في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَـٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ} (17)

( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر ؛ أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون . إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ، وأقام الصلاة وآتى الزكاة ، ولم يخش إلا الله ، فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين . أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ، وجاهد في سبيل الله ? لا يستوون عند الله ، والله لا يهدي القوم الظالمين . الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله ، وأولئك هم الفائزون . يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ، وجنات لهم فيها نعيم مقيم ، خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم ) .

وبعد البراءة والإعلان لم يبق عذر ولا حجة لمن لا يقاتل المشركين ؛ ولم يعد هنالك تردد في حرمانهم زيارة البيت أو عمارته ، وقد كانوا يقومون بهما في الجاهلية ، وهنا ينكر السياق على المشركين أن يكون لهم الحق في أن يعمروا بيوت الله ، فهو حق خالص للمؤمنين بالله ، القائمين بفرائضه ؛ وما كانت عمارة البيت في الجاهلية وسقاية الحاج لتغير من هذه القاعدة . وهذه الآيات كانت تواجه ما يحيك في نفوس بعض المسلمين الذين لم تتضح لهم قاعدة هذا الدين .

( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر ) . .

فهو أمر مستنكر منذ الابتداء ، ليس له مبرر لأنه مخالف لطبائع الأشياء . إن بيوت الله خالصة لله ، لا يذكر فيها إلا اسمه ، ولا يدعى معه فيها أحد غيره ، فكيف يعمرها من لا يعمر التوحيد قلوبهم ، ومن يدعون مع الله شركاء ، ومن يشهدون على أنفسهم بالكفر شهادة الواقع الذي لا يملكون إنكاره ، ولا يسعهم إلا إقراره ? إقراره ?

( أولئك حبطت أعمالهم ) . .

فهي باطلة أصلا ، ومنها عمارة بيت الله التي لا تقوم إلا على قاعدة من توحيد الله .

( وفي النار هم خالدون ) . .

بما قدموا من الكفر الواضح الصريح .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَـٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ} (17)

{ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ( 17 ) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ( 18 ) }

المفردات :

ما كان للمشركين : أي ما صح ولا استقام لهم .

شاهدين على أنفسهم بالكفر : المراد من شهادتهم على أنفسهم : إظهارهم آثاره ، من نصب الأوثان حول البيت وعبادتها ، وإن أبوا أن يعترفوا بكونهم كفارا .

حبطت أعمالهم : أي : بطلت فلا ينتفعون بها .

17

التفسير :

17 – { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ } .

أي : ما صح ولا استقام في دين الله وشرعه ، أن يتولى المشركون عمارة الأماكن المعدة لعبادة الله ، المبنية على اسمه وحده لا شريك له ، فضلا عن عمارتهم المسجد الحرام الذي هو أشرفها وأعزها .

وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر ، أي : بشهادة الحال والمقال ، بأن يعبدوا الأصنام ، وأن يطوفوا بالبيت عراة ، وكلما طافوا بالأصنام سجدوا لها ، وقيل : هو قولهم : " لبيك لا شريك لك ، إلا شريك هو لك ، تملكه ، وما ملك " فهذه شهادتهم بالكفر ، ثابتة قولا وعملا ، فهم بهذا جمعوا بين الضدين ، وبين أمرين متنافيين ، لا يعقل الجمع بينهما على وجه صحيح : عمارة بيت الله والكفر به .

{ أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون } .

أي : أولئك المشركون ، قد فسدت أعمالهم التي كانوا يفتخرون بها ، مثل : العمارة ، والحجابة ، والسقاية ، لأنها مع الكفر لا قيمة لها .

قال تعالى : { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } . ( الأنعام : 88 ) .

{ وفي النار هم خالدون } . يوم القيامة بسبب كفرهم وإصرارهم على باطلهم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَـٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ} (17)

