في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ} (58)

51

ويرسم السياق صورة منكرة لعادات الجاهلية : ( وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ) مسودا من الهم والحزن والضيق ، وهو كظيم ، يكظم غيظه وغمه ، كأنها بلية ،

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ} (58)

ثم أكد ما سلف بقوله سبحانه :

{ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم*يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون } .

المفردات :

البشارة : في أصل اللغة إلقاء الخبر الذي يؤثر في تغير بشرة الوجه ، ويكون في السرور والحزن ، فهو حقيقة في كل منهما ، وعلى هذا جاءت الآية ، ثم خص في عرف اللغة بالخبر السار ، يقال لمن لقي مكروها : قد اسودّ وجهه غما وحزنا ، ولمن ناله الفرح والسرور : استنار وجهه وأشرق .

الكظيم : الممتلئ غما وحزنا ، والكظم مخرج النفس ، يقال : أخذ بكظمه ؛ إذا أخذ بمخرج نفسه ، ومنه كظم غيظه أي : حبسه عن الوصول إلى مخرج النفس .

يتوارى : يستخفي ، وقد كان من عادتهم في الجاهلية ، أن يتوارى الرجل حين ظهور آثار الطلق بامرأته ، فإن أخبر بذكر ابتهج ، وإن أخبر بأنثى حزن ، وبقي متواريا أياما يدبر فيها ما يصنع .

يمسكه : يحبسه ، كقوله تعالى : { أمسك عليك زوجك } . ( الأحزاب : 37 ) .

الهون : الهوان والذل .

يدسه : يخفيه .

التفسير :

-{ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم*يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون } .

تحكي هذه الآيات جانبا من رذائل بعض القبائل العربية ، التي كثر بينها الحرب والغارة والقتال ، والعدوان ودفع العدوان والثأر ، فأكلت الحرب رجالهم وأموالهم ، وكانوا لا يهنئون إلا بثلاثة أشياء ، شاعر ينبغ ، أو ذكر يولد ، أو فرس تنتج ، وكلها عدة الحرب .

فالشاعر يمدح قبيلته ويتغنى بأمجادها ، ويهجو أعداءها ، والولد الذكر عدة الحرب والغارة ، في بلد لا سلطان فيه ولا قانون ، وإنما السيف هو السلطان والقانون ، والفرس : هو الخيل التي أقسم الله بها في كتابه ، وكانت عدة الحرب في الجاهلية والإسلام .

كانت بعض القبائل العربية تكره ولادة الأنثى ، وقد وصف القرآن ذلك أبلغ وصف ، وعبر عنه أقوى تعبير : { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم . . . } .

فإذا علم أحد هؤلاء المشركين أنه ولد له أنثى ؛ ظل وجهه كئيبا حزينا ، مسودا من الهم ، ممتلئا غيظا وحنقا ، من شدة ما هو فيه من الحزن .

{ يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب . . . } .

فهو يختفي عن القوم حياء وخجلا ، وحزنا وكمدا ؛ من أجل أن زوجته ولدت له أنثى ، ولم تلد له ذكرا ، ويدور بخلده أحد أمرين :

1 إما أن يمسكها ويبقيها على قيد الحياة ، لكن بقاء ذلة وهوان ، فلا يورّثها ويعنى بها ، بل يفضل الذكور عليها .

2- وإما أن يدفنها في التراب ، وهي على قيد الحياة ، فيقتلها دون أن ترتكب ذنبا أو إثما ، قال تعالى : { وإذا الموءودة سئلت*بأي ذنب قتلت } ( التكوير : 9 ، 8 ) .

{ ألا ساء ما يحكمون } . أي : بئس الحكم حكمهم ، وبئس الفعل فعلهم ؛ حيث نسبوا البنات إلى الله ، وظلموهن ظلما شنيعا ، حيث كرهوا وجودهن ، وأقدموا على قتلهن ، بدون ذنب أو ما يشبه الذنب .

وصدّر سبحانه هذا الحكم العادل عليهم ، بحرف ألا الاستفتاحية ؛ لتأكيد هذا الحكم ، ولتحقيق أن ما أقدموا عليه ، إنما هو جور عظيم ، قد تمالئوا عليه بسبب جهلهم الفاضح ، وتفكيرهم السيئ .

