{ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون } .
كان أهل مكة يمنعون الناس من الدخول في الإسلام ، واتفقوا على تقسيم مكة منازل وأجزاء ؛ يختص كل فريق منهم بطريق من طرقها ، فإذا شاهدوا وفود الحجاج والمعتمرين ، شنعوا على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ، وعلى الدين الجديد الذي يدعو إليه ، وادعوا : أنه ساحر أو كاهن أو مجنون . . وفي يوم القيامة يضاعف لهم العذاب ؛ لكفرهم أولا ، ولصدهم الناس عن الإسلام ثانيا ، ثم إن هذا عدوان على دين الله ، وافتراء عليه ، وإفساد للعقائد .
{ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون } . أي : الكافرون من أهل مكة ، والمحرضون على الكفر ، لهم عذاب جزاء كفرهم ، وعذاب آخر لصدهم الناس عن الإيمان ، وهذا جزاء إفسادهم في الأرض ، وقلب الحقائق ، وتقبيح الإيمان وتزيين الكفر ، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى : { وهم ينهون عنه وينأون عنه }( الأنعام : 26 ) .
أي : ينهون الناس عن إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويبتعدون عن دينه وهديه ، وقد أورد ابن جرير الطبري في تفسيره : آثارا عن الصحابة وغيرهم ، في ألوان العذاب الذي يزاد لهم ، وقد روى الحاكم والبيهقي وغيرهما عن ابن مسعود : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أهل النار إذا جزعوا من حرها ، استغاثوا بضحضاح في النار ، فإذا أتوه تلقاهم عقارب كأنها البغال الدهم ، وأفاع كأنهن البخاتى( ضخام الإبل ) تضربهم فذلك الزيادة )54 .
وفي الآية دليل على تفاوت الكفار في العذاب ، كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ، ودرجاتهم فيها .
قوله : { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون } ، الكفر في ذاته فظيع وشنيع . وإذا ضُم على الكفر الصد عن سبيل الله ، فذلكم أفظع وأشنع . والصد عن سبيله يتناول كل وجوه الفتنة والإضلال عن دعوة الله . سواء كان ذلك بالمال أو النساء أو تقلد المناصب ، أو كان ذلك بالترهيب والتخويف ، أو التلويح باستعمال القوة والتعذيب من أجل الصد عن دين الله ، والحيلولة دون التشبث بالإسلام . وغير ذلك من مختلف الوسائل والأساليب التي برع فيها المجرمون والمتربصون وهم يصدون الناس عن عقيدة الإسلام وتعاليمه . لا جرم أن هذه بمفردها جريمة فظيعة نكراء تضاف إلى جريمة الكفر . وأولئك الصادون عن دين الله قد زادهم الله عذابا فوق العذاب من النار . وفي معنى هذه الزيادة قال ابن مسعود : عقارب لها أنياب كالنخل الطوال ، وحيات أمثال البُخْت تأخذ بشفاههم إلى أقدامهم ، فيستغيثون منها إلى النار فيقولون : النار النار . وقيل : يخرجون من النار إلى الزمهرير ، فيبادرون من شدة برده إلى النار . وقيل غير ذلك . ( بما كانوا يفسدون ) ، أي : زادهم الله عذابا فوق العذاب بسبب عصيانهم ، وبأمرهم غيرهم أن يعصوا الله ويجتنبوا دينه وشرعه{[2588]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.