{ مَا كَانَ للْمُشْركينَ } أي لا ينبغي لهم ولا يليق وإن وقع { أنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ } أي لا ينبغي لهم ولا يليق وإن وقع { أَن يَعْمُرُواْ * مساجد الله } الظاهر أن المراد شيئاً من المساجد لأنه جمع مضاف فيعم ويدخل فيه المسجد الحرام دخولاً أولياً ، وتعميره مناط افتخارهم ، ونفي الجمع يدل على النفي عن كل فرد فيلزم نفيه عن الفرد المعين بطريق الكناية ، وعن عكرمة . وغيره أن المراد به المسجد الحرام واختاره بعض المحققين ، وعبر عنه بالجمع لأنه قبلة المساجد وأمامها المتوجهة إليه محاريبها فعامره كعامرها ، أو لأن كل مسجد ناحية من نواحيه المختلفة مسجد على حياله بخلاف سائر المساجد ، ويؤيد ذلك قراءة أبي عمرو . ويعقوب . وابن كثير . وكثير( {[308]} ) { مساجد } بالتوحيد ، وحمل بعضهم { مَا كَانَ } على نفي الوجود والتحقق ، وقدر بأن يعمروا بحق لأنهم عمروها بدونه ولا حاجة إلى ذلك على ما ذكرنا { شَهِدِينَ على أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ } باظهارهم ما يدل عليه وإن لم يقولوا نحن كفار ، وقيل : بقولهم لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك ، وقيل : بقولهم كفرنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو حال من الضمير في { يَعْمُرُواْ } قيل : أي ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين عمارة البيت والكفر بربه سبحانه ، وقال بعضهم : ءن المراد محال أن يكون ما سموه عمارة بيت الله تعالى مع ملابستهم لما ينافيها ويحبطها من عبادة غيره سبحانه فإنها ليست من العمارة في شيء ، واعترض على قولهم : إن المعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين متنافيين بأنه ليس بمعرب عن كنه المرام ، فإن عدم استقامة الجميع بين المتنافيين إنما يستدعي انتفاء أحدهما لا بعينه لا انتفاء العمارة الذي هو المقصود ، وظاهره أن النفي في الكلام راجع إلى المقيد ، وحينئد لا مانع من أن يكون المراد من { مَا كَانَ } نفي اللياقة على ما ذكرنا ، والغرض ابطال افتخار المشركين بذلك لاقترانه بما ينافيه وهو الشرك . وجوز أن يوجه النفي إلى القيد كما هو الشائع وتكلف له بما لا يخلو عن نظر . ولعل من قال في بيان المعنى : ما استقام لهم أن يجمعوا الخ جعل محط النظر المقارنة التي أشعر بها الحال ، ومع هذا لا يأبى أن يكون المقصود نظراً للمقام نفي صحة الافتخار بالعمارة والسقاية فتدبر جداً .

/ ومما يدل على أن المقام لنفي الافتخار ما أخرجه أبو الشيخ . وابن جرير عن الضحاك أنه لما أسر العباس عيره المسلمون بالشرك وقطيعة الرحمن وأغلظ عليه علي كرم الله تعالى وجهه في القول ، فقال : تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونقرى الحجيج ونفك العاني فنزلت : وأخرج ابن جرير .

وابن المنذر . وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نحوه { أولئك } أي المشركون المذكورون { حَبِطَتْ أعمالهم } التي يفتخرون بها بما قارنها من الكفر فصارت كلا شيء { وَفِى النار هُمْ * خالدون } لعظم ما ارتكبوه ، وإيراد الجملة اسمية للمبالغة في الخلود ، والظرف متعلق بالخبر قدم عليه للاهتمام به ومراعاة للفاصلة .

وهذه الجملة قيل : عطف على جملة { حَبِطَتْ } على أنها خبر آخر لأولئك ، وقيل : هي مستأنفة كجملة { أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ } وفائدتهما تقرير النفي السابق الأولى من جهة نفي استتباع الثواب والثانية من جهة نفي استدفاع العذاب .


[308]:- كابن عباس. ومجاهد. وابن جبير اهـ منه.
 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَـٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ} (17)

ثم أخذت السورة بعد ذلك في إعلان حكم آخر يتعلق بتعمير مساجد الله ، فبينت أنه يحرم على المشركين أن يعمروا مساجد الله ، وأن المستحقين لذلك هم المؤمنين الصادقون ، فقال - تعالى - : { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ . . . مِنَ المهتدين } .

قال الجمل : وسبب نزول هذه الآية أن جماعة من رؤساء قريش أسروا يوم بدر ، منهم العباس بن عبد المطلب ، فأقبل عليهم نفر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعيرونهم بالشرك . وجعل على بن أبى طالب يوبخ العباس بسب قتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقطيعة الرحم .

