البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ} (58)

وإذا بشر ، المشهور أن البشارة أول خبر يسر ، وهنا قد يراد به مطلق الأخبار ، أو تغير البشرة ، وهو القدر المشترك بين الخبر السار أو المخبرين ، وفي هذا تقبيح لنسبتهم إلى الله المنزه عن الولد البنات وأحدهم أكره الناس فيهنّ ، وأنفرهم طبعاً عنهن .

وظل تكون بمعنى صار ، وبمعنى أقام نهاراً على الصفة التي تسند إلى اسمها تحتمل الوجهين .

والأظهر أن يكون بمعنى صار ، لأنّ التبشير قد يكون في ليل ونهار ، وقد تلحظ الحالة الغالبة .

وأنّ أكثر الولادات تكون بالليل ، وتتأخر أخبار المولود له إلى النهار وخصوصاً بالأنثى ، فيكون ظلوله على ذلك طول النهار .

واسوداد الوجه كناية عن العبوس والغم والتكره والنفرة التي لحقته بولادة الأنثى .

قيل : إذا قوي الفرح انبسط روح القلب من داخله ووصل إلى الأطراف ، ولاسيما إلى الوجه لما بين القلب والدماغ من التعلق الشديد ، فترى الوجه مشرقاً متلألئاً .

وإذا قوي الغم انحصر الروح إلى باطن القلب ولم يبق له أثر قوي في ظاهر الوجه ، فيربد الوجه ويصفر ويسود ، ويظهر فيه أثر الأرضية ، فمن لوازم الفرح استنارة الوجه وإشراقه ، ومن لوازم الغم والحزن اربداده واسوداده ، فلذلك كنى عن الفرح بالاستنارة ، وعن الغم بالاسوداد .

وهو كظيم أي : ممتلئ القلب حزناً وغمًّا .

أخبر عما يظهر في وجهه وعن ما يجنه في قلبه .

وكظيم يحتمل أن يكون للمبالغة ، ويحتمل أن يكون بمعنى مفعول لقوله : { وهو مكظوم } ويقال : سقاء .

مكظوم ، أي مملوء مشدود الفم .

وروى الأصمعي أنّ امرأة ولدت بنتاً سمتها الذلفاء ، فهجرها زوجها فقالت :

ما لأبي الذلقاء لا يأتينا . . . ***يظل في البيت الذي يلينا

يحرد ان لا نلد البنينا . . . ***وإنما نأخذ ما يعطينا