهو قوله : ( وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين ) أي أنت أيها المخاطب ترى الشمس عند طلوعها تميل عن كهفهم ذات اليمين ؛ أي يمين الكهف ( وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال ) تقرضهم من القرض وهو القطع ؛ أي إذا غربت الشمس فإنها عند غروبها تتركهم وتعدل عن سمت رؤوسهم إلى جهة الشمال ؛ أي شمال الكهف . وبعبارة أخرى : فإنها تخلّفهم شمالا وتجاوزهم وتقطعهم وتتركهم عن شمالها{[2784]} ؛ فهي بذلك لا تصيبهم عند طلوع الشمس وهو أول النهار ، ولا عند غروبها وهو آخر النهار .

وبذلك قد حفظ الله أصحابه الكهف من أن يقع عليهم ضوء الشمس . ولو وقع عليهم أو أصابهم لفسدت أجسامهم وأتى عليها البلى والتلف ( وهم في فجوة ) أي وهم راقدون في متسع من الكهف لا تصيبهم الشمس فتؤذيهم بلظاها الحارق . وهذه آية من آيات الله تتجلى في مثل هذه الكرامة الربانية التي منّ الله بها على هؤلاء الفتية الأبرار ، بما يكشف عن قدرته سبحانه ؛ فهو الحفيظ لعباده المؤمنين به ، المتوكلين عليه ، اللاجئين إلى جنابه ، الهاربين من الفتنة وظلم الأشرار إلى رحابه . وهو جل وعلا ( خير حافظا وهو أرحم الراحمين ) .

قوله : ( من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ) يهدي الله من آمن به وأذعن لأمره وجاهد في سبيله طلبا لرضاه ؛ يهديه إلى سبيل الرشاد كأصحاب الكهف . أما ذو الطبع الزائغ المعوج الذي يجنح للجحود وفعل المعاصي فلن يكن له من نصير يهديه أو يرشده{[2785]} .


[2782]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 102.
[2783]:- القاموس المحيط جـ2 ص 43.
[2784]:- مختار الصحاح ص 529.
[2785]:- تفسير الرازي جـ21 ص 100 وفتح القدير جـ 3 ص 373 وتفسير ابن كثير جـ3 ص 73.