فقال العباس : ما لكم تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا ؟ فقيل له : وهل لكم محاسن ؟ قال : نعم . ونحن أفضل منكم . إنا لنعمر المسجد الحرام . ونحجب الكعبة - أى نخدمها - ، ونسقى الحجيج ، ونفك العانى - أى الأسير - فنزلت هذه الأية .

وقال صاحب المنار : والمراد أن هذه الآية تتضمن الرد على ذلك القول الذي كان يقوله ويفخر به العباس وغيره من كبراء المشركين ، لا أنها نزلت عندما قال ذلك القول لأجل الرد عليه في أيام بدر من السنة الثانية من الهجرة ، بل نزلت في ضمن السورة بعد الرجوع من غزوة تبوك كما تقدم .

وقوله : { يَعْمُرُواْ } من العمارة التي هي نقيض الخراب . يقال : عمر فلان أرضه يعمرها عمارة إذا تعهدها بالخدمة والاصلاح والزراعة .

والمراد بعمارة المساجد ، هنا : ما يشمل إقامة العبادة فيها ، وإصلاح بنائها وخدمتها ، ونظافتها ، واحترامها ، وصيانتها عن كل مالا يتناسب مع الغرض الذي ينبت من أجله .

وقوله : { مَسَاجِدَ الله } قرأ أبو عمر وابن كثير { مسجد الله } بالإِفراد ، فيكون المراد به المسجد الحارم : لأنه أشرف في المساجد في الأرض ، ولأنه قلبه المساجد كلها . . فلا يجوز للمشركين دخوله أو الخدمة فيه .

وقرأ الجمهور { مَسَاجِدَ الله } بالجمع ، فيكون المراد من المساجد جميعها لأنها جميع مضاف في سياق النفى فيعم سائر المساجد ، ويدخل فيها المسجد الحرام دخولا أولياً ، لأن تعميره منط افتخارهم ، وأهم مقاصدهم . وهذه القراءة آكد في النفى ، لأن نفى الجمع يدل على النفى عن كل فرد ، فيلزم نفيه عن الفرد المعين بطريق الكناية ، كما لو قلت : فلان لا يقرأ كتب الله ، فإن قولك هذا أنفى لقراءته القرآن من تصريحك بذلك .

قوله : { شَاهِدِينَ على أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ } حال من الواو في قوله { يَعْمُرُواْ } .

وفائدة المجئ بهذه الجملة : الأشعار بأن كفرهم كفر صريح ، وأنهم يعترفون به اعترافاً لا يملكون إنكاره ، ولا يسعهم إلا إقراره .

والمعنى : لا ينبغى ولا يصح للمشركين أن يعمروا مساجد الله التي بنيت لعبادته وحده - سبحانه . وذلك لأن هؤلاء المشركين قد شهدوا على أنفسهم بالكفر شهادة نطقت بها السنتهم ، وأيدتها أعمالهم .

فهم لا ينطقون بكلمة التوحيد ، وإنما ينطقون بكلمة التوحيد ، وإنما ينطقون بالكفر والاشراك . وهم لا يعملون أعمال المؤمنين ، وإنما يعملون الأعمال القبيحة التي تدل على إصرارهم على باطلهم كسجودهم للأصنام عقب الطواف بالكعبة .

قال الفخر الرازى : وذكروا في تفسيره هذه الشهادة وجوها :

الأول - وهو الأصح : أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان ، وتكذيب القرآن ، وإنكار نبوة محمد - عليه الصلاة والسلام - وكل ذلك كفر ؛ فمن يشهد على نفسه بكل هذه الأشياء فقد شهد على نفسه بما هو كفر في نفس الأمر ، وليس المراد أنهم شهدوا على أنفسهم بأنهم كفرة .

الثانى . قال السدى : شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن يقول عابد الوثن أنا عابد الوثن .

الثالث : أنهم كانوا يطوفون عراة ؛ وكلما طافوا شوطاً سجدوا للأصنام ، وكانوا يقولون : لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك .

ثم بين - سبحانه - : في ختام الآية سوء عاقبتهم فقال { أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النار هُمْ خَالِدُونَ } :

أى : أولئك المشركون الشاهدون على أنفسهم بالكفر قد فسدت أعمالهم التي كانوا يفتخرون بها مثل العمارة والحاجة والسقاية لأنها مع الكفر ى قيمة لها ، { وَفِي النار هُمْ خَالِدُونَ } يوم القيامة بسبب كفرهم وإصرارهم على باطلهم .