في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّ لِكُلِّ نَفۡسٖ ظَلَمَتۡ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لَٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۖ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} (54)

26

وبينما نحن معهم على هذه الأرض في استنباء وجواب . إذا نحن فجأة - مع السياق في نقلة من نقلات الأسلوب القرآني المصور - في ساحة الحساب والجزاء . مبدئياً على وجه الفرض والتقدير .

ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به . .

فلا يقبل منها حتى على فرض وجوده معها .

ولا تكتمل الآية حتى يكون الفرض قد وقع وقضي الأمر :

( وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ) . .

أخذتهم وهلة المفاجأة فسقط في أيديهم ، والتعبير يرسم للخيال صورة الكمد يظلل الوجوه ، دون أن تنطق الشفاه !

( وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ) . .

وانتهى المشهد الذي بدأ منذ نصف آية فرضاً وانتهى واقعاً ، على طريقة التصوير القرآني المؤثر المثير .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّ لِكُلِّ نَفۡسٖ ظَلَمَتۡ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لَٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۖ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} (54)

المفردات :

وأسرو ا الندامة : قال أبو عبيدة : معناه : وأظهروا الندامة . وقال غيره : وأخفوا الندامة فهو من الأضداد .

بالقسط : القسط بكسر القاف : بمعنى : العدل أما بفتحها : فبمعنى : الظلم وليس له موضع هنا .

التفسير :

54 { وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ . . . }

الظالم لن يعجز الله ولن يستطيع الإفلات من عذابه ، وكل نفس ظلمت في الدنيا بالشرك أو المعاصي ؛ تندم أشد الندم على ظلمها ، ولو أنها كانت تملك جميع ما في الأرض ؛ لقدمته فدية من هذا العذاب ؛ إن كان الافتداء يجديها .

والآية قصد بها : التهويل من شأن العذاب والتعظيم له حتى إن الكافر لو كان يملك ما في الأرض من مال ومتاع ، وأمكنه أن يقدمه كفداء لنفسه ؛ لقدمه سريعا .

{ وأسروا الندامة لما رأوا العذاب } .

أي : أخفى هؤلاء الظالمون الندامة ؛ حين رأوا مقدمات العذاب ، وأيقنوا أنهم لا نجاة لهم منه ، وقد فاجأهم العذاب فأسكتهم وأذلهم ؛ حين رأوا من فظاعة الخطب ما جعلهم جامدين مبهوتين .

وقيل : { أسروا الندامة } . أظهروها ولم يكن عندهم تجلد على كتمها والكلمة من الأضداد تطلق على الجهر والإسرار ؛ وفي سورة الملك : { وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور } . ( الملك : 13 ) .

{ وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } .

أي : حكم الله تعالى بينهم بالعدل التام الذي لا ظلم فيه بوجه من الوجوه .

قال تعالى : { وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } . ( النحل : 33 ) .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّ لِكُلِّ نَفۡسٖ ظَلَمَتۡ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لَٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۖ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} (54)

قوله تعالى : { ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } أي ولو أن لكل نفس كفرت بالله أو أشركت به غيره من الآلهة والأنداد ، ما في الأرض من المال والملك والنفائس والذخائر { لافتدت به } أي لجعلته فدية لها من العذاب فتنجو بنفسها مما حل بها . ومثل هذه الأمنية ليس إلا ضربا من الحلم الشاطح يراود المجرمين الخاسرين يوم القيامة وهم تحيط بهم كل ظواهر اليأس والذعر والوجل وانخلاع القلوب ؛ فلا يغنيهم من عذاب الله حينئذ مال ولا سلطان ولا غير ذلك من مفاخر الدنيا .

قوله : { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب } أي أخفى رؤساء المشركين والخاسرين ندامتهم عن أتباعهم من الوضعاء والسفلة والرعاع إحساسا بالخزي والافتضاح والمعرة أمامهم ، وكيلا يوبخهم ؛ لأنهم أضلوها . وهذا إذا أيقنوا أن عذاب الله واقع وقبل أن يكبكبوا في النار ؛ فهم قبل الكبكبة والاصطلاء والتحريق قد بقي فيهم بقية من القدرة على التصنع والمكابرة يكشف عنها استسرارهم الندامة في أنفسهم وإخفاؤها عن أتباعهم الرعاع . حتى إذا سقطوا في النار جميعا ذهب التصنع والمكابرة وغاروا في الإياس والندامة وخواء القلوب .

قوله : { وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } أي قضي الله بين هؤلاء الرؤساء من الكافرين وأتباعهم بالعدل { وهم لا يظلمون } الجملة في محل نصب حال ؛ فالله لا يظلم أحدا مثقال ذرة . فما جوزوا به من العذاب كان سببه ما كسبوه من الكفر والمعاصي{[1998]} .


[1998]:فتح القدير جـ 2 ص 452 وتفسير القرطبي جـ 8 ص 352 وتفسير النسفي جـ 2 ص 167.