وأسند سبحانه الحكم إلى جميعهم ، مع أن من فعل هذا كان بعضا منهم ؛ لأن ترك هذا البعض يفعل ذلك الفعل القبيح ، وهذا الترك هو في ذاته جريمة يستحق عليها الجميع العقوبة ؛ لأن سكوتهم على هذا الفعل مع قدرتهم على منعه يعتبر رضا به . 38 .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ} (58)

{ وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى } أي أخبر بولادتها ، واصل البشارة الأخبار بما يسر لكن لما كانت ولادة الأنثى تسوءهم حملت على مطلق الأخبار ، وجوز أن يكون ذلك بشارة باعتبار الولادة بقطع النظر عن كونها أنثى وقيل : إنه بشارة حقيقة بالنظر إلى حال المبشر به في نفس الأمر ، وأياماً كان فالكلام على تقدير مضاف كما أشرنا إليه { ظَلَّ وَجْهُهُ } أي صار { مُسْوَدّا } من الكآبة والحياء من الناس ، وأصل معنى ظل أقام نهاراً على الصفة التي تسند إلى الاسم ، ولما كان التبشير قد يكون في الليل وقد يكون في النهار فسر بما ذكر وقد تلحظ الحالة الغالبة بناء على أن أكثر الولادات يكون بالليل ويتأخر اخبار المولود له إلى النهار خصوصاً بالأنثى فيكون ظلوله على ذلك الوصف طول النهار واسوداد الوجه كناية عن العبوس والغم والفكر والنفرة التي لحقته بولادة الأنثى ، قيل : إذا قوى الفرح انبسط روح القلب من داخله ووصل إلى الأطراف لا سيما إلى الوجه لما بين القلب والدماغ من التعلق الشديد فيرى الوجه مشرقاً متلألئاً ، وإذا قوى الغم انحصر الروح إلى باطن القلب ولم يبق له أثر قوي في ظاهر الوجه فيربد ويتغير ويصفر ويسود ويظهر فيه أثر الأرضية ، فمن لوازم الفرح استنارة الوجه وإشراقه ومن لوازم الغم والحزن اربداده واسوداده فلذلك كنى عن الفرح بالاستنارة وعن الغم بالاسوداد ، ولو قيل بالمجاز لم يبعد بل قال بعضهم : { أَنَّهُ } والظاهر أن { يُسْلِمْ وَجْهَهُ } اسم ظل { *ومسودا } خبره ، وجوز كون الاسم ضمير الأحد ووجهه بدلاً منه ولو رفع { وَجْهُهُ مُسْوَدّا } على أن { وَجْهَهُ } مبتدأ وهو خبر له والجملة خبر { ظِلّ } صح لكنه لم يقرأ بذلك هنا { وَهُوَ كَظِيمٌ } أي مملوء غيظاً وأصل الكظم مخرج النفس يقال : أخذ بكظمه إذا أخذ بمخرج نفسه ، ومنه كظم الغيظ لا خفائه وحبسه عن الوصول إلى مخرجه .

وفعل اما بمعنى مفعول كما أشير إليه أو صيغة مبالغة ، والظاهر أن ذلك الغيظ على المرأة حيث ولدت أنثى ولم تلد ذكراً ، ويؤيده ما روي الأصمعي أن امرأة ولدت بنتاً سمتها الذلقاء فهجرها زوجها فانشدت :

ما لأبي الذلقاء لا يأتينا . . . يظل في البيت الذي يلينا

يحرد أن لا نلد البنينا . . . وإنما نأخذ ما يعطينا

والفقير قد رأيت من طلق زوجته لأن ولدت أنثى ، والجملة في موضع الحال من الضمير في { ظِلّ } وجوز أبو البقاء أن يكون حالا من وجه ، وجوز غيره أيضاً حاليته من ضمير { مُسْوَدّا } .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ} (58)

ثم صور - سبحانه - حالتهم عندما يبشرون بولادة الأنثى ، وحكى عاداتهم الجاهلية المنكرة ، فقال - تعالى - : { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يتوارى مِنَ القوم مِن سواء مَا بُشِّرَ بِهِ . . } .

