( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ) . .
لا تستندوا ولا تطمئنوا إلى الذين ظلموا . إلى الجبارين الطغاة الظالمين ، أصحاب القوة في الأرض ، الذين يقهرون العباد بقوتهم ويعبدونهم لغير الله من العبيد . . لا تركنوا إليهم فإن ركونهم إليهم يعني إقرارهم علىهذا المنكر الأكبر الذي يزاولونه ، ومشاركتهم إثم ذلك المنكر الكبير .
( وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ) . .
والاستقامة على الطريق في مثل هذه الفترة أمر شاق عسير يحتاج إلى زاد يعين . .
ولا تركنوا : أي : لا تميلوا إليهم أدنى ميل ، والركون : الميل اليسير .
إلى الذين ظلموا : لا تميلوا إلى الظالمين بمودة ، أو مداهنة ، أو رضي بأعمالهم .
113 { وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ . . . } الآية .
ولا تميلوا أدنى ميل إلى الظالمين ؛ بمشاركتهم أو معونتهم أو الميل إليهم بقلوبكم ؛ بل يجب بغض الظالم ، والبعد عنه . فإذا خالط الإنسان الظالم للضرورة . أو لتوجيهه وتحذيره ؛ فالأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى " وقد تضمنت الآية صراحة : بيان عاقبة الركون إلى الظلمة ، وهي الإحراق بالنار ؛ بسبب مخالطتهم أو مصاحبتهم ، وممالأتهم على ما هم عليه ، وموافقتهم في أمورهم والظلمة هم أعداء المؤمنين من المشركين ، أو كل ظالم ، سواء أكان كافرا أو مسلما ؛ والرأي الثاني أصح ؛ لأن الأخذ بعموم الكلام أولى " . 74
{ وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ } .
والركون المنهي عنه هو : الرضا بما عليه الظلمة ، أو تحسين الطريقة وتزيينها عند غيرهم ، ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب ، فأما مداخلتهم ضرر ، واجتلاب منفعة عاجلة ؛ فغير داخلة في الركون . 75
وقد حذر القرآن الكريم من الظلم ، والركون إلى الظلمة ، كما حذرت السنة المطهرة من عاقبة الظلم ، وفي الحديث الشريف : ( اتقوا الظلم ؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ) ، 76 وفي الحديث القدسي الذي رواه الإمام أحمد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يقول الله تعالى : يا عبادي ، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا . . . ) . 77
وفي الحديث القدسي أيضا يقول الله تعالى : " ثلاث لا أراد لهم دعوة ، دعوة الوالد لولده ، ودعوة الصائم حتى يفطر ، ودعوة المظلوم ترفع فوق السماء ، ويفتح لها الحجاب ، ويقول الله تعالى : وعزتي وجلالي ، لأنصرنّك ولو بعد حين ) ! 78
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا *** الظلم شيمته يدعو إلى الندم
تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم
" الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم ، والتهديد عليه ؛ لأن هذا الوعيد الشديد إذا كان فيمن يركن إلى الذين ظلموا ؛ فكيف يكون حال من ينغمس في حمأته ؟ ! .
ثم قال : وقد وسع العلماء في ذلك وشددوا ، والحق أن الحالات تختلف ، والأعمال بالنيات ، والتفصيل أولى ، فإن كانت المخالطة لدفع منكر ، أو للاستعانة على إحقاق الحق ، أو جلب الخير ، فلا حرج في ذلك ، وإن كانت لإيناسهم ، وإقرارهم على ظلمهم فلا . . . " .
{ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ } .
وليس لكم غير الله أنصار أبدا ينفعونكم ، ويمنعون العذاب عنكم حتى هؤلاء الذين ركنتم إليهم .
{ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ } . ثم لا ينصركم الله ، ولا تجدون من ينصركم ؛ لأن الله لا ينصر الظالمين ، قال تعالى : { وما للظالمين من أنصار } . ( البقرة : 270 ) .
وقال سبحانه : { وما للظالمين من نصير } . ( الحج : 71 ، فاطر : 37 ) . فعلى المسلمين أن يعتمدوا على ربهم ، وأن يكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ، وأن يحذروا هؤلاء الظالمين ، وأن يحولوا بينهم وبين الظلم ، قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه ؛ يوشك أن يعمهم الله بعقابه ) . رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن .
قوله : { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار } تركنوا ، من الركون وهو الميل والسكون{[2186]} ، والمراد به هنا : الاعتماد والاستناد إلى الشيء عن رضى . أما الذين ظلموا فهم المشركون والظالمون وأئمة الضلال والفسق والعصيان . أولئك جميعا قد نهى الله عباده المؤمنين عن طاعتهم أو الاستناد غليهم أو الاعتماد عليهم أو الميل إلى جانيهم . ونهى أيضا عن مداهنتهم أو مصانعتهم والرضا بكفرهم وضلالهم وظلمهم . فالمعنى : لا تميلوا إلى الكافرين والعصاة ، ولا توادوهم أو تجنحوا إليهم في مذلة وهوان خور .
قوله : { فتمسكم النار } أي تخرقكم النار بسبب الركون إلى الظالمين ؛ فإن الميل إلى الطغاة والمستبدين والمشركين ، والسكون إليهم بما يتمضن التأييد لهم والرضا بأفعالهم وسلوكهم ، ليس إلا ضربا من التملق الخسيس ، والخلق المهين المبتذل الذي يكشف عن حقيقة فريق من الناس قد ركبت طبائعهم ظواهر النفاق والخور حتى خسروا أنفسهم فكانوا في الأذلين . أولئك هم المنافقون الخائرون الذين باءوا بالخسران والبوار وسوء المصير .
أما إن كان الميل للظالمين أو مداهنتهم على سبيل التقية ، وخوفا منهم ، أو لدفع ضرر عام من المسلمين ، أو جلب مصلحة كبيرة لهم ؛ فليس الميل للظالمين حينئذ واقعا في النهي –شريطة ألا يقترن الركون إلى هؤلاء الظالمين بالمحبة ورضى القلب ؛ أي أن مخالطتهم والدخول عليهم لتحقيق مصلحة للمسلمين ؛ أو دفع مفسدة عنهم مع كراهية ما هم عليه من الفساد والظلم وعدم جنوح النفس غليهم ومجبتها لهم وعدم طاعتهم في معصية الله ، فذلك لا يتناوله النهي . والأصل في ذلك أن الأعمال إنما تكون بالنيات ، والله وحده عليهم بالنوايا والخفايا . والله سبحانه وتعالى أعلم .
قوله : { وما لكم من دون الله من أولياء } الجملة في محل نصب على الحال . والمعنى : أنكم تبوءون بالتحريق والعذاب ، ولا تجدون إذ ذاك من أعوانكم وخلانكم من ينتقدكن أو يدفع عنكم ما حاق بكم من الويل والعذاب { ثم لا تنصرون } أي ليس لكم من نصير ولا شفيع ولا معين ، فلا الله بكاف عنكم العذاب حينئذ ، ولا الخلائق كلها قادرة على أن تزحزح عنكم النار{[2187]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.