في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَلَوۡلَا كَانَ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِن قَبۡلِكُمۡ أُوْلُواْ بَقِيَّةٖ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡفَسَادِ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّنۡ أَنجَيۡنَا مِنۡهُمۡۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتۡرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجۡرِمِينَ} (116)

100

ثم يعود السياق إلى تكملة التعليق والتعقيب على مصارع القرى والقرون . فيشير من طرف خفي إلى أنه لو كان في هذه القرون أولو بقية يستبقون لأنفسهم الخير عند الله ، فينهون عن الفساد في الأرض ، ويصدون الظالمين عن الظلم ، ما أخذ تلك القرى بعذاب الاستئصال الذي حل بهم ،

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَلَوۡلَا كَانَ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِن قَبۡلِكُمۡ أُوْلُواْ بَقِيَّةٖ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡفَسَادِ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّنۡ أَنجَيۡنَا مِنۡهُمۡۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتۡرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجۡرِمِينَ} (116)

{ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ 116 وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ 117 وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ 118 إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ 119 } .

المفردات :

فلولا : فهلا .

القرون : جمع قرن وهو مائة سنة ، والمراد هنا : أهلها من الأمم السابقة .

أولوا بقية : أصحاب بقية من العقل والرأي والتفكير ، وأطلق عليهم ذلك ؛ لأنهم لا يعجلون بإبداء الرأي ، بل يبقونه حتى يمحّصوه ويدركوا صوابه فيجهروا به .

ما أترفوا فيه : ما تنعموا به من الشهوات ، والمترف : المتنعم .

116

التفسير :

116 { فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ . . . } الآية .

أي : هلا وجد من هذه الأمم المهلكة ، أصحاب عقل وروية وفكر ، يؤيدون الرسل وينصحون قومهم بإتباعهم ، وينهون المفسدين عن الإساءة ، وعن فعل المنكر .

إن هؤلاء في كل أمة دليل حيويتها ، وسبيل بقائها ، وهم دعاة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ من أمثال مؤمن آل فرعون الذي حض قومه على الإيمان بموسى وعدم إيذائه .

بيد أن هؤلاء الدعاة لم يتواجدوا بكثرة ، بل وجد قليل منهم نصحوا وآمنوا وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ؛ فنجاهم الله مع المرسلين ، والآية تلقى اللوم على المكذبين ، وتحذر المسلمين أن يتهاونوا في فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

{ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ } .

إن القلة من العقلاء لم تستطع القضاء على الفساد ، ولكن الكثرة الظالمة انغمست في الترف والنعيم ، وأمعنت في الفساد والضلال ، وتابعت حلقات الشهوات والإجرام ؛ فاستحقت الهلاك والدمار .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَلَوۡلَا كَانَ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِن قَبۡلِكُمۡ أُوْلُواْ بَقِيَّةٖ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡفَسَادِ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّنۡ أَنجَيۡنَا مِنۡهُمۡۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتۡرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجۡرِمِينَ} (116)

قوله تعالى : { فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين 116 وما كان ربك ليهلك القرى ظلم وأهلها مصلحون } .

لولا ، أداة تحضيض بمعنى هلا . و { القرون } بمعنى الأجيال والأمم . والبقية ، يراد بها الفضل والعقل والخير . قال الزمخشري في الكشاف : سمي الفضل والجودة بقية ؛ لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله فصار مثلا في الجودة والفضل ويقال : فلان من بقية القوم : أي من خيارهم{[2191]} .

والمعنى : هلا كان من الأمم التي سبقتكم ذوو بقية من الفهم والصلاح والعقل فيتعظوا ويتدبروا آيات الله ودلائله ويعلموا الحق من الباطل والإيمان من الجحود لكي ينبهوا أهل الضلال والمعاصي فيكفوا عن غيهم وظلمهم وفسادهم في الأرض { إلا قليلا ممن أنجينا منهم } { إلا } ، استثناء منقطع . { قليلا } منصوب على الاستثناء المنقطع مما قبله ؛ أي إلا قليلا منهم ، والمراد بالقليل : هم الذين صدقوا رسلهم واتبعوهم ؛ فقد كان هؤلاء على قتلهم ينهون عن الكفر والفساد فنجاهم الله مما حقا بالكافرين الذين ضلوا عن سبيل الله ضلالا بعيدا فكذبوا ملة التوحيد وجحدوا رسالات الله وآذوا أنبياءهم أشد إيذاء وهؤلاء هم الأكثرون الذين عصوا وأبوا إلا الكفر والعصيان فضلوا سادرين في شهواتهم وملذاتهم . وهو قوله : { واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين } أي ابتع المشركون العصاة ما أنعموا فيه من الشهوات والملذات واهتموا بتحصيل الدنيا وما فيها من أموال ومتاع وبهجة ولم يعبأوا بما وراء ذلك { وكانوا محرمين } معطوف على { أترفوا } . والمعنى : أن هؤلاء أهل آثام وإجرام لاتباعهم الشهوات وانشغالهم في الحطام والخيرات وإعراضهم عن آيات الله .


[2191]:الكشاف جـ 2 ص 297.