قال الآلوسى : " قوله { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى . . } ، أي : أخبر بولادتها . وأصل البشارة الإِخبار بما يسر . لكن لما كانت ولادة الأنثى تسوءهم ، حملت على مطلق الإِخبار . وجوز أن يكون ذلك بشارة ، باعتبار الولادة ، بقطع النظر عن كونها أنثى . . " .

وقوله : { كظيم } ، من الكظم ، بمعنى الحبس . يقال : كظم فلان غيظه ، إذا حبسه ، وهو ممتلئ به ، وفعله من باب ضر .

والمعنى : وإذا أخبر أحد هؤلاء الذين يجعلون لله البنات ، بولادة الأنثى دون الذكر ، صار وجهه مسودا كئيبا كأن عليه غبرة ، ترهقه قترة - أي تعلوه ظلمه وسواد - ، وصار جسده ممتلئا بالحزن المكتوم ، والغيظ المحبوس ، وأصبح يتوارى ، ويتخفى عن أعين الناس ، خجلا وحياء ، من أجل أن زوجته ولدت له أنثى ، ولم تلد له ذكرا .

وقوله - سبحانه - : { أَيُمْسِكُهُ على هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التراب } ، تصوير بليغ لموقف ذلك المشرك مما بشر به ، وهو ولادة الأنثى .

فالضمير المنصوب في قوله : " أيمسكه ، ويدسه " ، يعود على المبشر به ، وهو الأنثى .

والهون : بمعنى الهوان والذل .

ويدسه : من الدس ، بمعنى : الإِخفاء للشيء في غيره . والمراد به . دفن الأنثى حية في التراب حتى تموت ، وهو المشار إليه في قوله - تعالى - : { وَإِذَا الموءودة سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ } أي : أن هذا المشرك بعد أن يبشر بولادة الأنثى ، يدور بذهنه أحد أمرين : إما أن يمسكها ويبقيها على هوان وذل ، وإما أن يدسها ويخفيها في التراب ، بأن يدفنها فيه وهي حية ، حتى تموت .

والجار والمجرور في قوله : { على هون } ، يصح أن يكون حالا من الفاعل ، وهو المشرك : أي : أيمسك المبشر به مع رضاه - أي المشرك - بهوان نفسه وذلتها بسبب هذا الإِمساك .

ويصح أن يكون حالا من المفعول ، وهو الضمير المنصوب . أي أيمسك هذه الأنثى ويبقيها بقاء ذلة وهوان لها ، بحيث لا يورثها شيئا من ماله ، ولا يعاملها معاملة حسنة .

ومن بلاغة القرآن أنه عبر بقوله ؛ { أَيُمْسِكُهُ على هُونٍ } ، ليشمل حالة المشرك ، وحالة المبشر به وهو الأنثى .

وقوله - تعالى - : { أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ } ، ذم لهم على صنيعهم السيئ ، وعلى جهلهم الفاضح .

أي : بئس الحكم حكمهم ، وبئس الفعل فعلهم ، حيث نسبوا البنات إلى الله - تعالى - ، وظلموهن ظلما شنيعا ، حيث كرهوا وجودهن ، وأقدموا على قتلهن بدون ذنب أو ما يشبه الذنب .

وصدر - سبحانه - هذا الحكم العادل عليهم بحرف " ألا " الاستفتاحية : لتأكيد هذا الحكم ، ولتحقيق أن ما أقدموا عليه ، إنما هو جور عظيم ، قد تمالئوا عليه ، بسبب جهلهم الفاضح ، وتفكيرهم السيئ .

أسند - سبحانه - الحكم إلى جميعهم ، مع أن من فعل ذلك كان بعضا منهم ، لأن ترك هذا البعض يفعل ذلك الفعل القبيح ، هذا الترك هو في ذاته جريمة ، يستحق عليها جميع العقوبة ، لأن سكوتهم على هذا الفعل مع قدرتهم على منعه ، يعتبر رضا به .